
راي/مصطفى الجويلي-22جويلية2022
مقدمة
هذا النص قراءة لمسار 25 جويلية و ادعو كل الرفاق و الاصدقاء الى مشاركته على نطاق واسع ليس من باب الدعاية بل لتوسيع دائرة النقاش و التفكير و نحن في أمس الحاجة الى ذلك.
كل الشكر للرفيق غيث المرواني الذي استفزني بتدوينته و حثني على استكمال نص بدات في كتابته بشكل متقطع منذ اكثر من اسبوعين.
“لا للعودة الى الوراء، نعم لمشروع الدستور حتى نتخلص من العشرية السوداء وحكم حركة النهضة”. هذا الشعار الذي يردده أنصار قيس سعيد ومؤيديه باختلاف الوانهم وطيف واسع من اليسار، يبدو مغريا ومقنعا في ظاهره الا انه لا يخلو من المغالطات التي قد تدفع البعض الى اتخاذ مواقف سياسية مناقضة تماما لتصوراتهم (او على الأقل لما يروجونه عن أنفسهم) ومعادية للفئات والطبقات الاجتماعية التي يزعمون الدفاع عن مصالحها.
مصطلح “العشرية السوداء” (الذي ابتدعته عبير موسي لتبخيس المسار الثوري وتمجيد نظام بن علي) لا يخلو في حد ذاته من المغالطة فهو يحصر كل الازمة في “حكم النهضة” (ويتغافل عمدا عن كل من حكموا معها: نداء، تحيا تونس، افاق، حركة الشعب، التيار الديمقراطي …….) ويقفز عن أسبابها العميقة المتمثلة في تواصل نفس السياسات التي حافظت على مصالح التحالف الطبقي الحاكم وارتباطاته بدوائر الرأسمال الاحتكاري العالمي. من هذا المنطلق يمكن الجزم ان كل “العشريات” الفارطة كانت سوداء ولئن اختلفت درجات سوادها وما تغير من فترة الى أخرى هي التعبيرات السياسية وقدرتها على إدارة التناقضات الاجتماعية والحفاظ على نفس المصالح الطبقية.
من ناحية أخرى، من باب المغالطة أيضا ان نوصف العشرية الفارطة (2011- 2020) فقط بـ “حكم النهضة وحلفائها”. فهذه العشرية تميزت أيضا (وهذا مهم ومحدد لصياغة الموقف السياسي) باندلاع المسار الثوري الذي، ولئن افتقد الى البرنامج والقيادة السياسية، وعرف عدة انتكاسات، الا انه لم ينطفئ نهائيا، بل عرف انتعاشه في أواخر 2019 وبدايات 2020 وتوسعت دائرة الاحتجاجات الاجتماعية امام تواصل وتعمق نفس سياسات التفقير والتهميش وعجز الحكومات المتعاقبة بسبب تفاقم الازمة الاقتصادية (ازمة المالية العمومية خاصة) عن ضبط حركة الفئات والطبقات الاجتماعية المنتفضة. لذلك لا يمكن فهم وقراءة “لحظة 25 جويلية” واتخاذ الموقف السياسي السليم خارج السياق العام للمسار الثوري وما افرزه من تناقضات بين الفئات الشعبية المضطهدة والتحالف الطبقي الحاكم من ناحية وبين مختلف شرائح التحالف الطبقي الحاكم من ناحية أخرى.
خلافا للبرجوازية الكلاسيكية (الأوروبية على وجه الخصوص) التي افرزت وأنشأت “الدولة الحديثة” فان البرجوازية الكمبرادورية (في تونس كما في باقي اشباه المستعمرات) نشأت وتشكلت في رحم دولة الاستعمار الجديد. وهو ما يفسر الى حد بعيد هيمنة بيروقراطية الدولة وقيادتها طيلة عقود للتحالف الطبقي الحاكم. شكلت بيروقراطية الدولة المؤطر لعملية التراكم والضامن لمصالح مختلف شرائح الكمبرادور عبر القوانين والسياسات التي تنفذها ومثلت، عبر الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، الوسيط بين الرأسمال الاحتكاري العالمي والكمبرادور المرتهن به. لكن يبقى الأهم هو الدور الذي لعبته بيروقراطية الدولة في إدارة التناقضات الداخلية وضمان الحد الأدنى من التماسك بين مختلف شرائح التحالف الطبقي الحاكم كضرورة موضوعية لإعادة انتاج هيمنته.
هذا التماسك الذي بدا يتراخى منذ أواسط سنوات 1990 (اتفاق الشراكة وإعادة الاعتبار للكمبرادور التجاري، تحرير القطاع المالي وتنقيح القانون الأساسي للبنك المركزي 2002 و 2006 و تعزيز موقع الكمبرادور المصرفي) فجره بشكل جلي المسار الثوري الذي اظهر الى السطح التناقض (الثانوي) بين مختلف شرائح الكمبرادور لينفلت راس المال المصرفي ولوبيات التصدير والتوريد وكبار المالكين العقاريين من عقالهم. أصبحت المضاربة المعممة هي القانون الناظم لكل نشاطات الاقتصاد وتوسعت دائرة الاقتصاد الموازي وتمكنت شرائح الكمبرادور (بدرجات متفاوتة) من الهيمنة على مؤسسات القرار السياسي والاقتصادي عبر تمويلها للمنظمات والجمعيات والاحزاب اليمينية والحملات الانتخابية وهيمنتها على وسائل الاعلام. في المقابل، تراجع دور بيروقراطية الدولة وتضاءلت قدرتها على إدارة التناقضات الطبقية وخصوصا قدرتها على فرض “حالة من الانضباط” والتماسك داخل التحالف الطبقي الحاكم. لذلك فان ما ميز العشرية الفارطة من تغيير متواتر للحكومات والتحالفات وتردد وتعثر الحكومات المتعاقبة و “التجاذبات السياسية” حسب تعبير الاعلام الرسمي وحالة الشلل النسبي التي عرفتها المؤسسات السياسية للدولة ليست الا انعكاسا لتضارب المصالح بين مختلف شرائح الكمبرادور في ضل عجز كل الأحزاب اليمينية وأساسا حركة النهضة ان تكون تعبيرة سياسية جامعة للتحالف الطبقي الحاكم.
من ناحية أخرى، فجر المسار الثوري التناقض الرئيسي بين الفئات والطبقيات الشعبية المضطهدة والتحالف الطبقي الحاكم. وباستثناء بعض المكتسبات السياسية فان المسار الثوري لم يكن قادرا على اسقاط المنظومة برمتها وفرض خياراته الاقتصادية والاجتماعية. على الرغم من زخم الاحتجاجات وتوسع دائرتها فان غياب البرنامج والقيادة السياسية وحالة موازين القوى الطبقية لم تكن تسمح بغير ذلك. لذلك، رغم هشاشته النسبية وتناقضاته الداخلية، تمكن التحالف الطبقي الحاكم، عبر تعبيراته السياسية المختلفة، من إعادة انتاج نفس السياسات وتمرير جزء هام من املاءات المؤسسات المالية العالمية (قانون الاستثمار، قانون البنوك، الشراكة بين القطاع العام والخاص، قانون البنك المركزي…) التي دفعت نحو تدمير ما تبقى من النسيج الاقتصادي وتوسيع دائرة البطالة والفقر والتهميش. في هذا السياق وجدت بيروقراطية الدولة نفسها في الخط الامامي لمواجهة الحركات الاجتماعية وموجات الانتفاض الشعبي المتتالية دون ان تكون لها القدرة على احتوائها والتلطيف من حدتها. فبقدر ما قدمته هذه البيروقراطية من تنازلات مالية (إعفاءات جبائية، منح، تخفيض في المعاليم الديوانية، التداين المجحف، التخفيض في قيمة الدينار…) وسياسية لصالح الشرائح الأخرى من الكمبرادور ومن ورائها الرأسمال الاحتكاري العالمي بقدر ما تراجعت مواردها المالية (الازمة الدائمة للمالية العمومية) وتضاءلت قدرتها على شراء السلم الاجتماعي. لذلك لم يكن امام بيروقراطية الدولة من خيار سوى القمع المباشر للاحتجاجات من ناحية، وتعويض خسائرها المالية عبر التخفيض في نفقاتها الاجتماعية واثقال كاهل العمال والاجراء وصغار المنتجين عبر الترفيع المستمر في الأداءات الغير مباشرة من ميزانية الى أخرى. هذه الاليات لم تساهم الا في توسع دائرة الاحتجاجات والترفيع من حدتها.
ارتفعت وتيرة الاحتجاجات (نهاية 2019- بداية 2020) خاصة مع ما خلفته انعكاسات ازمة الكورونا وفشل الدولة في ادارتها نتيجة لضعف مواردها واتباعها لمنهج علموي في معالجتها وخضوعها لمصالح مختلف شرائح الكمبرادور. وقد تعددت وتنوعت اشكال الاحتجاجات (اعتصامات المعطلين عن العمل، احتجاجات ليلية، احتجاجات الفلاحين …) وغادرت مواقعها التقليدية (وسط العاصمة، شارع بورقيبة..) لتشمل الجهات الداخلية والاحياء الشعبية. لكن الأهم يكمن في ان الفئات المنتفضة بدأت تحدد ولو بشكل عفوي اعدائها الرئيسيين و يبرز هذا في تذمر الفلاحين و مربي الماشية من لوبيات تجارة الاعلاف و مستلزمات الإنتاج و تذمر صغار المنتجين من سطوة البنوك و لوبيات التصدير و التوريد و مهاجمة شباب الاحياء الشعبية للفضاءات التجارية الكبرى و مطالبة المحتجين بحل البرلمان و الحكومة كمؤسسات مسؤولة عن كل سياسات التفقير و التهميش …..هذا المسار شكل تهديدا مباشرا للتحالف الطبقي الحاكم و كان يحمل في طياتها ممكنات اسقاط كل المنظومة الاقتصادية و الاجتماعية.
في مواجهة هذا المسار وجد التحالف الطبقي الحاكم نفسه امام خيارين لا ثالث لهما. الأول يتمثل في توسيع دائرة القمع البوليسي المباشر، الا ان هذا الخيار يمكن ان يدفع نحو مزيد توسيع دائرة الاحتجاجات وتجذيرها وقد يؤدي الى انفلاتات يصعب التحكم فيها و مراقبتها. الحل الثاني يكمن في اخذ أحد مكونات التحالف الطبقي الحاكم لزمام المبادرة في اتجاه امتصاص حالة الاحتقان وتوجيهها نحو إعادة ترتيب البيت الداخلي للتحالف الطبقي الحاكم وتجاوز أزمته. موضوعيا، شكلت بيروقراطية الدولة الشريحة الوحيدة القادرة على لعب هذا الدور عبر ما أعلنته رئاسة الدولة ليلة 25 جويلية من “إجراءات استثنائية”.
في الواقع لم تكن “الإجراءات الاستثنائية” (تجميد البرلمان، اقالة حكومة المشيشي..) استجابة لمطالب الجماهير الشعبية ولا تجاوزا نهائيا للازمة بحل التناقض الرئيسي الذي يشق المجتمع، بل استجابة لتفاقم التناقضات الداخلية للتحالف الطبقي الحاكم عبر فك العزلة عن بيروقراطية الدولة واستعادتها لدورها المحوري في إدارة موازين القوى داخل التحالف الحاكم وضمان الحد الأدنى من التماسك بين مختلف شرائحه، وهو ما عبر عنه بوضوح المرسوم 117 المؤرخ في 22 سبتمبر 2022 الذي وضع كل السلطات بيد رئاسة الدولة أي بيد الجهاز البيروقراطي بمختلف مكوناته الإدارية والأمنية و العسكرية.
الا ان هذا المسار يتطلب شرطين أساسيين. يتمثل الشرط الأول في إضفاء نوع من “الشرعية الشعبية” عليه. في هذا الإطار، وامام الضغوطات الداخلية والخارجية، طرحت مؤسسة الرئاسة خطة تمثلت محطتها الأولى في “الاستشارة الالكترونية”. هذه الاستشارة التي توجهت الى المواطنين كأفراد منعزلين ومجردين من انتماءاتهم الطبقية والاجتماعية وهو ما يعكس رفضا كليا لكل ما يمكن أن يشكل حافزا للانخراط الجماعي في النقاش السياسي ويمنع إمكانيات اصطفاف الفئات الشعبية على قاعدة مصالح طبقية أو قطاعية جامعة. هذه الاستشارة ذات الأسئلة الموجهة والمعلومة النتائج مسبقا لم تطرح خيارات اقتصادية واجتماعية بديلة للخيارات السائدة ولم يكن الهدف منها سوى إيجاد مشروعية لتغيير النظام السياسي من برلماني الى رئاسي بشكل يمكن رئيس الدولة او بالأحرى الجهاز البيروقراطي من احتكار كل السلطات. وعلى الرغم من ضعف المشاركة فقد اعتبرت الاستشارة تعبيرا عن” الإرادة الشعبية” وقاعدة لما سمي “الحوار الوطني”. هذا الحوار الذي اثبتت الوقائع انه لم يكن سوى حوارا شكليا وصوريا هدفه تمرير مشروع دستور قد اعد سلفا.
اما الشرط الثاني فيتمثل في ضرورة المرور من حالة الاستثناء الى “الحالة الدائمة” أي استعادة بيروقراطية الدولة بشكل نهائي لدورها المحوري. لذلك لم يكن مشروع دستور 30 جوان (و 8 جويلية) سوى دسترة للمرسوم 117 أي تثبيا للموقع المحوري لبيروقراطية الدولة. هذا الدستور الذي سيعرض على الاستفتاء يوم 25 جويلية بشروط حددتها مؤسسة الرئاسة بشكل يضمن، تحت غطاء الديمقراطية، تمريره ودخوله حيز التنفيذ بقطع النظر عن نسبة المشاركة.
بناء على ما تقدم، ان الموقف من الاستفتاء ومن المسار الذي تفرضه مؤسسة الرئاسة (مسار 22 سبتمبر) لا يجب ان يستند الى ضرورة اتخاذ موقف مغاير لموقف حركة النهضة ولا أيضا على ما يروج من أوهام حول عودتها الى السلطة في صورة عدم تمرير “دستور الجمهورية الجديدة”. ان الموقف السليم يجب ان يرتكز على قراءة سياسية معمقة لهذا المسار في سياقه العام (المسار الثوري) وعلى أساس الانحياز للطبقات والفئات المهمشة والمضطهدة.
ان إمكانية عودة حركة النهضة الى السلطة ليس الا وهما زائفا يروج له أنصار سعيد لدفع التونسيين للتصويت لمشروعه. كما أشرنا سابقا، اثبتت حركة النهضة عجزها على ان تكون تعبيرة سياسية جامعة للتحالف الطبقي الحاكم وبذلك أصبحت ولو ظرفيا “منتهية الصلوحية” حتى من وجهة نظر هذا التحالف نفسه كما فقدت الحركة الكثير من مصداقيتها وشعبيتها نتيجة لالتفافها على مطالب المسار الثوري وتورط قياداتها في قضايا الاغتيالات، والإرهاب، والتسفير، والفساد. من ناحية أخرى فجرت عشرية الحكم التناقضات الداخلية لحركة النهضة (اقصاء البعض من دائرة الامتيازات) وهو ما يبرز في الاستقالات المتعددة لبعض قياديها ومنخرطيها وتضاءل قدرتها على تحشيد أنصارها. أخيرا، في علاقة في بالمتغيرات الدولية والإقليمية، يبدو ان دور الحركات الإسلامية كحامل للمشروع الامبريالي في المنطقة قد ازيح (ظرفيا) الى الصف الثاني (صف الاحتياط) وهو ما يفسر ان المساعي المحمومة لحركة النهضة وحلفائها لدى السفارات والقوى الأجنبية لم تؤتي أكلها.
بعد إزاحة وهم عودة النهضة ولنتقدم في اتجاه صياغة موقف سليم يجب ان نجيب على السؤال التالي: من وجهة نظر الفئات والطبقات المضطهدة، هل يشكل مشروع سعيد قطيعة مع العشرية الفارطة (وما سبقها)، هل يدافع على مصالح غير تلك التي دافعت عنها حركة النهضة ومن شاركوها الحكم؟
قيس سعيد، الذي تفنن في اصدار المراسيم، لم نرى له مرسوما او اجراءا من شانه ان يحسن من ظروف عيش التونسيين. لم يشر سعيد من قريب او من بعيد الى قانون الاستثمار الذي يمكن اللوبيات من امتيازات سخية على حساب ميزانية الدولة، لم يشر الى قانون البنك المركزي الذي دعم سطوة البنوك، لم يشر الى تغول الفضاءات التجارية، لم يشر الى اتفاق الشراكة وما افرزه من عجز تجاري ساهم في تدمير النسيج الاقتصادي الوطني. حتى الاجراء المسمى “الصلح الجزائي” ليس في جوهره الا تبيضا للفساد ومحاولة لكبح جماح الكمبرادور الرث و تامين بعض الموارد قد تساعد البيروقراطية على شراء السلم الاجتماعي.
في الواقع، من جانب الخيارات الاقتصادية والاجتماعية، لا يختلف قيس سعيد عمن سبقوه و يواصل الحفاظ على نفس المصالح في الداخل والخارج. منذ اعلانه اجراءاته الاستثنائية أصر قيس سعيد على حصر كل الازمة في الدستور والنظام السياسي في حين تواصل حكومته تمرير نفس الخيارات الاقتصادية والاجتماعية النيوليبرالية المعادية لمصالح الفئات الشعبية و تبرم اتفاقات مع المؤسسات المالية من شأنها مزيد رهن الاقتصاد للدوائر والمصالح الاستعمارية وتفكيك ما تبقى من النسيج الاقتصادي وتوسيع دوائر البطالة والفقر و التهميش والحيف الاجتماعي. وقد برز هذا التمشي في ميزانية 2022 التي واصلت في نفس سياسات التقشف و يكفي الرجوع الى التقرير الأخير لصندوق النقد الذي أشاد بجدية حكومة بودن و عزمها على تنفيذ برنامج “الإصلاحات الكبرى”. فالمشروع الذي يبشر به قيس سعيد ليس اذن في نهاية الامر الا نيوليبرالية تحت اشراف و رعاية بيروقراطية الدولة (لم يكن من باب الصدفة ان يصدر البنك المركزي ورقة نقدية تحمل صورة الهادي نويرة) و قد وصل الامر الى حد دسترة املاءات صندوق النقد الدولي المتعلقة بإلغاء الدور التشغيلي المباشر للدولة و الشراكة بين القطاعين العام و الخاص (الفصلين 17 و 18).
اعتمادا على ما سبق، فان 25 جويلية ليس الا انتفاضة للنظام ضد نفسه و لا يهدف الا الى استعادة بيروقراطية الدولة لدورها المحوري في اتجاه إعادة ترتيب البيت الداخلي للتحالف الطبقي الحاكم و إدارة تناقضاته الداخلية بشكل يؤمن إعادة انتاج هيمنته و تمريره لكل السياسات الضامنة لمصالحه و مصالح الرأسمال العالمي ضد مصالح الفئات و الطبقات الشعبية المضطهدة. لذلك فان مساندة هذا المسار و المشاركة في الاستفتاء مهما كانت الصيغة (نعم او لا) ليست الا تفويضا للتحالف الحاكم في اتجاه احكام هيمنته و مزيد تفقير الجماهير الشعبية. المشاركة في الاستفتاء في جوهرها انحياز للتحالف الطبقي الحاكم ضد الفئات و الطبقات الشعبية التي يزعم العديد الدفاع عن مصالحها و تبريرا للمنحى الاستبدادي لرئيس الدولة و نسفا لامكانيات النضال في المستقبل.
ختاما، يستند دعاة التصويت بـ “نعم” الى وهم مفاده انت تمرير مشروع قيس سعيد يعني الغاء الإسلام السياسي. هؤلاء يتناسون ان الإسلام السياسي هو افراز للتناقضات الطبقية و سياسات التفقير و الاستغلال و لن نلغيه بمجرد صياغة دستور جديد. قد تتراجع حركة النهضة او ربما تنتهي كحزب لكن الدكتاتورية التي يبشر بها الدستور الجديد و السياسات اللاشعبية التي تواصل فيها حكومة بودن و التي ستتعمق اكثر فيما بعد ستنتج أشكالا اخرى من الاسلام السياسي و ربما أكثر تطرفا خاصة و ان الفصل الخامس من الدستور يجعل الباب مفتوحا لذلك. مع مشروع “الغاء الوسائط” الخوف كل الخوف ان تلغى الأحزاب الثورية بدل الإسلام السياسي.
ملاحظة
هذا النص محاولة شخصية تحتمل الصواب كما تحتمل الخطأ فانا لا ادعي امتلاك الحقيقية. هي محاولة تهدف الى فتح باب النقاش و التفكير بجدية و عمق. تفاعلات كل الرفاق و الاصدقاء الذين اتفق معهم و الذين اختلف معهم ايضا ما اذا كانت في هذا الاتجاه.
اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
