ايمن العلوي: “..ان نقول للجمهور كلاما و نمارس عكسه في قصر الأسياد, فذلك ان عاش فخراجه لهم, وان مات سيسمم الزرع”.

راي/ ايمن العلوي الدرب10 سبتمبر2022

عندما نكتب او ننناقش في السياسة مهملين التطرق لمحور السلطة و الثروة, فعلى الأرجح ان الانشاء يكون سيد الموقف, مبتعدين بذلك عن انتاج نصوص و افكار تساهم و لو بقدر بسيط في الإجابة عن الإشكاليات و الازمات التي تعيشها قوى التغيير الاجتماعي.

فالانطلاق من أحجام التنظيمات و نقد ما تقوله عن نفسها ( اهي ثورية او الصلاحية. او… ..) لا يؤدي بنا إلى كتابة تقييم سياسي جدي, حيث ان تبني قضية او فكرة الثورة في صفوف تنظيم او مجموعة مناضلة ما , لا علاقة ميكانيكية له بقدراتها الفعلية عن المضي قدما فيما تطرح على نفسها من مهام و استراتيجيات ولا بسلامة اطروحاتها ذاتها و تكتيكاتها في كل ردهات ممارساتها من أجل تلك الفكرة.

لان الجدل بين اي مشروع و أداة تنفيذه هو صيرورة معقدة بتعقيد المصالح داخل المجتمعات و الدول و الثقافات و تبلور وعي اصحاب المصلحة المباشرة في التغيير فضلا عن موازين قوى الصراع الاجتماعي في كل لحظة و حين.

( 1)

اعتقد ان هذه المقدمة لا بد منها للتفاعل مع كل التدوينات الجدية التي رامت التطرق للانقسام الحاصل داخل حزب الوطد الموحد.

هذه الازمة التي يوصفها البعض اعتباطا انها أزمة “القيادة الفاشلة” التي فتكت بالتنظيم السليم و عليه كان لزاما على جزء من مناضلي التنظيم ان يزيحو هذه القيادة الفاشلة حتى يستعيد التنظيم عافيته, و يكون ذلك عبر تجميعهم في قاعة و الخطاب فيهم لإعلان بداية مرحلة “الأمل و العمل” دون اغفال _التذكير _ ببيروقراطية “القيادة الفاشلة” و قمعها و استبدادها و سعيها للانفراد بالسلطة داخل التنظيم العتيد.

إن هذا التوصيف البدائي لفصل جديد من أزمات التنظيمات و المجموعات اليسارية الممتدة منذ عقود هو في حد ذاته دليل على فشل قيادة الوطد الموحد في الاسهام في الخروج من المشكل. ( ها اننا نسلحهم بأحد الحجج الصلبة على فشلنا).

يأتي السعي لانجاز هذه القفزة السحرية لما اسموه في استعارة أسطورية “انبعاث الوطد من جديد” في سياق تهاو لكل التشكيلات و التنظيمات الطلابية و الشبابية و النقابية و النسوية و السياسية التي ترفع راية ” اليسارية” و في ظل سلطة تريد الأمعان و الايغال في هذا التهاوي لترث جمهور اليائسين من اليسار بنفس مقاربة الإنقاذ الاسطورية التي يطرحها اصدقائنا.

إن فشل القيادة الحالية للوطد يكمن تحديدا في عدم رؤية هذا الوضع القائم حاليا وهو قادم من بعيد, فالقيادة ( مع تحفظي الشديد على هذا المصطلح [القيادة]و قد أعود إلى ابداء الرأي فيه لاحقا) الناجعة هي التي ترى اطياف الهزائم و المصائب كما الإنفراج و النصر من بعيد لتجهز في الحالتين.

و لم تتمكن قيادة الوطد من ذلك للأسباب التالية :

*/رفض تصفية الحساب مع الإرث الفكري و السياسي لهذا التيار الذي طغت عليه النصوص الطلابية التي تطرقت لموضوعات مجتزئة ميعت مع تطور الأوضاع و الأحداث حدود هذا المشروع و انحيازاته وفقدت كل قدرة على مجابهة اشكالات الواقع وتحولات المجتمع و الدولة و خطوات العالم المتسارعة و الفلكية.

*/ غياب مجموعة او مجموعات للتفكير تشتغل على قراءات معمقة للجديد في الحركة الاجتماعية وتجاربها و تحيين معطيات المجتمع التونسي و تناقضاته و قراءة الوضع الدولي اقتصاديا و سياسيا بشكل علمي يلامس اكثر ما يمكن من الدقة.

” التساهل الفكري و السياسي مع الأفكار النيوليبرالية التي نمت داخل الحزب مثل التوافق و انتصار الرأسمالية و تعايش القطاعات و دمقرطة اقتصاد السوق, التحالف/التذيل لشقوق السلطة الرجعية في كل منعرج بدعوى تحقيق أهداف مرحلية, تبني وجهة النظز الليبرالية من الإسلام السياسي و طرق مواجهته و سهولة السقوط في مستنقعات اجندات المجتمع المدني الأوروبي و الأمريكي.. الخ.. .(الأمثلة كثيرة و متوفرة لمن يريد التدقيق).

” التقاعس عن القيام” بحملة تفسيرية ” داخل المناضلين في كل خلاف نشب داخل الحزب ظنا من القيادة انها تتبنى بديهيات في رؤوس مناضلي الحزب وفقا للحد الادنى الفكري و الطبقي المتفق عليه في المؤتمر التأسيسي.

( 2)

ان هذا الفشل الذي سقطت فيه قيادة الوطد منذ تأسيسه لا يشذ عن السياق العام الذي يصيب الحركة العمالية و الاجتماعية و كل سياقات النضال الوطني /الطبقي في تونس رغم المحاولات المتكررة للحركات الاجتماعية و المجموعات الشبابية لملامسة الجديد الذي يصعب انبلاجه في اللحظة الراهنة.

و بين حالة الانكار التي تصيب “الحرس القديم” في هذه الوضعيات” التنظيمية من جهة و بين المتقبلين للهزيمة و الازمة محاولين التصدي لقتل كل عناصر الحياة و التقدم, يتخيل” الحرس القديم” ان الإقرار بالأزمة و الحيرة التاريخية أمام حلها هو من باب المؤامرة عليه و نسف” لأحلامه الماضوية” و لذلك يسعى إلى اعادة إنتاج نفس خطاب و برنامج و أخطاء ” القيادة الفاشلة” التي يزعم الثورة عليها و لكن بأسلوب اكثر مهزلية.

إن هذا الحرس القديم بقدر تمسكه الفرازيولوجي بمقولات الماضي هو في الحقيقة يترجم إنكار أزمته و عجزه على مواجهتها عبر الحلول الجاهزة و المعلبة و السهلة وذلك بمعادلة بسيطة:

الحشد العددي و المشهدي لحل “أزمة التنظيم” و الانتساب القسري لانتصارات زائفة سياسيا, حيث قال أحدهم بالحرف ” إن السلطة القائمة أنجزت نسبة كبيرة من برنامج الحزب”.

( 3)

لقد حاولت تكثيف هذه القراءة للتفاعل مع لغط ” المسألة التنظيمية” التي يتم تصديرها اليوم انها ” ام المعارك” و لكنها في تقديري هي الجانب الجزئي من أصل الحكاية.

حيث أن هذا الصراع حول نجاعة التنظيم غطى سؤال ماذا نفعل بالتنظيم؟

إذ تسود هاته الجماعة فكرة تقال في السر بداية ثم بدأت تتعالى إلى أن قالها يوما أحدهم على رؤوس الاشهاد : “ياخي بش نبقو طول اعمارنا في المعارضة؟؟؟”

و تبرر هذه الفكرة عموما بأن الحزب او التنظيم الذي لايسعى للسلطة يجب أن يبحث عن شيئ آخر يمارسه غيرالسياسة.

