من دفاتر نكسة “مسار التصحيح الثوري “

راي/ مروان بن جدو22 مارس2023

إن التقييم الموضوعي لأي مسار أو جملة الخيارات السياسية-الاقتصادية تقف أولا على جملة المنطلقات و الغايات و الوسائل وصولا إلى نتائجها المادية الملموسة و انعكاساتها الاجتماعية خاصة على المرادين من ذلك المسار، لتحديد مدى نجاح/ فشل ذلك المسار أو تلك الخيارات. و من هذا المنطلق فإن التقييم الموضوعي لمسار “التصحيح الثوري ” منذ 25 جويلية 2021 يجب أن يتم وفق ما سبق و بعيدا على غوغاء المريدين و النوفمبريين الجدد كانوا من كانوا و بعيدا على بروباجندا التجييش المماثلة لغوبلز (وزير دعاية ألمانيا حتى 1945 ) بدعايات مضللة و خطابات التحميس و التخدير ..

و من هنا ننطلق لنجيب على سؤال مدى نجاح/فشل مسار الرئيس و مريديه في المستوى السياسي و الاقتصادي لنرصد بعده انعكاساته الاجتماعية على طبقات المجتمع .

•المستوى السياسي :

تقييم الجوانب السياسية لمنظومة 25 جويلية ينطلق مما رسمته هذه المنظومة بقيادة رئيس الجمهورية على المستوى الشكلي (شكل النظام) و المستوى المضموني (القرارات-الخطابات-القوانين ….) .

*شكل النظام : إن فكرة البناء القاعدي التي يروج لها النظام هي فكرة جد شعبوية بعيدة كل البعد على الديمقراطية الشعبية الحقيقية .فالمجالس و الهيئات و اللجان التي يدعو قيس سعيد إلى تثبيتها رغم انتقادات الجمهور السياسي لها هي ذر رماد على العيون ففكرتها الأساسية أنها ستعوض الديمقراطية البرلمانية التي فشلت في الاتصال بالناخبين و المواطنين و التشريع لصالحهم و الدفاع عنهم ، و هذه الهيئات و المجالس التي استهدفت مباشرة كل اشكال التنظم عمقت الهوة بين الطبقات لاتها مرتكزة على المناطقية و العشائرية و غير ملامسة للواقع الشامل لتونس ، و بذلك تظل مفرغة من أي برنامج وطني شامل قادر على خلق تغيير حقيقي في المجتمع .زد على ذلك فإن هذه المؤسسات هي رهينة لدى الرئيس باعتبار شكل النظام الرئاسوي المعدل و الذي يخول له حلها وقت ما عطلت إرادته (يتم تعريفها على اساس إرادة الشعب ) .و من هنا يسقط المريدون في دور “الكمبارس ” في مسرح الزعيم باعتباره الحاكم الأوحد و لا يراهم سوى عرائس و دمى في خشبته لتسلية الجمهور المحلي و الدولي .و من هذا نجيب على حماقات بعض الرفاق القدامى مثل “دعونا نجرب الحكم ” أن تجربتهم ليست سوى فصل جديد في التملق و الانتهازية البعيدة على مشاغل الجماهير و المعادية اصلا لهم .فالتواجد في هذه المؤسسات ليس سوى محاولة في التموقع لا التغيير و ذلك بسبب عجز هذه المؤسسات عن التغيير .

*المضمون : مضامين الرئيس واضحة منذ 2019 لكنها ظلت دائما مختبئة خلف خطبه الرنانة و تجلت أكثر بعد 25 جويلية في الدستور الذي خطه بيده و كل المراسبم التي أنتجها .في كل خطبه تجده يتحدى أولئك و هم و البعض و في ذلك خطر معاداة الجميع من يعارضونه و يفحمنا بخطب الوعيد و التهديد و السجون .و لكن المتمعن بين خطبه و اجراءات حكومته يوقن أن ذلك المضمون هو غطاء لجوهر اساسي و هو لاوطنية النظام .فهذه المضامين ذات الطابع الفرداني أساسها الإرتباط العضوي بالخارج (الإتحاد الأوروبي و الخليج و الولايات المتحدة ) ،و هو ليس مجرد علاقة شراكة بل ارتباط تبعية و ذل مقابل الرضا و المال .

هذه المضامين يمكن دراستها من عموم قرارات الحكومة و مراسيم الرئيس مقابل خطبه المتعلقة أساسا – كسابقيه – بمكافحة الفساد و الإحتكار و خلق الثروة و تفكيك منظومة الإرهاب ، لكنها تظل مجرد خطب و حبر و كذب على الطبقات المسحوقة لتصبر أكثر و لمنع أي انفجار اجتماعي ممكن .

• المستوى الإقتصادي :

و هو الأساس الرئيسي الذي يمكن منه استخلاص زيف شعارات و مضامين نظام 25 جويلية حيث يغلق النظام عينه على كبار الملاكين و المستثمرين بحجة “تشجيع الإستثمار ” و دعم المبادرة و دفع عجلة التنمية و غيرها من الجمل الرنانة لكن الواقع يفيد أن النظام مرتبط بهذه الرساميل و لا يمكنه معاداتها بل يعادي فقط الأغلبية المفقرة عبر سن الضرائب و عدم مراقبة مسالك الإنتاج و التوزيع و التوريد العشوائي  التي أدت كلها إلى انهيار تلم للإقتصاد نتج عنه انهيار العملة و تعويمها و تراجع مخزون العملة الصعبة و ارتفاع قيمة الدين الخارجي و العجز عن تسديد نفقات الدولة و التزاماتها الداخلية و الخارجية .فمنظومة قيس سعيد واصلت على درب سابقيها في تدمير القطاع الفلاحي و تدمير النسيج الصناعي الإستهلاكي و عدم الإستثمار فيه و خلق قوانين و تشريعات تخدم المافيات و البنوك و الكارتيلات الكبرى .

إن خيارات قيس سعيد الإقتصادية هي نفسها خيارات غيره و سابقيه ذلك أنها :

-تفتقر للتخطيط القائم على خلق الثروة و تحريرها .

– مرتبطة عضويا باقتصاد الإتحاد الأوروبي ما يجعلها عاجزة على منافسته .

– محكومة بنصوص و قوانين لفائدة كبار الملاكين فقط .

– مرتهنة للديون الخارجية و عاجزة على خلق بديل لها .

– قائمة على اللاعدالة : لم تذهب إلى تشريك التونسيين في إنتاج ثرواتهم فعمقت أزمة البطالة و لم تذهب إلى تحرير باقي ثرواتهم خاصة الطاقية و المنجمية بالتالي تؤبد حرمانهم منها .

-قائمة على الضريبة أساسا : و اساسا موجهة للفقراء و الأجراء و لا تحتكم لأي تمييز على اساس حجم الثروة أو غيرها من المعايير ، و خالية من اي منطق في احتسابها باعتبارها غير متلائمة مع الظروف الاجتماعية العامة

من هذا فإن نتائج هذه الخيارات محكومة فقط بفشل النظام في خلق الإستقرار الذي يريد تركيزه بل يوغل في مراكمة البؤس و الفقر الذي يهدد كيانه ،  و يوغل في تركيز الطبقية ما يعجل بالإنتفاض ضده و مشغليه و مريديه و المستنفعين منه ، و يوغل في خلق العداوات لقوى تونس الحية فيعجل بوأده مع سابقيه


اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد