
راي/ *مروان بن جدو..الدرب9 نوفمبر2022
ينتج عن كل المنعرجات الحاسمة في التاريخ ظواهر جديدة قد تكون أكثر نضجا من سابقاتها أو قد تحمل شوائب من القديم تشوه الجديد فتخلق حالات غير قادرة أحيانا على الإستمرار في التاريخ . و قد مثل 25 جويلية في تونس أحد المنعرجات المهمة في تاريخ البلاد خلق معه جملة من الظواهر و استجلب معه ظواهر أخرى و شوه ظواهر قديمة ( و ليس كل القديم سيئا ) . فمثلا ظاهرة المساندة النقدية المستمرة في الزمان لا يمكن ابدا تشبيهها بتلك الظرفية ( كما حدث في 7 نوفمبر 1987 ) و ذلك لاختلاف تأثيرها في الزمان و لتطورها لتصبح ظاهرة اخرى (معارضة أو مساندة كلية ) و لاختلاف أسباب وجودها و لطبيعة غاياتها و تصورات القائمين عليها .
و لتدقيق أعمق ، نلاحظ أن ظاهرة المساندة الظرفية المحدودة بعد 25 جويلية بنيت كليا على رفض للقديم الذي يسبق تلك اللحظة و ضبابية ما يلحقها و الحذر في التعامل مع تغيراتها في حين أن المساندة “النقدية” الممتدة في الزمان بعدها برهنت قصور القائمين عليها و ذلك لعدة اسباب :
-تناقض كلي بين المقولات النظرية للقائمين على هذه المساندة و الواقع المادي المعيش للجمهور فيذكل بذلك أصحابها بدورهم في تناقض بين ما يقولون و ما يمارسونه في أرض الواقع .
– عدم قدرتهم على مجاراة او التأثير على من فوض نفسه قائدا لهذا المسار في كل إجراءاته أحادية الجانب و تصوراته الفردانية و قبولهم بها رغم ما سبق و خاصة الإجراءات التي تضمن موقعا متناقضا مع الموقف المعلن سابقا بما يحيل على ضرب من الإنتهازية و اللهث وراء كل كرسي شاغر كلف ذلك ما كلف, فخلقوا بدورهم حالات مشوهة عن تياراتهم الأصلية و مقولاتهم النظرية الرافضة لواقع مماثل .
– رغم قناعة اصحاب المساندة النقدية الممتدة في الزمان بالأهوال الناجمة عن هذا المسار من عمالة و ارتهان للدوائر الإستعمارية و أجهزة المخابرات العالمية و ما نتج عنه من تضاعف الجوع و الفقر و البطالة و غطرسة البرجوازية الكمبرادورية و احتكارها للثروة و التفويت فيها لمشغليها ، و احتجاجهم على كل هذا فإنهم رغم ذلك يواصلون مسار مساندتهم و إيهام الناس و أنفسهم بأنهم ملزمون بالمسار السياسي لا الأشخاص و هو خطأ قاتل و أنهم قوة معارضة في مسار وضع الرئيس كل قواعده و ضمن قيادته الدائمة لكل محطات هذا المسار الملغوم ، إلا انهم يواصلون اللهث وراء معركة التموقع في تناقض واضح بين الوهم الذي يسوقونه للجماهير و الشبيبة و بين الواقع الذي يشتغلون صلبه .
إن ما يروجه أصحاب المساندة النقدية الممتدة في الزمان من مختلف المشارب الفكرية و السياسية (خاصة من يعتبرون أنفسهم وطنيين ديمقراطيين ) أن عملهم هنا مرتبط بالمسار السياسي بعد 25 جويلية لا بالأشخاص القائمين عليه و هو خطأ قاتل كما هو مشار أعلاه و ذلك لما يلي :
– لقد صرح هؤلاء معنا سابقا أن المرسوم 117 هو توجه ديكتاتوري و ذلك بعد أن جمع رئيس الدولة كل السلطات في يده و أصبح الحاكم بأمره ينصب ما اراد من هيئات و أشخاص و يسن ما اراد من قوانين ( تخدم توجهه و من خلفه من يحتكر الثروة لا الجماهير ) و رغم ذلك ينخرطون اليوم في لعبته بقوانينه و بالظروف التي يحددها هو و بمن يرضى عنه و بمن يراه يخدم مشروعه و مشاريع المحاور و القوى الحاضنة له .
– بعد صدور قانون المالية 2022 اعتبر معنا هؤلاء أن هذا القانون لا يختلف عن سابقيه بل يتقاطع معهم في جوهره الإستغلالي المنحاز للأغنياء ضد الفقراء (قارن بين نتائجه على البنوك مثلا و الوضع الإجتماعي للفئات الشعبية ) و أن توجهات الحكومة و الدولة تصب في القبول بإملاءات صندوق النقد الدولي ( و هو ما إتضح في الإتفاق الأخير ) ، إلا أنهم ذهبوا بعد ذلك للتبرير للإقتراض و التداين من أجل “إصلاحات” قد تنقذ شعب تونس من الفقر و الجوع .
-إن القول ب”معارضة” حكومة بودن و الرئيس من جهة و الإنخراط من الجهة الأخرى في مسارهم السياسي هو ضرب من الإنفصام أو الخداع المقصود للعقول و هو يشبه في بعض وجوهه ما جرى في العراق بعد العملية السياسية التي اشرف عليها ب.بريمر الحاكم العسكري الأمريكي للعراق حين صرخ السياسيون عاليا ضد الإحتلال لكنهم في مشهد كوميدي شاركوا في العملية السياسية التي نفذها الإحتلال .ففي تونس يصرخ أصحاب المساندة النقدية الممتدة في الزمان معارضتهم للحكومة ( و هي النتاج العملي و الإدارة المخول لها تنفيذ برنامج الرئيس بعد 25 جويلية ) و إجراءاتها و إرتباطاتها ، و يعارضون الرئيس و قصور نظره و تخبطه ( و هو أصلا القائم بكل ما انبثق عن 25 جويلية ) ، ثم يقبلون بكل إجراء يصنعه الرئيس و أدواته التنفيذية ( حكومة – هيئة انتخابات – حوار وطني – استفتاء ) قد يضعهم قربه و يتصدرون مشهدا سياسيا معاديا للشعب هو ضرب من الإنتهازية و اللهث وراء المواقع و تشويه للحركة الشعبية المناضلة التي ينسبون أنفسهم إليها و كانوا يتبنون مقولاتها الجوهرية .
– و في حججهم ، يرفع هؤلاء حججا من قبيل :إنتهى اليسار , مجاراة الواقع , التطوير ، إرادة الشعب و هي حجج لا يرد عليها لفقدانها أي معنى في واقعنا المادي ويذهبون أحيانا إلى ربط كل من يعارض الرئيس بمنظومة ما قبل 25 جويلية و هو استهداف لجوهر الحركة التقدمية و تشويه لتاريخها و إرثها و مضامينها بل و يذهبون إلى إسقاطات زمنية خاطئة مثل كما شاركتم سنة 2014 و 2019 سنشارك اليوم و هو في نظري إسقاط لا يراعي موازين القوى بين الأمس و اليوم و التوجهات الإقليمية السابقة و المستقبلية و عمى عن خطورة الإجراءات الإقتصادية و السياسية التي يقوم بها نظام قيس سعيد لتثبيت أركان حكمه .
كل ذلك لا يبرر بدوره أخطاء المساندة النقدية المحدودة في الزمان و التي كانت تحت وطأة الهزيمة الإنتخابية 2019 و عدم قدرتها على التنظم في حالة مقاومة وطنية تقطع مع خيبات الماضي و تخلق خط فرز حقيقي عن المعارضة العميلة التي كانت بدورها سلطة عميلة طيلة 10 سنوات ، و عدم قدرتها على استشراف المستقبل و ذلك لغرقها في المسائل التنظيمية و الإعتزال عن كل ما هو فكري و سياسي علمي يمكنها من صياغة رؤى واضحة و برامج سلسة تسلح بها الجماهير .
على الشبيبة المناضلة اليوم أكثر من أي فترة مضت الإمساك بزمام الأمور و الإستفاقة من حالة السبات و الخمول و الدفع مع الشباب المحتج في مختلف المناطق لأسباب مختلفة إلى تعرية التناقضات بين السلطة و الشعب و إيجاد خيوط الترابط بين هذه الإحتجاجات و تسليحها ببرنامج حقيقي يستنهض الشعب و يجعله في المواجهة المباشرة مع نظام التفقير و التجويع و الموت .
*مروان بن جدو عضو المكتب التنفيذي للاتحاد العام لطلبة تونس
اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