هذه الفكرة الملعونة و البراقة في ذات الوقت تنظر إلى السلطة على أنها مغارة “علي بابا” التي تفتح بكلمة سر و تسمح لداخلها بأن يغرف منها ما شاء على هواه, متناسية ان هذه الأخيرة _اي السلطة _ تثبت لهم في كل وقت و حين انها هيئة سياسية لإدارة مصالح و ثروات و امتيازات مهما قوت و تمركزت و استبدت ( قبل 2011) و مهما تشتت و ضعفت (العشرية) و مهما تلحفت بثياب الواعظين ( 25جويلية) فتحالف مراكز النفوذ المالي و الاقتصادي او ما يعرف ب العائلات المتنفذة مع بارونات التهريب المشتبكة صراعا و مساومات مع الدولة الرسمية و امتيازات كبار البيروقراطين في الدولة هو خارج دائرة النقاش و إعادة النظر لكل السلطات و هي تؤكد هذا بإستمرار في وثيقة تجديد الولاء الطبقي المسماة قانون المالية.

إن هذه السلطة التي تحرم التونسيين من ثروتهم و تتأهب عصاها كل يوم لتأديب كل من تخول له نفسه طرح هذه المسألة باي شكل, لا يريد اصحاب “المعركة التنظيمية” خوص الصراع حول الموقف منها و طبيعتها و أين نقف ازاءها,بل يعتبرون ذلك من قبيل المزايدة عليهم و ضرب من الثورجية تداري بها “القيادة الفاشلة” عورتها التنظيمية .

لكن هذه المسألة للأسف لا تطرحها” القيادة الفاشلة ” بقدر ما تطرح بالحاح على الجماهير الجائعة التي تريد ” الأسرة التنظيمية” الاشتباك معها كما وصف أحدهم.

إن السياسة تنحصر بالنسبة لمنطق التفكير ذاك في معاداة الاخوان المسلمين عدوانية غريزية حينا و موغلة في وجهة النظر السلطوية و الليبرالية في أغلب الأحيان مهملين اهمالا تاما الطرح الوطني الديمقراطي الأصيل و الدقيق في هذا السياق بالذات الذي يرى الإسلام السياسي كمنتوج تاريخي للصراع الطبقي و كاحتياطي للامبرالية و ورقة من ضمن ورقات الهيمنة الرأسمالية على الشعوب و الامم.

هذا الحصر للفعل السياسي في التعاطي الليبرالي مع الاخوان المسلمين جعل الكثير من الأحداث و التصعيد الشعبي( الحقل الحقيقي لبناء الخبرات التنظيمية و مراكمتها) يمر امام جزء من رفاقنا مرور الكرام, من انتفاضات الجنوب حول ثروات النفط إلى تجربة جمنة الرائدة, إلى معارك الارض في بوزيان و المكناسي إلى تحركات الفلاحين , إلى كفاح اهل الهوايدية, إلى انتفاضات الأحياء الشعبية الليلية, الى اعتصامات المعطلين في قفصة و القصرين, إلى اتساع رقعة الوعي و النضال البيئي في قابس و صفاقس….

كل هذه الأحداث مرت أمام التنظيميين تحت مقياس و مسطرة القرب و البعد من الاخوان و مصلحة الأخوان و مؤامرات الأخوان و ما مدى استفادة الاخوان…

لقد أصبح هذا الجو سائدا خانقا مهرسلا داخلنا, لقد كان غازا مشلا للدماغ يتجول بين المناضلين لم ينجو تقريبا منه احد في لحظة من اللحظات.

إن الفعل السياسي الذي يفرضه علينا انسجامنا مع النقطة التي انطلق منها الجميع يفرض الوفاء لشعار ان لا مصلحة خاصة لنا و التي تفترض ان نكون سياسيا في صف مصالح عامة تحدد تخومها بدقة و يتطابق فيها القول و الفكر مع الممارسة, ذلك هو المجال الوحيد الذي يمكن أن نعيش فيه و ننمو و حتى أن متنا و انتهينا او أماتنا التاريخ غصبا سنترك سمادا صالحا لتحيا فيه افكار أرقى و تنظيمات انجع وحركة اسرع.

اما ان نقول للجمهور كلاما و نمارس عكسه في قصر الأسياد فذلك ان عاش فخراجه لهم و ان مات سيسمم الزرع.


اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد