
*راي/د. ماري ناصيف – الدبس
قالت القناة 12 التابعة للكيان الصه يوني عن “مصادر الطاقم الأمني الإسرائيلي”: سيصدق الأسبوع المقبل على اتفاق ترسيم الحدود مع لبنان.
اما سفيرة واشنطن، فصرحت، لدى مغادرتها قصر عين التينة ان “الأمور تبدو إيجابية جدا”… هذا، في وقت أعان فيه ان رئيس الجمهورية اتصل برئيس حكومة تصرف الأعمال وبرئيس المجلس النيابي “للتشاور” حول الرد “في أسرع وقت” على اقتراح هوكشتين”.
كل ذلك ولم يطلع احد الشعب اللبناني، صاحب الحق الأول والاخير، وكذلك صاحب الأرض والبحر وما عليهما وما يختزنان من ثروات، ما هو مشروع الاتفاق، اولا، وما هي العناوين الرئيسية للرد، ثانيا.
هل هناك وراء الاكمة ما وراءها؟
ترسيم الحدود البحرية بين التنازلات “الرسمية” والمطلوب وطنيا
بعد سكوت الطغمة المسيطرة في لبنان عن تسمية “الخط الأزرق” الذي يحاول الكيان الصهيوني المغتصب فرضه، منذ التحرير في العام 2000، حدودا برّية جديدة على وطننا، رغم الهزيمة التي مني بها نتيجة المقاومة الشعبية لاحتلاله، ما كنا نخشى منه في مجال ترسيم الحدود البحرية، وما طرحناه منذ بضعة أيام على شكل تساؤلات، أصبح حقيقة شبه واقعة.
هذه الحقيقة تقول أن الطغمة المسيطرة مستعجلة على توزيع الحصص في ما بين أفرادها؛ وهي، من أجل ذلك، تسعى للتوقيع السريع على ما توصّل إليه “الوسيط الأميركي” عاموس هوكشتين بعد أشهر من الكر والفر والذهاب والإياب، أو بالأحرى ما كان مرسوما منذ البداية في مجال تحديد حدودنا البحرية ضمن الخط 23 الذي يتناسب و”الخط الأزرق” المشار إليه سابقا، بما يعني التنازل عن 30 مترا شمالي رأس الناقورة وعلى طول الحدود الجنوبية مع فلسطين المحتلة، هذا في البر، أما في البحر، فالتنازل أكبر، إذ يشمل 2430 كيلومترا مربعا من مياهنا الاقليمية… وهي المساحة التي تفصل الخط 23 المقترح أميركيا عن الخط 29 الذي يشكّل حسب القانون الدولي حدودنا المائية.
والأنكى في الموضوع أن نائب رئيس المجلس النيابي المكلف من رئيس الجمهورية بملف المفاوضات – والذي تحاشى الرد عن كثير من الأسئلة التي طرحت عليه إبان مؤتمره الصحفي منذ يومين – أتحفنا بالقول أننا لولا “المعادلة الذهبية التي تعني الجيش والشعب والمقاومة” لما كنا توصّلنا إلى الحصول على حقوقنا هذه التي وهبنا إياها هوكشتين… بل، وزاد في “تربيحنا جميلة” بالقول أن هذا الذي يقوله موقف شخصي. واضربي يا مزيكة !
لا نعتقد أن المقاومة في لبنان، على تعدد تسمياتها واختلاف مشاربها، يمكن لها أن تقرّ بالتخلي عن كل هذه الأرض التي دفعنا ثمن حريتها دما غاليا وآلاما ودموعا، ولا أن تكتفي بالقول أن استخراج الغاز يجب أن يتم في آن معا في حقلي “كاريش” و”قانا”. فالمقاومة لا تتخلّى، بل لا يجب أن تتخلّى عن شبر واحد من تراب الوطن أو عن فلس واحد من ثرواته الطبيعية التي تعود، بالأصل، لشعبه، ولأجياله القادمة التي شردها النهب المنظم من قبل الطغمة المالية والمصرفية وممثليها في مؤسسات الحكم.
إذا، ما هي القضية؟ وهل دخلنا في مجاهل التطبيع عبر الترسيم؟
نطرح هذين التساؤلين، خاصة، لأننا سمعنا أجوبة، لم تعجبنا، تتعلق بأن الحديث عن “ترسيم الحدود مع إسرائيل”، والتغاضي عن مصطلح “فلسطين المحتلة”، نابع من المعادلات الدولية ومن تسميات النظام العالمي المتمثل بالأمم المتحدة !… كل ذلك، على وقع تحركات مشبوهة دعت وتدعو، تارة إلى عودة العملاء الفارين “لدواع إنسانية”، وطورا إلى اتفاق صلح مع العدو الذي قتلت عصاباته في العام 1943 المقاوم عساف الصبّاغ، والذي نفّذ مجزرة حولا في العام 1948، والذي لايزال يحتل جزءا عزيزا من لبنان، إن في القرى السبع أم في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وقرية الغجر… ناهيك عما خلفته الاعتداءات والاحتلالات من مجازر أخرى، بدءا بقانا ومرورا ببيروت وانتهاء بالجمالية.
التنازل عن أرض الوطن يعتبر في كل المعاجم الوطنية العالمية خيانة. هكذا تعلمنا منذ الصغر، وعلى هذا الأساس حملنا السلاح ضد المحتلين، وعملنا على طردهم من بيروت، أولا، ومن ثم من أغلبية أرضنا المقدسة.
ترسيم الحدود” مع العدو… أيضا وايضا!
يجري نقاش واسع حول “ترسيم الحدود”، خاصة في وسائل التواصل الاجتماعي، وبالاخص بين بعض الشخصيات التي تدعي اليسار والتقدم.، يستنتج منه الاتي:
أولا، هناك خلط بين مسألة استخراج النفط، وحق لبنان فيه، ومسألة اهداء العدو الصهيوني حقل “كاريش” تحت حجة أن ليس بالإمكان اكثر مما كان، وأن التنازل اليوم لا يلغي استطاعتنا لاحقا إستعادة المسافة الفاصلة بين الخطين ٢٣ و٢٩… علما بأن “الاتفاقية” تؤكد أن لا عودة إلى ما قبل الترسيم، وانه في حال تراجع لبنان عنها فستبقى الحدود كما رسمت في خرائطها… بمعنى اخر أن المفاوض اللبناني تتازل – طوعا ومجانا – عن ١٤٢٠ كلم مربع ودون سؤال أصحاب الأرض الحقيقين.
ثانيا، اما المؤسف اكثر فهو القول بأننا هكذا سنحل مشاكلنا الاقتصادية والمالية، علما أننا نعرف جيدا أن انتاج الغاز والنفط سياخذ وقتا طويلا، كما جرى بين قبرص والكيان الصهيوني الذي أجّل استخراج الغاز من المياه الاقليمية ما يقارب عشر سنوات
ثالثا، بعد الغاء الصندوق السيادي، وبعد تعديل قانون استخراج العاز مرتين، أنشأت الطغمة المالية وتلك الحاكمة باسمها، شركات وهمية أسست في سنغافورة، وإندونيسيا، وغيرهما، من قبل الذين سرقوا اموالنا وهربوها إلى الخارج. وهذه الشركات ستستولي على القسم الاكبر من عائدات لبنان من الغاز والنفط، بما يعني أن ما سيصل من تلك العائدات إلى الدولة لن يتجاوز ٢٥ بالمئة. والخطير اكثر في الموضوع هو تجاهل ما سينتج عن الاتفاقية الجديدة من إنهاء الصراع مع العدو على الأراضي المحتلة من قبله، خاصة بعد السكوت سابقا عن الترسيم المؤقت للحدود البرية، أو الخط الازرق، واتباع نفس الخط بحرا، بما يقدم للعدو هدية ثمينة من حقوقنا.
رابعا، إن تسخيف الموقف المعارض لاطلاق تسمية “إسرائيل” على فلسطين المحتلة، بحجة انها تسمية دولية، يعني أن لبنان لا يرى مشكلة في الاعتراف بالكيان الغاصب.
خامسا واخيرا، إن وضع تنفيذ “الاتفاقية” تحت إشراف الولايات المتحدة الأميركية، التي يتردد اسمها مرات عديدة في النص المكتوب، يشكل الخطر الأكبر على سيادتنا واستقلالنا، وحتى على وحدة اراضينا، إذا ما عدنا إلى مشروع الشرق الأوسط الجديد واسبابه وما يهدف من ورائه.
نفهم جيدا أن تهلل أجهزة البرجوازية لما جرى، وأن تسميه إنجازا. غير أننا لا نفهم أن يحاول بعض اليساريين التقليل من مخاطره… خاصة وأن مقدمة الدستور تعتبر التعامل مع العدو خيانة.
الترسيم في فصله الأخير .. إتفاقية الذل بين المادة “هاء” والصمت المريب
جاء في المادة الثانية من الفصل الأول من الدستور اللبناني (المعدّلة بالقانون الدستوري الصادر في التاسع من تشرن الثاني 1943) ، والذي يحمل اسم “في الدولة وأراضيها”، أنه ” لا يجوز التخلي عن أحد أقسام الأرض اللبنانية أو التنازل عنه”. ولهذا السبب بالذات، لا زلنا نؤكد أن مساحة أرضنا هي 10452 كيلومترا مربعا، بما يعني ذلك القرى السبع التي احتلها الكيان الصهيوني الغاصب في بداية احتلاله لأرض فلسطين، وما تم احتلاله في العام 1967 في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وقرية الغجر. ولهذا السبب ايضا نؤكد اليوم مجددا ما طرح في وثائق دولية ولبنانية رسمية من أن حدودنا البحرية مع فلسطين المحتلة تقع على الخط 29، وليس كما جاء في الوثيقة الأميركية – الصهيونية المسماة “اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان”، التي لم يجر استفتاء الشعب اللبناني على مضمونها.
وتجدر الاشارة أن عودتنا إلى نص الدستور، والتذكير به ومعه بالوثائق الدولية، نابعة من التخلي عن قسم من أرضنا كرمى لعيون العدو ومن هم وراءه. فالفقرة “هاء” من القسم الأول تقول التالي: ” يتفق الطرفان على أن هذه الاتفاقية، بما في ذلك كما هو موضح في القسم 1 (ب)، تشكل حلاً دائمًا ومنصفًا لنزاعهما البحري”. وكلمة “الدائم” تعني أننا وافقنا على التنازل طوعا، بل صاغرين، عن 1420 كيلومترا مربعا من مياهنا الاقليمية الجنوبية، وليس كما حاول البعض المتذاكي تفسير الأمر بأنه عندما تتحرر فلسطين لن يكون هناك خلاف بيننا على ترسيم الحدود… فالكيان المغتصب ليس بفلسطين، هذا أولا، وثانيا الاتفاق مع دولة فلسطين أو غيرها يعود إلى الشعب وليس إلى حكامه، وإن افترضنا جدلا أنهم موجودون بإرادتنا، وليس عبر تزوير تلك الارادة بالاستناد إلى لعبة الانقسام الطائفي والمذهبي التي يؤمنها قانون انتخابات صيغ على مقاسهم.
اليوم، يوقع أصحاب النظام اتفاقية أقل ما يقال فيها أنها “إتفاقية ذل” تعيدنا إلى ما رفضناه في تلك المسماة “إتفاق 17 أيار” الذي أسقطناه بفعل المقاومة. واليوم تتخلى الطغمة الحاكمة عن جزء عزيز من حدودنا، بعد أن تناست قبل ذلك ترسيمات “الخط الأزرق” البري ووافقت على القرار 1701 وتوابعه…
لن نطيل في الشرح، فالكل يعرف إلى أين نحن ذاهبون. إلا أن العجيب في الأمر لا يكمن في محاولة تحويل الهزيمة إلى انتصار من قبل المنتفعين، بل في الصمت المطبق، والمريب، باستثناء بعض الأصوات الوطنية القليلة التي تتحدى الخيانة.
*د. ماري ناصيف – الدبس:نائبة الأمين العامّ للحزب الشيوعيّ اللبنانيّ، رئيسة جمعية “مساواة ـــ وردة بطرس للعمل النسائيّ،” ومنسّقة الإعلام في “اللقاء الوطنيّ للقضاء على التمييز ضد المرأة.” أمينة سرّ لجنة الدفاع عن حقوق المستأجرين في لبنان، وعضو المجلس الاقتصاديّ والاجتماعيّ.
اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
