
مقال/ منارات-14-01-2022
من نافلة القول أن مسألة الدولة هى الموضوع المركزي أثناء وإبان المراحل الثورية ،وعلى الرغم من تقادم الإسهامات حول تلك الإشكالية التى بطبيعتها ذات طابع عملي وليس فقط نظري وليست المناقشة الماركسية حول هذا الموضوع هى فاتحةالكتاب بل سبقتها مناقشة الليبراللين فى الثورات ألبرچوازية.. هناك مناقشة الإنجليز خلال وبعد الثورة الطهرانية ومناقشة الفرنسيين خلال ثورتهم الكبرى ومناقشة الطليان ومناقشة الألمان وفي المركز المناقشة الأمريكية خلال الثورة وحرب الإستقلال ثم خلال الحرب الاهلية!
بادئ ذي بدئ ماهى الدولة؟
“الدولة هى حرس خاص من رجال مسلحين وسجون تمثل مصالح الطبقة السائدة” هكذا يستخلص مؤسسا الماركسية وكانت كومونة باريس هى الحدث الحاسم لتكوين تصور “ماركس “وأنجلز” عن الدولة سواء الدولة بشكل عام أو الدولة التى كان على البروليتاريا بعد ثورتها تأسيسها (دولة من طراز الكومونة) دولة من طراز خاص تندمج فيها السلطة التشريعية مع السلطة التنفيذية (ديكتاتورية البروليتاريا) وهي بحسب تصوراتهم ستكون مهمتها الرئيسية قمع الأقلية البرچوازية وشل مقاومتها وضمان السيطرة الطبقية الجديدة بمصادرة ملكية البرچوازية ومنع وسائل دعايتها، والدولة الجديدة بسيطرتها على التناحرات الطبقية الثانوية(عمال/فلاحين) ستخبو وتضمحل من تلقاء نفسها في المجتمع الشيوعى بعد زوال الطبقات والملكية الخاصة لوسائل الإنتاج !هذا للأسف لم يحدث بل عكسه تمامآ فقد تغولت الدولة في مجتمعات الإشتراكية الواقعية وأصبحت فوق المجتمع ولم يؤد القمع المعمم لثورات سياسية بل ادى لإنهيار الدولة وتحول النومنكلاتورا لطبقة راسمالية جديدة تحت رعاية دولة قمعية.
مناقشة لينين المعنونة “الدولة والثورة ” والتي هى محاججة ضد المنشفيك والتيار الغالب في الإشتراكية الديموقراطية الدولية (الكاوتسكية والبرنشتانية)وكذلك الفوضوية الفلاحية (الناردونيك) في ظل تهيؤ الحزب البلشفي للإستيلاء على سلطة الدولة وسط حرب عالمية خسرتها الدولة القيصرية وأُحتلت أجزاء واسعة من الأمبراطورية القيصرية وتفكك الجيش وكذلك آلة الدولة القمعية في بعد ثورة فبراير وقبيل أكتوبر وظهور إزدواج السلطة بين السوڤيتات والحكومة المؤقته ثم كان الإنعقاد الشكلي للمجلس التأسيسي و حله بمجرد إنعقاده هو تعبير عن عدم إمكانية تأسيس دولة تمثيلية في شروط المجاعة و الحرب الأهلية وحروب التدخل المعطاه آنذاك ، وفي مناقشته يستعين لينين بألأساس بملاحظات أنجلز في “أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة” وبعض الإشارات المتفرقة من البيان الشيوعي وكذلك “نقد برنامجي جوته وإيرفورت”لماركس والتى كانت موجهة بالذات لنقد شعار” الدولة الشعبية الحرة” وهو شعار دافع عنه “اللاساليين” عند توحدهم مع “الإيزناخيين” في “حزب العمال الإشتراكي الديموقراطي الألماني” والذي نقضه ماركس بإعتبار الدوله لايمكن أن تكون شعبية أو حرة إلا لو صارت فوق المجتمع كديكتاتورية لا يحاسبها المجتمع بواسطة ممثلين منتخبين والحال التاريخي أن التحول البرچوازي الألماني والوحدة القومية قد تما بواسطة البسماركية والبيرقراطية العسكرية البروسية وليس عبر صراع بين البرچوازية و الأرستقراطية على جهاز الدولة كانت برجزة المانيا ثقافيآ ودينيآ قد جرت جزئيآً فى حرب الفلاحيين(1650) والإصلاح الديني قبل تشكل الرأسمالية الألمانية و الدولة السياسية .
كما كانت الأرستقراطية الإنجليزية(مالكي الارض) هى المحرك الرئيسي في الثورة الطهرانية في صراع مع الملكية المطلقة من أجل التمثيل (الماجاكارتا)وتأسيس البرلمان بغرفتين والذي تُمثل فيه البرچوازية كما الأرستقراطية بينما يتحول نمط الإنتاج من الإقطاعي للرأسمالي دون ثورة إجتماعية كما يقول برتراند راسل “أنا “ويج” إنجليزي مع حب كبير للحلول الوسط Compromise” .
في الثورة ألأمريكية لم يكن هناك دولة بالمعنى المعروف في القارة الاوربية حتى أن ماركس وأنجلز يشيران بأن تعاليمهم حول الدولة يستثنى منها أمريكا الشمالية حيث أن الأراضى الواسعة قد سمحت بألتنظيم الذاتي للمستعمرين بينما كانت الجيش الإنجليزي متمركزآ في حاميات معزولة عن المجتمع الأهلي في مرافئ ولا يتدخل إلا في نزاعات تخص تحصيل الضرائب الملكية ،والنزاع حول ضريبة الشاي والتى فجرت الصراع المسمي حفلة الشاي والتي فجرها ضريبة فرضها برلمان لم تكن المستعمرات ممثلة فيه كانت المستعمرات الزراعية فى الوسط والساحل الشرقي تدير أمورها من خلال إجتماعات عامة(Town hall) ويقوم السكان بإنتخاب وتنصيب المأمور وجهاز الشرطة والعمد ومحلفي المحاكم ،وحمل السلاح مكفول للجميع كما عبر عن ذلك التعديل الثاني للدستور الأمريكي والذي يعطي المواطنين في الولايات المتحدة حق حمل السلاح وتكوين ميليشيا لمقاومة الطغاة والدفاع عن حريتهم ودستورهم .
النقد الأولي للدولة لم يأتي من صفوف اليسار بل من صفوف اليمين الليبرالي الذي أعتبر الدولة شر لابد منه لكن ينبغي تقليصها للحد الأدني لأن تكاليف تشغيلها تأتي من الضرائب التى تُخصم من الأرباح الرأسمالية وفي السنين الأخيرة كانت مواقف اليسار مع دعم تدخل الدولة (دولة الرعاية الاجتماعيه)بينما اليمين كان ومازال مع تقليص تدخلها في نواحي الحياة المختلفة وترك أمر الضبط الإجتماعي للسوق .
الفحص التاريخي للإشكالية وللممارسة يفيد بأن خلاصة”ماركس/أنجلز” في التحليل الأخير -كما يقولون- تمتلك مصداقية معينة حتى نهاية القرن التاسع عشر ولكن الأمور تعقدت منذ ذلك الحين،وكذلك استخلاصات” لينين”هى الأخرى مرتبطة بألدولة القيصرية والشروط التى نتجت من الحرب العالمية الأولى وليس نظرية عامة عن الدولة كان ماركس عازمآ على كتابة مطولة عنها بعد كتابة رأس المال ولم يسعفه الأجل.
واقع الأمر أن الدولة السوڤياتية بدلآ من أن تخبو تحولت لكيان سرطاني يسيطر على كل شئ ولا يترك أى مجال للمجتمع للتمثيل الحر ولا للتعبير السياسي والثقافي ولم تقمع فقط الطبقات المالكة بل كل الطبقات وأصبحت هي بذاتها بديلآ عن الطبقات الإجتماعية في كافة المجالات.
في الثورة الصينية والتى جرت عبر حرب أرياف بين جيشين أحدهما يرتكز على الفلاحين والآخر ( الكومينتانج -تشانج كاي تشيك )على كبار ملاك الأرض بألتداخل مع حرب وطنية، ولم تكن مسألة الدولة كما طرحتها الثورات الأوربية والأمريكية مطروحة فجهازي الدولتين كانا متواجدين ولم يكن هناك سوى إنتصار أحدهما على الآخر لكي يحل محلة في إدارة شئون الدولة وإعادة توزيع الأراضي الفلاحية وبناء الصناعة الحديثة. المجتمع الصيني بعد الثورة صار مجتمع يبنيه ويسيطر عليه العسكريون تحت يافطة الحزب الشيوعي.
الدول الحديثة أضحت ليس فقط جهاز من المسلحين ولكنها مدت أذرعها لتحتل مجالات الحياة الإقتصادية والإجتماعية من التعليم والصحة للبحث العلمي وإدارة صناديق التأمين الإجتماعي والصحي ومعاشات التقاعد وتعيين المحاكم والقضاة والأئمة وطبعآ التمثيل الدولي والدخول في حروب وتحالفات ،والتسلح للإعداد لذلك وإصدار الشهادات العلمية وتوثيق العقود التجارية والزواج والميلاد وإعلان والموت وملكية البنى الأساسية والمؤسسات المحددة لمسارات الأقتصاد سواء عبر البنوك المركزية والبنوك التجاريه وحتى قامت بوضع يدها على قطاعات إنتاجية إقتصادية مؤثرة ولم يعد وجودها الفعلي يرتهن بتحصيل الضرائب للإنفاق على جهازها العسكري والإداري ، وهناك دول صارت القوة الرئيسية في مجتمعاتها وتحدد من يملك السيطرة في الحياة الاقتصادية والإجتماعية وبألتالي الثقافية والسياسية!
في حركات التحرر الوطني كان التزاوج بين المسار التمثيلي والمسار العسكري بحسب الصراعات والشروط الدولية التى أخذها تشكيل الدول الوطنية، ففي الجزائر حل جيش التحرير الوطني محل جهاز الدولة الإستعماري وفى بلاد أخرى كمصر وتونس حلت أحزاب من الطبقة المتوسطة التى نمت في عهد الإستعمار كمعاونين للإدارة لكى تقود جهاز الدولة (الحزب الدستوري وحزب الوفد) في تحالف مع مالكي الأرض لتشكل بيروقراطية وطنية تولت الحكم أحيانآ بمجالس تمثيلية وكثيرآ بدون مجالس وتحولت مع مرور الزمن لنواة برجوازية رثة في رحاب الدولة .
في ثورات الربيع العربي تداخلت عوامل وتاثيرات دولية ومحلية ،فمن ناحية وجود شرائح واسعة من الطبقة الوسطى في المعارضة للنظام والتعبئات جرت تحت مظلات ليبرالية وإسلامية مع ضعف وجود الحركة العمالية المنظمة وتعبيراتها السياسية ،وكانت تعبئات المدن تضم خليط من المهمشين والعاملين بألأجرة وحتى فئات من البرچوازية المحرومة من التمثيل وبغض النظر عن شعار “الشعب يريد إسقاط النظام” والمزاوجه بينه وبين شعار آخر هو”الجيش والشعب أيد واحدة ” فواقع الحال أن المؤسسات العسكرية -ماعدا في سورية والسودان- قد وقفت على مبعدة من الصراع بين رأس جهاز الدولة التنفيذي تحميه الشرطة وبين جماهير محتشدة وغير منظمة في هياكل مؤسساتية ،وكانت النتيجة تفكك جهاز الشرطة ومعه رأس الإدارة الحكومية ولم تكن السلطة على قارعة الطريق كما يتخيل بعض المحللين، فقدكانت السلطة تقبع هناك في الثكنات وفي إدارة الشركات الكبرى تنتظر إزاحة السلطات السابقة لتتدخل في الصراع بعد تهالك الطرفين ،الإنتخابات التي جرت كانت مخرجاتها تعبير عن حالة تشتت القوى الإجتماعية وتمثيلياتها السياسية الهشة ، ولم يكن وصول الإسلام السياسي للحكم -ليس السلطة-سوى المخرج المؤقت المعبر عن هذا الوضع والذي رافقته مواقف دولية رأت في هذا التيار ذو الجذور التاريخية والثقافية الممتدة القوة السياسية الكفيلة بعودة الإستقرار دون المساس بقواعد الدولة.
مايزال سؤال الدولة معلقآ كسيف”ديموقليس” وخاصة بعد تبين الحاجة الضرورية لجهاز تنظيمي وتوزيعي وضبطي خلال كارثة الوباء والتلقيح والعزل وتقييد الحركة في الفضاءات العامة وتشديد قبضة أجهزة الرقابة مما تمخض عنه الحد من الحريات الشخصية والعامة ومعارضات وإحتجاجات شملت الدول الصناعية والمتخلفة .
جهاز الدولة مُكْلفْ ويأخذ من المجتمع صلاحيات هي بالضرورة إفتئات على الحريات العامة والخاصة سواء الإقتصادية أو الفكرية والثقافية، لكن التنظيم العضوي للمجتمع ليس في المتناول الا في بعض الجزر في المحيط الهادي.
“الدولة ليست بحال قوة مفروضة على المجتمع من خارجه. والدولة ليست كذلك «واقع الفكرة الأخلاقية»، «صورة وواقع العقل» كما يدعي هيغل. الدولة هي نتاج المجتمع عند درجة معينة من تطوره؛ الدولة هي إفصاح عن واقع أن هذا المجتمع قد تورط في تناقض مع ذاته لا يمكنه حله، وأنه قد انقسم إلى متضادات مستعصية هو عاجز عن الخلاص منها. ولكيلا تقوم هذه المتضادات، هذه الطبقات ذات المصالح الاقتصادية المتنافرة، بالتهام بعضها بعضاً وكذلك المجتمعات في نضال عقيم، لهذا اقتضى الأمر قوة تقف في الظاهر فوق المجتمع، قوة تلطف الاصطدام وتبقيه ضمن حدود «النظام». إن هذه القوة المنبثقة عن المجتمع والتي تضع نفسها، مع ذلك، فوقه وتنفصل عنه أكثر هي الدولة».
(“فريدريك انجلز” من كتاب أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة)
دولة تحت الرقابة هي مايمكن تصوره في المرحلة الراهنة للتطور..ولكن السؤال من يراقب من وكيف يراقبه؟المواطنون يمكن تعريفهم وتشخيصهم وهم القابلين للترشح والإنتخاب، وليس الشعب السرمدي الذي لايستطيع الحديث حتى من بطنه،وينتحل المغامرون وشذاذ الآفاق التحدث بأسمه. المواطنون هم من يقع عليهم مهمة مراقبة الدولة التى تعمل لديهم ويدفعون لموظفيها مرتباتهم من ضرائب وجبايات ،وحتى وقتنا هذا لم نكتشف طريقة لمساءلة موظفي الدولة سوى أمام المجالس التشريعية المنتخبة من المواطنين لتسن القوانين وتراقب تنفيذها وتحجب الثقة عن الموظفين المخالفين .
اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
