خالد كرونة..” سكّريّة الرئيس: ثرثرة حول السكر و مرسوم الصمود الغذائي !

قراءات/خالد كرونة29 سبتمبر2022

سُكّريّة الرئيس !

من لطائف التاريخ و مصادفاته ، أن عُرض فيلم “السكرية” لأوّل مرّة في قاعات السينما المصريّة سنة 1973 بتاريخ 14 جانفي.. أخرج الفيلم الفنانُ حسن الإمام وكان من أبطاله نور الشريف ومها صبري وميرفت أمين ..

ومعلوم أنّ هذا العمل نقل الرواية الثانية عشر للأديب نجيب محفوظ التي نشرت سنة 1957 من عالم القراءة إلى عالم المشاهدة .. وما العجب و الرواية هي الدرة الأخيرة فيما بات يعرف بثلاثية نجيب محفوظ بعد “بين القصرين” و “قصر الشوق” التي أنالت الرجلَ سنة 1988 جائزة نوبل التقديرية للآداب وهو شرف لم يحظ به أديب عربيّ سواه حتّى الساعةِ ؟

والسكريّة حيّ قاهريّ عريق ينتصب فيه جامع المؤيّد و فيه حمّام الفاضل المشهور، وفيه وكالة “نفيسة البيضاء” أيضا .. انتقلت إليه عائلة أحمد عبد الجواد وسط قلاقل سياسية لأن الرواية تؤرّخ لانتقال الحكم من الملك فؤاد إلى الملك فاروق مثلما تؤرخ لانقسام حزب الوفد بين النقراشي باشا و مكرم عبيد والنحاس باشا في فترة الحرب العالمية الثانية و أيام فتك وباء الكوليرا بمصر وأهلها فتكا ذريعا.

السيد الرئيس كما قد علمتم يحب الريشة والخطُوط القديمة و القراطيس .. وأرجّح أنه قرأ سكرية محفوظ ولعلّه شاهدها على الشاشة الكبيرة .. ولا أحسبه نسي صرخة “عبد المنعم” الذي انضم إلى الإخوان المسلمين ساعة اعتقاله في نهاية الرواية : “هل كل ذنبي أنني أعبد الله” ؟ لا أظنه أيضا استحسن موقف “كمال” أصغرِ أبناء أحمد عبد الجواد حين رفض دراسة الحقوق و فضّل الفلسفة ومناهجها..

وأحسب أنّ السيد الرئيس قد أعدّ لكم “سكرية” .. وهي في عرف أهل المعاجم الوعاء الذي فيه يوضع السكر مجاورا لفنجان القهوة .. والرئيس بحكم عشقه المعروف للقهوة، يعلم يقينا قيمة السكرية .. ولذلك سارعت حكومته المجيدة إلى تطويق أزمة السكر حتّى لا تستقرّ في حلوقنا المرارة .. وبدلا من أن يغمس ريشته في الحبر، قرّر أن يكتب لكم بالسكر .. مقاربة فريدة ما دمنا ندشّن عصرا جديدا .. وحلاوة النصوص بعد غمس الريشة الرئاسية، في السكر جليّة، مذاقها الناعم اللذيذ بيّنٌ في المراسيم الجمهورية ..

ما يزال مذاق المرسوم 64 طازجا .. مرسوم الاستجابة لصمود الأمن الغذائي .. خلاصته أنّ الدولة التونسية بآلية اتفاق ضمان مبرم في 11 أوت 2022 مع البنك الأوربي لإعادة الإعمار و التنمية، ستستفيد من قرض مقداره مائة وخمسون مليون وخمسمائة ألف أورو يسند إلى ديوان الحبوب في سياق مشروع الاستجابة لصمود الأمن الغذائي.

كانت المفوضية الأوربية منذ السادس من أفريل المنصرم أعلنت عن إنشاء صندوق مهمته تعزيز ما أسموه “القدرة على الصمود” هدفه التصدي لتبعات ارتفاع أسعار المواد الغذائية ،، ثم كان مؤتمر مجموعة الدول السبع في جوان و اجتماع لجنة الأمن الغذائي العالمي في نيويورك خلال منتصف جويلية ،، وهي مبادرات غايتها حشد جهود دولية تعزز القدرة على الصمود في مجالي الغذاء والزراعة .

هذا يقودنا حتما لا فقط إلى إدانة الطبقة السياسية في بلادنا التي لا تكاد تلتفت إلى مخاطر الجوع القادم لأنها لا تعرف سكرية محفوظ، بل إلى تبيّن وهن الخطاب السياسي الرسمي أيضا لأنه تائه في رواية “بين القصرين” التونسية ، ولأنّ الاستمرار في مضغ علكة الأمن الغذائي التي غدت خلوا من السكر جريمة في حق البلد يغنم منها تماسيح الأزمات وبارونات توريد كل شيء ..

المطلوب أيها السادة أن نقطع كلّيّا مع معزوفة الأمن الغذائي و التأسيس فعلا لسيادة غذائية .. وشتّان بين الأمرين .. هذا هو الدرس الحقيقي من الحرب في أوكرانيا .. وسط هذا الجوع إلى البدائل ، ووسط تعاظم أزمة الغذاء في العالم، لن تنفعنا ريشة تغمس في السكرية ، ولن تفيدنا كرنفالات مواجهة المضاربين على وجاهتها ،، أمر أهم وأعظم و أكبر بانتظارنا لنكون فعلا على موعد مع المستقبل .. إنّه التأسيس فعلا لمقومات سيادة غذائية .. وعلينا أن ندرك أنّ أصغر خصومها هم أولئك المحتكرون ، أمّا رأس الأفعى فهي رؤوس المنظومة وسدنة المافيا ..

رحم الله محفوظ. قال في سكريته :

” لا بد من عمل ، ولا بد للعمل من إيمان ، والمسألة هي كيف نخلق لأنفسنا إيماناً جديراً بالحياة ” !


اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقاً