قراءة للمرسوم عدد 15 لسنة 2022 المتعلق بإحداث شركات أهلية

راي/ عبد المجيد بن قياس23مارس2022

صدر بالرائد الرسمي مرسوم رئاسي يتعلق بإحداث شركات أهلية غايتها بعث مشاريع اقتصادية بمناطق ترابية محددة وإدارتها تحث إشراف السلطة مرجع النظر وبإحاطة منها.وقد اهتم المرسوم من خلال فصوله الـ 97 بالمبادئ والأهداف التي من أجلها صيغ المرسوم،كما صيغت شروط وقواعد التأسيس والمشاركة،واهتمت عدة فصول بالجانب المحاسباتي والتقاضي في صورة الإخلال بما يتنافى مع حسن الحوكمة والجدوى. لئن تحمّس البعض وبدأ في حملة تفسيرية عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي،يقابلهم فرق مناهضة غير جدية في نقدها،بل تميل للاستعمال طريقة التهكّم لأسباب سياسوية لا غير.

لن أجامل هؤلاء ولن أجاري أولئك،بل سأتصرف كما تعدت أمام المشاريع والتصاريح والبرامج،مهما كان مصدرها،بالقراءة المتأنية أولا،وطرح التساؤلات حول الدوافع ثانيا وأهدافها ثالثا.ثم إن أمكن تقديم بعض التصورات التي قد تنفع وتصلح بعض الشوائب والنواقص إن وُجدت،أو النقد المعلّل والمساهمة في تقديم البدائل والمعارضة بشراسة إذا كان الأمر مناهض لمصلحة أغلبية مكونات الشعب ومُضرّ بالسيادة الوطنية.

بادئ ذي بدء،ومن حيث المبدأ لا يمكن إلا أن نشدّ على أيدي كل من يقدم مقترح سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي أو شامل لكل هذه المجالات،يهدف إلى تشريك المواطنين للتطارح حوله،ونهلّل لكل مُنجز مشترك لمصلحة أغلبية الفئات والجهات المهمّشة.وهذا المرسوم،في هذه المرحلة بالذات،يمكن تصنيفه في خانة المصلحة العامة،وهو ما استوجب الاهتمام به لاستقراء الدوافع والتمعن في المقاصد والاطلاع على المكامن الإيجابية فيه والنواقص التي قد تعتريه،وهذا ما سنعرضه عليكم في هذا المقال.

للمرسوم تاريخ.العشرون من شهر مارس يوحي بإحدى مسألتين أو كلاهما:المُشرّع،رئيس الدولة،في مرحلة من الحكم الاستثنائي،أراد التعبير على طريقته للاحتفال بـ”استقلال البلاد”أو هو يراد إنجاز بعض مما تغافلت عنه حكومات ما بعد”الاستقلال”.والمُنجز المقصود شركات على غير ما هو معتاد،وبمجالات جغرافية على غير العادة المألوفة.فالأمر يتعلّق بمقاربة لتمكين المواطنين من المساهمة في تنمية الموارد بالمناطق الترابية التي يقطنون والانتفاع بمنتوج أنشطتهم والمساهمة في النهوض بالأنشطة النفعية غير المادية)ثقافية ورياضية(.

للمرسوم عناوين.ثمانية أبواب،لاقت اهتمامنا الأبواب الأولى:الباب الأول)أحكام عامة( والثاني)في قواعد التأسيس والمشاركة(.الأبواب الأخرى قد تكون من شأن آخرون مختصون ممن لهم دراية بالشأن المؤسساتي والمحسباتي.

لننطلق…ورد بالفصل الثاني الهدف من تأسيس الشركات الأهلية)المحلية والجهوية(:”تحقيق العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات”)الفصل 2(،وذلك عبر بعث أنشطة اقتصادية بالمنطقة الترابية ذات المرجع)الفصل 5(،وذلك”وفقا للإرادة الجماعية للأهالي وتماشيا مع حاجيات مناطقهم وخصوصياتها”)الفصل 3(،و”أن يكون نشاطها غير مخلّ بقواعد المنافسة الحرّة والنزيهة”.لننظر في شأن هذا التوجه ومدى وجاهته من نافذة بعض الأسئلة التي نراها مصباحا قد ينير بعض الزوايا الحادة.

أولا،هل يمكن تحقيق العدالة الاجتماعية دون خلق الثروة ؟ طبعا،الإجابة لا يمكن ذلك.ما هي الشروط والآليات لخلق الثروة في ظلّ اقتصاد السوق؟ فالشرط الأول يكمن في إنتاج سلع وخدمات قابلة للتسويق مقابل نفع مادي يفوق كلفة الإنتاج،أي تحقيق أرباح قد تجزأ بين الاستهلاك العائلي والادخار وإعادة الاستثمار والتوسع بالمراكمة.في هذا الإطار يمكن تفهّم- لا مساندة- المنطق الداعي بضرورة احترام قواعد المنافسة الحرة والنزيهة”.لكن هل يستقيم القول،كما ورد على لسان البعض ممن يساند ما ورد بالمرسوم،بأن الشركات الأهلية المُراد بعثها هي شركات غير ربحية؟ وهل يمكن ضمان انخراط الأهالي في نشاط غير ربحي؟ وهل يمكن ضمان ديمومة مثل هذه الشركات في إطار المنافسة والاحتكار؟ التاريخ يؤكد عكس ذلك،فنسبة المنخرطين في مثل هذه الشركات لا يفوق نسبة 10 بالمائة من مجموع الشركات ذات الصبغة الربحية. نعم لمثل هذه الشركات،لكن وجب التفكير في الحوافز والتشجيعات والإحاطة الضرورية حتى تصمد أمام الشركات الأخرى،وهو ما قد يراه الكثير أمر مخلّ بقواعد “المنافسة الحرّة والنزيهة”.

ثانيا،هل يمكن ضمان نجاح الشركات الأهلية في المناطق التي لا تتوفر بها مصادر المواد الأولية والتي تفتقر للبنية التحتية الضرورية لأنشطتها؟ فترتيب الولايات والمعتمديات وفق المؤشر التأليفي للتنمية الجهوية يكفي للتساؤل حول محدودية آفاق الشركات الأهلية في عديد المعتمديات والولاية المهمّشة.هي ولايات ومعتمديات مُفقّرة ومُهمّشة تفتقر إلى نسيج صناعي وخدماتي وهذا قد يكون دافع مهمّ لتأسيس الشركات،أهلية كانت أم غيرها من الأصناف الأخرى القانونية،بشرط أن يتوفر بها مستلزمات الإنتاج والتوزيع،من مصادر المواد الأولية،ورصيد بشري قادر على الإبداع التقني والفني،وبنية تحتية حاضنة للأنشطة،ونسيج مؤسساتي للتمويل وسوق قادرة على استيعاب الإنتاج.قد يقول البعض بأن هذا من شروط اقتصاد السوق،وأن إطار الشركات الأهلية هو غير إطار الشركات التجارية،فهو يعتمد على المقدرات الذاتية “تتماشى مع خصوصيات مناطقهم”.هكذا،سيبقى المهمّشين)فئات وجهات(مهمّشون ولن يستقيم لهم حال بهكذا شركات.ليستقيم المقترح،يدب التفكير في إعادة النظر في التقسيم الجغرافي لمجال البلاد التونسية،وفق مبدأ العدالة في حيازة مصادر إنتاج الثروات ومبدأ تكافئ الفرص)التمويل،التكنولوجيا(لإصلاح ما أفسده مسار التمييز السلبي الذي مُورس خلال سبعة عقود خلت زيادة على ما نهبه الاستعمار الفرنسي والبايات وحاشياتهم.وقد نصّ المرسوم عدد 15 لسنة 2022 في إحدى النقاط الواردة بالفصل 6 على هدف “الجدوى الاقتصادية والمنفعة الاجتماعية” من خلال آلية “توزيع شئ من الفواضل الناتجة عن نشاط الشركة على المشاركين”.إذن،فمن أهداف الشركات الأهلية هو الربح،على عكس ما بدأ يروّج ل البعض،ويتأكد الأمر من خلال ما ورد بالفصل 55 ،من الباب الرابع الخاص بالأحكام المالية،حيث نُصّ ما يلي:”في صورة تحقيق الشركة الأهلية أرباحا صافية أو فوائض في موفى كل سنة محاسبية: تخصّص نسبة 15 بالمائة في شكل مدخرات….20 بالمائة للأنشطة الاجتماعية والثقافية والبيئية،ويمكن توزيع ما تبقى من الأرباح أو الفوائض في حدود نسبة لا تتجاوز 35 بالمائة…”

ثالثا،مما يسترعى الاهتمام الشروط المتعلقة بمجال نشاط الشركات الأهلية المحلية والجهوية.فمجال النشاط يعتمد على التقسيم الإداري الحالي)معتمدية،ولاية(.وقد أشرنا أعلاه إلى نقيصة هذه المقاربة.ثمّ ما المغزى أو الحكمة من حصر نشاط الشركات الأهلية الجهوية بالولاية في نشاط واحد،فيما يسمح للشركات المحلية بالمعتمديات بأكثر من نشاط واحد؟وما الهدف من حصر توسّع نشاط الشركة الأهلية المحلية في حدود المعتمديات المجاورة التابعة لنفس الولاية دون أن تشمل كامل الولاية ؟ أليس من الأجدى اقتصاديا أن يتسع نشاط الشركات الأهلية المحلية إلى المعتمديات المجاورة بالولايات المحاذية؟)مثلا سجنان/بنزرت+نفزة/باجة(،حيث غالبا ما تشمل هذه على نفس الخصائص الانتروبولوجية والطبيعية.ملاحظة أخيرة.ورد تناقض صريح فيما يخص ماهية الشركات الأهلية وشروط المشاركة فيها،حيث نصّ الفصل 2 من المرسوم بأنّ”الشركة الأهلية شخص معنوي تحدثه مجموعة من أهالي الجهة…” فيما نصّ الفصل 54 بأنه”يمكن للشركات الأهلية المحلية)°°وهي ذوات معنوية°°(المشاركة في رأس مال الشركات الأهلية الجهوية التي لها أنشطة مشتركة أو متكاملة”.لماذا لم تقع الإشارة إلى إمكانية النشاط العمودي)المندمج،سلسة القيمة(،مثلا أن تجمع الشركة الأهلية بين الانتاج الأولي والتجميع والتحويل والتوزيع؟ قد تعمد الشركات الأهلية إلى أنشطة يمتهنها أشخاص أو عائلات ضعيفة أو متوسطة الحال.ألا يتعبر ذلك من قبيل المنافسة غير النزيهة،وهل هناك ضمانات لحماية هذه الفئات الهشّة من منافسة غير متكافئة ؟

خلاصة.

+أمر مرغوب،أن ينتبه البعض إلى ضرورة إحداث”شركات أهلية”بغاية تشريك مواطني الجهات لتثمين الموارد الطبيعية السطحية وتحرير الطاقات البشرية،لكن بغاية تحقيق الأرباح وإعادة الإنتاج بغاية المراكمة أمر مرغوب…قاعدة في الاقتصاد السياسي :تستحيل التنمية بدون مراكمة

+إعادة النظر في مجال نشاط الشركات من حيث طبيعة الأنشطة وتعددها ومن حيث مدى توسعها الجغرافي أمر مطلوب…التنمية الحقيقة هي اتساع دائم لمجال النشاط حتى تضمن الديمومة,

+إعادة النظر في تقسيم المجال الجغرافي للبلاد التونسية لكي يتماشى مع منطق التنمية الجهوية والتشارك لا مع منطق التمييز الجهوي والإقصاء الفئوي.

+عدم تصويب العدسة على الأراضي الاشتراكية وأراضي الدولة فحسب،فهناك مجالات أخرى عديدة تجارية وسياحية وخدماتية…الخ.

+العمل على صياغة تصورات تهم الحوافز والتشجيعات الممكنة والحمائية والأولويات حتى تصمد أمام نشاط الشركات العائلية والشخصية والتجارية الكبرى،مع مراعاة الفئات الضعيفة والمتوسطة الناشطة بالمجال الترابي لهذه الشركات الأهلية.

ملاحظة: المقال للإنارة لا للإثارة…النقد مطلوب…والإثراء محمود…

قراءة للمرسوم عدد 15 لسنة 2022 المؤرخ في 20 مارس 2022

صدر بالرائد الرسمي مرسوم رئاسي يتعلق بإحداث شركات أهلية غايتها بعث مشاريع اقتصادية بمناطق ترابية محددة وإدارتها تحث إشراف السلطة مرجع النظر وبإحاطة منها.وقد اهتم المرسوم من خلال فصوله الـ 97 بالمبادئ والأهداف التي من أجلها صيغ المرسوم،كما صيغت شروط وقواعد التأسيس والمشاركة،واهتمت عدة فصول بالجانب المحاسباتي والتقاضي في صورة الإخلال بما يتنافى مع حسن الحوكمة والجدوى. لئن تحمّس البعض وبدأ في حملة تفسيرية عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي،يقابلهم فرق مناهضة غير جدية في نقدها،بل تميل للاستعمال طريقة التهكّم لأسباب سياسوية لا غير.

لن أجامل هؤلاء ولن أجاري أولئك،بل سأتصرف كما تعدت أمام المشاريع والتصاريح والبرامج،مهما كان مصدرها،بالقراءة المتأنية أولا،وطرح التساؤلات حول الدوافع ثانيا وأهدافها ثالثا.ثم إن أمكن تقديم بعض التصورات التي قد تنفع وتصلح بعض الشوائب والنواقص إن وُجدت،أو النقد المعلّل والمساهمة في تقديم البدائل والمعارضة بشراسة إذا كان الأمر مناهض لمصلحة أغلبية مكونات الشعب ومُضرّ بالسيادة الوطنية.

بادئ ذي بدء،ومن حيث المبدأ لا يمكن إلا أن نشدّ على أيدي كل من يقدم مقترح سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي أو شامل لكل هذه المجالات،يهدف إلى تشريك المواطنين للتطارح حوله،ونهلّل لكل مُنجز مشترك لمصلحة أغلبية الفئات والجهات المهمّشة.وهذا المرسوم،في هذه المرحلة بالذات،يمكن تصنيفه في خانة المصلحة العامة،وهو ما استوجب الاهتمام به لاستقراء الدوافع والتمعن في المقاصد والاطلاع على المكامن الإيجابية فيه والنواقص التي قد تعتريه،وهذا ما سنعرضه عليكم في هذا المقال.

للمرسوم تاريخ.العشرون من شهر مارس يوحي بإحدى مسألتين أو كلاهما:المُشرّع،رئيس الدولة،في مرحلة من الحكم الاستثنائي،أراد التعبير على طريقته للاحتفال بـ”استقلال البلاد”أو هو يراد إنجاز بعض مما تغافلت عنه حكومات ما بعد”الاستقلال”.والمُنجز المقصود شركات على غير ما هو معتاد،وبمجالات جغرافية على غير العادة المألوفة.فالأمر يتعلّق بمقاربة لتمكين المواطنين من المساهمة في تنمية الموارد بالمناطق الترابية التي يقطنون والانتفاع بمنتوج أنشطتهم والمساهمة في النهوض بالأنشطة النفعية غير المادية)ثقافية ورياضية(.

للمرسوم عناوين.ثمانية أبواب،لاقت اهتمامنا الأبواب الأولى:الباب الأول)أحكام عامة( والثاني)في قواعد التأسيس والمشاركة(.الأبواب الأخرى قد تكون من شأن آخرون مختصون ممن لهم دراية بالشأن المؤسساتي والمحسباتي.

لننطلق…ورد بالفصل الثاني الهدف من تأسيس الشركات الأهلية)المحلية والجهوية(:”تحقيق العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات”)الفصل 2(،وذلك عبر بعث أنشطة اقتصادية بالمنطقة الترابية ذات المرجع)الفصل 5(،وذلك”وفقا للإرادة الجماعية للأهالي وتماشيا مع حاجيات مناطقهم وخصوصياتها”)الفصل 3(،و”أن يكون نشاطها غير مخلّ بقواعد المنافسة الحرّة والنزيهة”.لننظر في شأن هذا التوجه ومدى وجاهته من نافذة بعض الأسئلة التي نراها مصباحا قد ينير بعض الزوايا الحادة.

أولا،هل يمكن تحقيق العدالة الاجتماعية دون خلق الثروة ؟ طبعا،الإجابة لا يمكن ذلك.ما هي الشروط والآليات لخلق الثروة في ظلّ اقتصاد السوق؟ فالشرط الأول يكمن في إنتاج سلع وخدمات قابلة للتسويق مقابل نفع مادي يفوق كلفة الإنتاج،أي تحقيق أرباح قد تجزأ بين الاستهلاك العائلي والادخار وإعادة الاستثمار والتوسع بالمراكمة.في هذا الإطار يمكن تفهّم- لا مساندة- المنطق الداعي بضرورة احترام قواعد المنافسة الحرة والنزيهة”.لكن هل يستقيم القول،كما ورد على لسان البعض ممن يساند ما ورد بالمرسوم،بأن الشركات الأهلية المُراد بعثها هي شركات غير ربحية؟ وهل يمكن ضمان انخراط الأهالي في نشاط غير ربحي؟ وهل يمكن ضمان ديمومة مثل هذه الشركات في إطار المنافسة والاحتكار؟ التاريخ يؤكد عكس ذلك،فنسبة المنخرطين في مثل هذه الشركات لا يفوق نسبة 10 بالمائة من مجموع الشركات ذات الصبغة الربحية. نعم لمثل هذه الشركات،لكن وجب التفكير في الحوافز والتشجيعات والإحاطة الضرورية حتى تصمد أمام الشركات الأخرى،وهو ما قد يراه الكثير أمر مخلّ بقواعد “المنافسة الحرّة والنزيهة”.

ثانيا،هل يمكن ضمان نجاح الشركات الأهلية في المناطق التي لا تتوفر بها مصادر المواد الأولية والتي تفتقر للبنية التحتية الضرورية لأنشطتها؟ فترتيب الولايات والمعتمديات وفق المؤشر التأليفي للتنمية الجهوية يكفي للتساؤل حول محدودية آفاق الشركات الأهلية في عديد المعتمديات والولاية المهمّشة.هي ولايات ومعتمديات مُفقّرة ومُهمّشة تفتقر إلى نسيج صناعي وخدماتي وهذا قد يكون دافع مهمّ لتأسيس الشركات،أهلية كانت أم غيرها من الأصناف الأخرى القانونية،بشرط أن يتوفر بها مستلزمات الإنتاج والتوزيع،من مصادر المواد الأولية،ورصيد بشري قادر على الإبداع التقني والفني،وبنية تحتية حاضنة للأنشطة،ونسيج مؤسساتي للتمويل وسوق قادرة على استيعاب الإنتاج.قد يقول البعض بأن هذا من شروط اقتصاد السوق،وأن إطار الشركات الأهلية هو غير إطار الشركات التجارية،فهو يعتمد على المقدرات الذاتية “تتماشى مع خصوصيات مناطقهم”.هكذا،سيبقى المهمّشين)فئات وجهات(مهمّشون ولن يستقيم لهم حال بهكذا شركات.ليستقيم المقترح،يدب التفكير في إعادة النظر في التقسيم الجغرافي لمجال البلاد التونسية،وفق مبدأ العدالة في حيازة مصادر إنتاج الثروات ومبدأ تكافئ الفرص)التمويل،التكنولوجيا(لإصلاح ما أفسده مسار التمييز السلبي الذي مُورس خلال سبعة عقود خلت زيادة على ما نهبه الاستعمار الفرنسي والبايات وحاشياتهم.وقد نصّ المرسوم عدد 15 لسنة 2022 في إحدى النقاط الواردة بالفصل 6 على هدف “الجدوى الاقتصادية والمنفعة الاجتماعية” من خلال آلية “توزيع شئ من الفواضل الناتجة عن نشاط الشركة على المشاركين”.إذن،فمن أهداف الشركات الأهلية هو الربح،على عكس ما بدأ يروّج ل البعض،ويتأكد الأمر من خلال ما ورد بالفصل 55 ،من الباب الرابع الخاص بالأحكام المالية،حيث نُصّ ما يلي:”في صورة تحقيق الشركة الأهلية أرباحا صافية أو فوائض في موفى كل سنة محاسبية: تخصّص نسبة 15 بالمائة في شكل مدخرات….20 بالمائة للأنشطة الاجتماعية والثقافية والبيئية،ويمكن توزيع ما تبقى من الأرباح أو الفوائض في حدود نسبة لا تتجاوز 35 بالمائة…”

ثالثا،مما يسترعى الاهتمام الشروط المتعلقة بمجال نشاط الشركات الأهلية المحلية والجهوية.فمجال النشاط يعتمد على التقسيم الإداري الحالي)معتمدية،ولاية(.وقد أشرنا أعلاه إلى نقيصة هذه المقاربة.ثمّ ما المغزى أو الحكمة من حصر نشاط الشركات الأهلية الجهوية بالولاية في نشاط واحد،فيما يسمح للشركات المحلية بالمعتمديات بأكثر من نشاط واحد؟وما الهدف من حصر توسّع نشاط الشركة الأهلية المحلية في حدود المعتمديات المجاورة التابعة لنفس الولاية دون أن تشمل كامل الولاية ؟ أليس من الأجدى اقتصاديا أن يتسع نشاط الشركات الأهلية المحلية إلى المعتمديات المجاورة بالولايات المحاذية؟)مثلا سجنان/بنزرت+نفزة/باجة(،حيث غالبا ما تشمل هذه على نفس الخصائص الانتروبولوجية والطبيعية.ملاحظة أخيرة.ورد تناقض صريح فيما يخص ماهية الشركات الأهلية وشروط المشاركة فيها،حيث نصّ الفصل 2 من المرسوم بأنّ”الشركة الأهلية شخص معنوي تحدثه مجموعة من أهالي الجهة…” فيما نصّ الفصل 54 بأنه”يمكن للشركات الأهلية المحلية)°°وهي ذوات معنوية°°(المشاركة في رأس مال الشركات الأهلية الجهوية التي لها أنشطة مشتركة أو متكاملة”.لماذا لم تقع الإشارة إلى إمكانية النشاط العمودي)المندمج،سلسة القيمة(،مثلا أن تجمع الشركة الأهلية بين الانتاج الأولي والتجميع والتحويل والتوزيع؟ قد تعمد الشركات الأهلية إلى أنشطة يمتهنها أشخاص أو عائلات ضعيفة أو متوسطة الحال.ألا يتعبر ذلك من قبيل المنافسة غير النزيهة،وهل هناك ضمانات لحماية هذه الفئات الهشّة من منافسة غير متكافئة ؟

خلاصة.

+أمر مرغوب،أن ينتبه البعض إلى ضرورة إحداث”شركات أهلية”بغاية تشريك مواطني الجهات لتثمين الموارد الطبيعية السطحية وتحرير الطاقات البشرية،لكن بغاية تحقيق الأرباح وإعادة الإنتاج بغاية المراكمة أمر مرغوب…قاعدة في الاقتصاد السياسي :تستحيل التنمية بدون مراكمة

+إعادة النظر في مجال نشاط الشركات من حيث طبيعة الأنشطة وتعددها ومن حيث مدى توسعها الجغرافي أمر مطلوب…التنمية الحقيقة هي اتساع دائم لمجال النشاط حتى تضمن الديمومة,

+إعادة النظر في تقسيم المجال الجغرافي للبلاد التونسية لكي يتماشى مع منطق التنمية الجهوية والتشارك لا مع منطق التمييز الجهوي والإقصاء الفئوي.

+عدم تصويب العدسة على الأراضي الاشتراكية وأراضي الدولة فحسب،فهناك مجالات أخرى عديدة تجارية وسياحية وخدماتية…الخ.

+العمل على صياغة تصورات تهم الحوافز والتشجيعات الممكنة والحمائية والأولويات حتى تصمد أمام نشاط الشركات العائلية والشخصية والتجارية الكبرى،مع مراعاة الفئات الضعيفة والمتوسطة الناشطة بالمجال الترابي لهذه الشركات الأهلية.

ملاحظة: المقال للإنارة لا للإثارة…النقد مطلوب…والإثراء محمود…

2

صدر بالرائد الرسمي مرسوم رئاسي يتعلق بإحداث شركات أهلية غايتها بعث مشاريع اقتصادية بمناطق ترابية محددة وإدارتها تحث إشراف السلطة مرجع النظر وبإحاطة منها.وقد اهتم المرسوم من خلال فصوله الـ 97 بالمبادئ والأهداف التي من أجلها صيغ المرسوم،كما صيغت شروط وقواعد التأسيس والمشاركة،واهتمت عدة فصول بالجانب المحاسباتي والتقاضي في صورة الإخلال بما يتنافى مع حسن الحوكمة والجدوى. لئن تحمّس البعض وبدأ في حملة تفسيرية عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي،يقابلهم فرق مناهضة غير جدية في نقدها،بل تميل للاستعمال طريقة التهكّم لأسباب سياسوية لا غير.

لن أجامل هؤلاء ولن أجاري أولئك،بل سأتصرف كما تعدت أمام المشاريع والتصاريح والبرامج،مهما كان مصدرها،بالقراءة المتأنية أولا،وطرح التساؤلات حول الدوافع ثانيا وأهدافها ثالثا.ثم إن أمكن تقديم بعض التصورات التي قد تنفع وتصلح بعض الشوائب والنواقص إن وُجدت،أو النقد المعلّل والمساهمة في تقديم البدائل والمعارضة بشراسة إذا كان الأمر مناهض لمصلحة أغلبية مكونات الشعب ومُضرّ بالسيادة الوطنية.

بادئ ذي بدء،ومن حيث المبدأ لا يمكن إلا أن نشدّ على أيدي كل من يقدم مقترح سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي أو شامل لكل هذه المجالات،يهدف إلى تشريك المواطنين للتطارح حوله،ونهلّل لكل مُنجز مشترك لمصلحة أغلبية الفئات والجهات المهمّشة.وهذا المرسوم،في هذه المرحلة بالذات،يمكن تصنيفه في خانة المصلحة العامة،وهو ما استوجب الاهتمام به لاستقراء الدوافع والتمعن في المقاصد والاطلاع على المكامن الإيجابية فيه والنواقص التي قد تعتريه،وهذا ما سنعرضه عليكم في هذا المقال.

للمرسوم تاريخ.العشرون من شهر مارس يوحي بإحدى مسألتين أو كلاهما:المُشرّع،رئيس الدولة،في مرحلة من الحكم الاستثنائي،أراد التعبير على طريقته للاحتفال بـ”استقلال البلاد”أو هو يراد إنجاز بعض مما تغافلت عنه حكومات ما بعد”الاستقلال”.والمُنجز المقصود شركات على غير ما هو معتاد،وبمجالات جغرافية على غير العادة المألوفة.فالأمر يتعلّق بمقاربة لتمكين المواطنين من المساهمة في تنمية الموارد بالمناطق الترابية التي يقطنون والانتفاع بمنتوج أنشطتهم والمساهمة في النهوض بالأنشطة النفعية غير المادية)ثقافية ورياضية(.

للمرسوم عناوين.ثمانية أبواب،لاقت اهتمامنا الأبواب الأولى:الباب الأول)أحكام عامة( والثاني)في قواعد التأسيس والمشاركة(.الأبواب الأخرى قد تكون من شأن آخرون مختصون ممن لهم دراية بالشأن المؤسساتي والمحسباتي.

لننطلق…ورد بالفصل الثاني الهدف من تأسيس الشركات الأهلية)المحلية والجهوية(:”تحقيق العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات”)الفصل 2(،وذلك عبر بعث أنشطة اقتصادية بالمنطقة الترابية ذات المرجع)الفصل 5(،وذلك”وفقا للإرادة الجماعية للأهالي وتماشيا مع حاجيات مناطقهم وخصوصياتها”)الفصل 3(،و”أن يكون نشاطها غير مخلّ بقواعد المنافسة الحرّة والنزيهة”.لننظر في شأن هذا التوجه ومدى وجاهته من نافذة بعض الأسئلة التي نراها مصباحا قد ينير بعض الزوايا الحادة.

أولا،هل يمكن تحقيق العدالة الاجتماعية دون خلق الثروة ؟ طبعا،الإجابة لا يمكن ذلك.ما هي الشروط والآليات لخلق الثروة في ظلّ اقتصاد السوق؟ فالشرط الأول يكمن في إنتاج سلع وخدمات قابلة للتسويق مقابل نفع مادي يفوق كلفة الإنتاج،أي تحقيق أرباح قد تجزأ بين الاستهلاك العائلي والادخار وإعادة الاستثمار والتوسع بالمراكمة.في هذا الإطار يمكن تفهّم- لا مساندة- المنطق الداعي بضرورة احترام قواعد المنافسة الحرة والنزيهة”.لكن هل يستقيم القول،كما ورد على لسان البعض ممن يساند ما ورد بالمرسوم،بأن الشركات الأهلية المُراد بعثها هي شركات غير ربحية؟ وهل يمكن ضمان انخراط الأهالي في نشاط غير ربحي؟ وهل يمكن ضمان ديمومة مثل هذه الشركات في إطار المنافسة والاحتكار؟ التاريخ يؤكد عكس ذلك،فنسبة المنخرطين في مثل هذه الشركات لا يفوق نسبة 10 بالمائة من مجموع الشركات ذات الصبغة الربحية. نعم لمثل هذه الشركات،لكن وجب التفكير في الحوافز والتشجيعات والإحاطة الضرورية حتى تصمد أمام الشركات الأخرى،وهو ما قد يراه الكثير أمر مخلّ بقواعد “المنافسة الحرّة والنزيهة”.

ثانيا،هل يمكن ضمان نجاح الشركات الأهلية في المناطق التي لا تتوفر بها مصادر المواد الأولية والتي تفتقر للبنية التحتية الضرورية لأنشطتها؟ فترتيب الولايات والمعتمديات وفق المؤشر التأليفي للتنمية الجهوية يكفي للتساؤل حول محدودية آفاق الشركات الأهلية في عديد المعتمديات والولاية المهمّشة.هي ولايات ومعتمديات مُفقّرة ومُهمّشة تفتقر إلى نسيج صناعي وخدماتي وهذا قد يكون دافع مهمّ لتأسيس الشركات،أهلية كانت أم غيرها من الأصناف الأخرى القانونية،بشرط أن يتوفر بها مستلزمات الإنتاج والتوزيع،من مصادر المواد الأولية،ورصيد بشري قادر على الإبداع التقني والفني،وبنية تحتية حاضنة للأنشطة،ونسيج مؤسساتي للتمويل وسوق قادرة على استيعاب الإنتاج.قد يقول البعض بأن هذا من شروط اقتصاد السوق،وأن إطار الشركات الأهلية هو غير إطار الشركات التجارية،فهو يعتمد على المقدرات الذاتية “تتماشى مع خصوصيات مناطقهم”.هكذا،سيبقى المهمّشين)فئات وجهات(مهمّشون ولن يستقيم لهم حال بهكذا شركات.ليستقيم المقترح،يدب التفكير في إعادة النظر في التقسيم الجغرافي لمجال البلاد التونسية،وفق مبدأ العدالة في حيازة مصادر إنتاج الثروات ومبدأ تكافئ الفرص)التمويل،التكنولوجيا(لإصلاح ما أفسده مسار التمييز السلبي الذي مُورس خلال سبعة عقود خلت زيادة على ما نهبه الاستعمار الفرنسي والبايات وحاشياتهم.وقد نصّ المرسوم عدد 15 لسنة 2022 في إحدى النقاط الواردة بالفصل 6 على هدف “الجدوى الاقتصادية والمنفعة الاجتماعية” من خلال آلية “توزيع شئ من الفواضل الناتجة عن نشاط الشركة على المشاركين”.إذن،فمن أهداف الشركات الأهلية هو الربح،على عكس ما بدأ يروّج ل البعض،ويتأكد الأمر من خلال ما ورد بالفصل 55 ،من الباب الرابع الخاص بالأحكام المالية،حيث نُصّ ما يلي:”في صورة تحقيق الشركة الأهلية أرباحا صافية أو فوائض في موفى كل سنة محاسبية: تخصّص نسبة 15 بالمائة في شكل مدخرات….20 بالمائة للأنشطة الاجتماعية والثقافية والبيئية،ويمكن توزيع ما تبقى من الأرباح أو الفوائض في حدود نسبة لا تتجاوز 35 بالمائة…”

ثالثا،مما يسترعى الاهتمام الشروط المتعلقة بمجال نشاط الشركات الأهلية المحلية والجهوية.فمجال النشاط يعتمد على التقسيم الإداري الحالي)معتمدية،ولاية(.وقد أشرنا أعلاه إلى نقيصة هذه المقاربة.ثمّ ما المغزى أو الحكمة من حصر نشاط الشركات الأهلية الجهوية بالولاية في نشاط واحد،فيما يسمح للشركات المحلية بالمعتمديات بأكثر من نشاط واحد؟وما الهدف من حصر توسّع نشاط الشركة الأهلية المحلية في حدود المعتمديات المجاورة التابعة لنفس الولاية دون أن تشمل كامل الولاية ؟ أليس من الأجدى اقتصاديا أن يتسع نشاط الشركات الأهلية المحلية إلى المعتمديات المجاورة بالولايات المحاذية؟)مثلا سجنان/بنزرت+نفزة/باجة(،حيث غالبا ما تشمل هذه على نفس الخصائص الانتروبولوجية والطبيعية.ملاحظة أخيرة.ورد تناقض صريح فيما يخص ماهية الشركات الأهلية وشروط المشاركة فيها،حيث نصّ الفصل 2 من المرسوم بأنّ”الشركة الأهلية شخص معنوي تحدثه مجموعة من أهالي الجهة…” فيما نصّ الفصل 54 بأنه”يمكن للشركات الأهلية المحلية)°°وهي ذوات معنوية°°(المشاركة في رأس مال الشركات الأهلية الجهوية التي لها أنشطة مشتركة أو متكاملة”.لماذا لم تقع الإشارة إلى إمكانية النشاط العمودي)المندمج،سلسة القيمة(،مثلا أن تجمع الشركة الأهلية بين الانتاج الأولي والتجميع والتحويل والتوزيع؟ قد تعمد الشركات الأهلية إلى أنشطة يمتهنها أشخاص أو عائلات ضعيفة أو متوسطة الحال.ألا يتعبر ذلك من قبيل المنافسة غير النزيهة،وهل هناك ضمانات لحماية هذه الفئات الهشّة من منافسة غير متكافئة ؟

خلاصة.

+أمر مرغوب،أن ينتبه البعض إلى ضرورة إحداث”شركات أهلية”بغاية تشريك مواطني الجهات لتثمين الموارد الطبيعية السطحية وتحرير الطاقات البشرية،لكن بغاية تحقيق الأرباح وإعادة الإنتاج بغاية المراكمة أمر مرغوب…قاعدة في الاقتصاد السياسي :تستحيل التنمية بدون مراكمة

+إعادة النظر في مجال نشاط الشركات من حيث طبيعة الأنشطة وتعددها ومن حيث مدى توسعها الجغرافي أمر مطلوب…التنمية الحقيقة هي اتساع دائم لمجال النشاط حتى تضمن الديمومة,

+إعادة النظر في تقسيم المجال الجغرافي للبلاد التونسية لكي يتماشى مع منطق التنمية الجهوية والتشارك لا مع منطق التمييز الجهوي والإقصاء الفئوي.

+عدم تصويب العدسة على الأراضي الاشتراكية وأراضي الدولة فحسب،فهناك مجالات أخرى عديدة تجارية وسياحية وخدماتية…الخ.

+العمل على صياغة تصورات تهم الحوافز والتشجيعات الممكنة والحمائية والأولويات حتى تصمد أمام نشاط الشركات العائلية والشخصية والتجارية الكبرى،مع مراعاة الفئات الضعيفة والمتوسطة الناشطة بالمجال الترابي لهذه الشركات الأهلية.

ملاحظة: المقال للإنارة لا للإثارة…النقد مطلوب…والإثراء محمود…


اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقاً