الأجهزة العسكرية والأمنية والإدارات الأهلية في الاقتصاد الريعي 1 و2

أحمد الفاضل هلال

الميدان السودانية

1

تصاعدت الأسئلة القديمة والمتجددة حول دور الجيش في عملية التغيير الاجتماعي بعد انقلاب اللجنة الأمنية للبشير في 11 أبريل 2019 والمحاولات اللاحقة المزعومة والصحيحة للإطاحة بالسلطة المدنية وعرقلة وقطع الطريق على التحولات الجذرية العميقة في البنيات الاقتصادية والاجتماعية.

وبحكم اختلاف المصالح الاجتماعية والطبقية والتي يمثلها كل فريق من القوى الاجتماعية المتصارعة، فلقد انقسم الإجماع الذي قاد ثورة ديسمبر إلى فريقين.فريق كان أعلى سقف طموحاته إزاحة رأس النظام مع الإبقاء على هياكله ومؤسساته الاقتصادية والثقافية، وكانوا لا يشعرون بأي حساسية من إجراء أي مساومة تاريخية مع رموزه، بل أن هذا المعسكر أفصح منذ اللحظات الأولى عن رغبته في التحالف مع العسكريين تحت ذريعة حفظ الدماء، وهذه الخطوة هي التي مكنت لاحقاً اللجنة الأمنية والانقلابين لكي يصبحوا الذراع السياسي لفلول النظام ورأس حربة الثورة المضادة من بعض الإدارات الأهلية والطرق الصوفية والمليشيات.وهذه القوى في تشكيلاتها المختلفة تراهن على أجهزة الدولة في إحداث التغيير الفوقي ولا تثق في قدرات الجماهير والتي ترى فيها حفارة لقبر نفوذها.أما الفريق الآخر كان يرى الحل في الدولة المدنية، دولة المواطنة المتساوية وحكم القانون والمؤسسات والمساءلة والشفافية وترى أن التغيير يجب أن يذهب عميقاً في البنيات الاقتصادية والثقافية والأمنية وأن يتفرغ الجميع كل في مجال تخصصه ولا مجال مجدداً للإنقلابيين من العسكريين من ممارسة السياسة والتجارة.لا شك من أن تحلل النظام المباد وتفسخ قاعدته الاجتماعية قد ساهما وساعدا على إزاحة رأس النظام، إلا أن قاعدته الأمنية العسكرية ظلت هي الأكثر قوة وتماسكاً وحضوراً وممارسة للسياسة والهيمنة على القرار السياسي بحكم الامتيازات والتسهيلات وعسكرة الحياة والاقتصاد وهذا على الرغم من حالة الهزال السياسي للنظام، إلا أن العنف كان الأيديولوجية السياسية في مخاطبة القضايا الاجتماعية التي تتطلب حلولاً علمية وفنية. واليوم أيضاً نجد أن بعض الإدارات الأهلية على الخط وتستدعي روح القبيلة وأيديولوجية التظلم لكي تجد لها مكاناً في السياسة وقيادة الدولة وهذه ردة تمثل توقف عملية التطور الاجتماعي.وقبل الحديث عن دور الإنقلابيين من العسكريين والطموحات المسرفة في التفاؤل لدى بعض الإدارات الأهلية، لا بد من التوقف في بعض المحطات من التجربة السياسية السودانية، بعد انتفاضة مارس أبريل المجيدة 1985م وتحديداً بعد تكوين حكومة الجبهة المتحدة برئاسة السيد الصادق المهدي والتي تم فيها إبعاد حزب الجبهة الإسلامية، عمدت الجبهة الإسلامية في حينها على استخدام كرت الجيش للإيقاع وزرع الفتنة بين الأحزاب والقوى المدنية من جهة والجيش واستخدمت منظمة أمان السودان لقيادة خط تحريضي مناوئ للقوى السياسية بأنها ضد الجيش، واستغلت قضايا التسليح والمؤن والتقهقر في بعض مناطق العمليات للإثارة، علماً بأن ذلك التردي كان منقولاً ومحولاً من نظام نميري الذي كان جزءاً منه حتى لحظة الثورة. وخطابها التحريضي جعل من القوى السياسية الأخرى طابوراً خامساً وعملاء للتمرد هذا المكر منهم ومع زيارة مواقع للجيش والتحدث إليهم بلغة الحريص والمهم. لا يمكن إنكار أن هذا السحر قد أنطلى على قوى مؤثرة في الجيش.واليوم يلعب الكيزان والفلول نفس الأدوار الخبيثة السابقة، بأسلحة وأدوات تنكر قديمة وجديدة، تقوم على تضخيم تناقضات متخيلة بين أبناء الشعب الواحد من المدنيين والعسكريين وابتذال مفهوم مدنية الدولة بأنها الفوضى عدم الأمن والأمان وأنها ضد الجيش واستغلال الحديث عن تفكيك الأجهزة العسكرية والأمنية لإعادة تأهيلها بعقيدة واحدة، قومية واحترافية لشن هجوم على أنصار الديمقراطية واستدراجهم في مواجهة انصرافية وعبثية مع العسكرين. وهذه اللعبة لن تمر هذه المرة إلا بتكاليف عالية.ولكن قبل التوغل في أساليب التآمر من المهم التوقف عند واحدة من أهم الدوافع للانقلابات والتمرد على الدولة والذي يسمى الريع. إن الريع سياسة اقتصادية ونمط اقتصادي تعتمد فيه الدولة أحياناً على مصدر واحد للتدخل، على الرغم من توفر إمكانيات لاستنهاض قطاعات منتجة أخرى. فالاقتصاد الريعي هو حصيلة العائدات التي تأتي إجمالاً من مصادر طبيعية كالبترول والغاز والمعادن واستئجار الأراضي ومن رسوم الصادرات والواردات والإعانات والمساعدات… الخ وبتعبير دقيق هو الحصول على عوائد وأرباح بدون عمل والذي يتطلب جهداً، وبهذه الصفة فإن العائد المتحصل عليه لا علاقة له بالإنتاج أن الريع كالاقتصاد يقوم على حماية احتكار الامتيازات وفرص الاستثمار الخالية من الشفافية لمصلحة قوى اجتماعية محدودة، إن الريع في جوهره الغالب يمثل تراكم الثروة خارج قنوات ومواعين الدولة المعروفة، بمعنى أن الريع في الواقع العملي يتم شفطه لمصلحة أفراد وأسر وشريحة صغيرة بعينها وليس لخزينة الدولة لخدمة الأهداف العامة، وباختصار لا ولاية للدولة عن مصادره. إلا أن المهم هو تراكم الثروة خارج الدورة المالية والمحاسبية المعلومة والمؤطرة باللوائح والقوانين. فالريع يعني الحصول على الأرباح من بيع منتجات طبيعية وليس الإنتاج، الحصول السهل على الفوائد من تداعيات وتجلياته إنتاج ثقافة تحتقر العمل والعلم، وهي بالتحديد ثقافة الأنانية والطمع والجشع والغنائم والتي تجد لها تفسيراً في مقولة –”دار أبوك أن خربت شيل ليك شلية”- ودار أبوك هي الدولة عندما تتحلل وتفشل هذا النمط من الاقتصاد ينتج مجموعة فقط من العائلات والأسر المحظوظة والتي تستأثر بمعظم الفوائض والأرباح والامتيازات احتكار الرفاهية..وبما أن السودان لم تتشكل فيه دولة حديثة بعد فإن الاقتصاد ظل في سلطنة الفونج والاستعمار العثماني والدولة المهدية، يقوم على تجارة الرقيق والذهب واستئجار الأراضي وحتى النظام الاستعماري البريطاني لم يؤسس دولة حديثة وإنما أسس بعض المظاهر لنمط الدولة الحديثة كالسكة حديد، كلية غردون… الخ بينما ظل الاقتصاد تابعاً للاقتصاد الاستعماري وريعاً. تشكل من ريع الصادرات والواردات من القطن السلع الأخرى والذهب وتجارة الرقيق التي لم توقفها تلك المراسيم.يمكن القول بأن كل الأنظمة المتعاقبة منذ سلطنة الفونج والحكم التركي والدولة المهدية والاستعمار البريطاني، خلقت طبقة من المستفيدين من الأراضي من زعماء العشائر والطرق الصوفية وقادة الجيوش وبعض البيوتات المعروفة إلى اليوم. وأصبح التقسيم الإداري للبلاد من أراضي مشايخ وعموديات ونظارات تمثل حواكيراً، وهذا على أساس توزيع وقسمة الأراضي وهذا التقسيم أعطى ملكية الأرض ملكية مطلقة بدلاً من الاعتراف بحق الانتفاع والاستخدام المتبادل. هذا التوجه هو الذي يدفع إلى الاحتكاكات والنزاعات وهذا التسليع للأرض جعل من قيمة الأرض في السودان أغلى مما في جارتها مصر ذات الأراضي المحدودة.عندما سطت الجبهة الإسلامية في انقلابها الفاشي في 1989 على السلطة، هيمنت الطفيلية الإسلاموية على الاقتصاد والثروة وبما أن ليس برنامجاً تنموياً نهضوياً، فأنها أنتجت سياسة التمكين والهيمنة على الموارد الطبيعية، بعد أن عملت بوعي لتعطيل وإيقاف المشاريع الزراعية والصناعية التي فصلت لها سياسة الخصخصة للبيع في مزادات خاصة. فلقد اتجهت هذه الطبقة الرأسمالية الإسلامية الطفيلية إلى المجالات السهلة من استخراج للبترول والمعادن من الذهب والكروم والحديد واليورانيوم بدون مراعاة حقوق المواطنين التاريخية والمعايير البيئية للسلامة، ولقد شكلت فترة حكم الجبهة الإسلامية وقاعدتها من الرأسمالية الطفيلية أكبر نشاط ريعي من الاعتماد على البترول والتحول إلى معدن الذهب إلى بيع وإيجار الأراضي للأجانب مما تجاوز الحدود التي تسمح معايير الأمم المتحدة في إيجار الاراضي، ولم تتوقف مساعي النظام عند هذه الحدود بل جرت محاولات مستميتة لبيع واستئجار الموانئ البحرية وإقامة قواعد عسكرية، وتصدير الماشية، وحتى المسلخ انشأ في خارج السودان ويجب عدم اغفال ريع الصادرات والواردات ومن الاعانات والمنح والمساعدات والمهم أن كل العوائد والأرباح تذهب لأفراد ومجموعات وتجنب في بنوك خارجية..

2

لقد شكل حكم الرأسمالية الطفيلية الإسلامية النموذج الأقبح للدولة الريعية من خلال إدخال الجيش والأجهزة الأمنية إلى مجالات التجارة والاستثمار ومجال الأنشطة الريعية كالتنقيب عن الذهب وشركات خدمات البترول والصادرات كالماشية والمحاصيل الزراعية والاستيراد كالقمح… الخ منتجات الغابات في الأحطاب والفحم… الخ هذا أخطر منزلق له تداعياته على مستقبل السياسة في السودان ما لم تصحح هذه السياسات.وبحكم التقسيم الإداري القبلي للسودان، فأن اكتشافات وجود البترول والمعادن الثمينة وسع من الاهتمامات الجهوية بشأن الريع من الإيجارات والرسوم والجبايات التي تتحصل عليها أقلية من زعماء العشائر والإدارات الأهلية وقادة الجبهة الإسلامية التي اتجهت إلى السيطرة على الأراضي، في دولة لم تسيطر على أراضيها بل ساومت في التخلي عن اراضي سودانية لدول أجنبية لأسباب سياسية يعلمها الجميع.صحيح كل دولة ريعية اقتصادها ريعياً ولكن ليس كل اقتصادي ريعي يعني أن الدولة ريعية، فالسعودية دولة ريعية وأن الريع يقسم على الزبائن على حسب التراتبية والهرمية والفتات يذهب للعامة، لبنان مثلاً ليس له موارد طبيعية كالبترول والذهب ولكنه أيضاَ دولة ريعية لأن اقتصاده يعتمد على ريع الإعانات والمنح والمساعدات والتحويلات وهذا اقتصاد غير منتج والعوائد تذهب للنخب والطبقة المتحكمة والبلد اليوم أمام مجاعة. وأن البرازيل على رغم من أنها تأجر أراضيها للأجانب وتتحصل على الريع إلا أن اقتصادها غير ريعي فهي دولة ناهضة صناعياً وتتحكم في العوائد. قد يدور جدل حول الاعانات والمنح والمساعدات التي تتلقاها الدول والمنظمات إذا ما تنتج ريعاً. هذه الاعانات والمساعدات تنتج ريعاً للدولة فهي لا تذهب للإنتاج، وأنها تحقق فوائد للنخبة الحاكمة فقط وتخلق طبقة من المنتفعين من عائلات ومحاسيب وهذا اقتصاد غير منتج ويوظف لمصلحة فئة وشريحة محدودة. كل هذه المقدمة تقود إلى خطورة سيادة هذا النمط الاقتصادي، والذي ساد في السودان وسيطر في وجود الإسلامويين في السلطة، والذي أدى إلى خلق اقتصاد غير منتج، يتم تجريف عائداته بعيداً عن ولاية الدولة ولمصلحة أضيق قاعدة اجتماعية من المواطنين.وبحسابات بسيطة نجد أن عائدات البترول والتي قدرت بنحو واحد وسبعون مليار دولار لم تدخل خزينة الدولة وكذلك الذهب الذي يهرب لمصلحة أفراد واسر وأجهزة أمنية وزعماء عشائر وشركات مافيات عالمية ويعيش غالبية الشعب مع مذلة الفقر والبطالة والتسول والهجرة وانهيار الخدمات وتلوث البيئة وعدم الأمن. لقد ايقظ هذا النمط الاقتصادي والسياسات عنه الجهوية والعنصرية وأوهام بعض زعماء القبائل للسيطرة السياسية والاستيلاء على الدولة. وأدى هذا النمط الاقتصادي إلى إدخال الأجهزة العسكرية والأمنية إلى دائرة الصراع السياسي في سبيل تعظيم المكاسب والحفاظ على الامتيازات وبالتأكيد الاقتصاد الريعي يحقق مكاسب أكبر من تلك المغانم التي يتم الحصول عليها في ساحات الحرب وبدون قتال وأن النفوذ وتمدد النشاطات والاستثمارات يعتمد على القوة.وبسبب ريع الاعانات والمنح والمساعدات تكونت أيضاً طبقة جديدة ممن يسمون انفسهم بالخبراء وبعض أفراد المنظمات غير الحكومية، وهؤلاء هم موظفون في الجهات الممولة أصبحوا متماهين وسياسات الجهات التي تمول ويطرحون القضايا منزوعة من أشكالياتها السياسية والطبقية وبمنظور ثقافي هوياتي وهم يساندون سياسة الإعانات والإغاثات والمساعدات لضمان التمييز الاجتماعي، ومع فتح البلاد للشركات لتعمل في مجالات، البترول والمعادن مع التغييب الكامل للدور الاجتماعي للدولة.إن الاقتصاد الريعي هو السبب المباشر لانتشار غالب للمليشيات التي تريد أخذ القانون باليد ومع العمل على استقطاع مساحة للحصول على الريع، مرور السيارات، توفير الأمن، ايجار أراضي، تنقيب على المعادن النفيسة…الخ وهذا الاقتصاد الريعي ما يدفع إلى الانقلابات العسكرية لأن الحرب الحقيقية أصبحت الهيمنة على الموارد الطبيعية المختلفة.من المهم إدراك بأن الأجهزة العسكرية والجيش هما أحدى أدوات آليات السلطة المدنية وأن وظيفة الجيش في إطار الدستور والاختصاصات هو حماية المواطنين والوطن والممتلكات العامة وحدود الدولة وتقديم الاستشارات الفنية للسلطة المدنية التي تمثل الجهة التنفيذية وهي التي تتخذ القرار الأكثر موضوعية والأقل تكلفة، وإن قرارات الحرب والسلام هي في الأساس قرارات سياسية ومن صميم اختصاصات السلطة المدنية.في خمسينيات وستينيات القرن المنصرم امتدت حرائق الانقلابات من امريكا اللاتينية وافريقيا ومروراً إلى آسيا ولم تسلم حتى اوروبا بانقلاب بابا دبلوس في اليونان وانقلاب في قبرص اطاح بالأسقف مكاريوس المناصر للقضية الفلسطينية وتوجت بانقلاب فاشل في روسيا. لتبدأ مرحلة جديدة من العد التنازلي للانقلابات العسكرية أثر المواقف الجديدة للأمم المتحدة وبعض الكيانات الإقليمية المناهضة للانقلابات العسكرية وتغييرات العنيفة بجانب ظهور محاكم دولية لجرائم ضد الإنسانية والحرب والإبادة الجماعية. وجود هذه المؤسسات المناهضة للانقلابات لا يعني بتاتاً بأنه قد تم بالفعل طي صفحة الانقلابات العسكرية تماماً.في هذا الصدد لابد من إزالة الالتباس بين مفهوم الجيش كمؤسسة، منظومة مهنية ومحترمة وقومية وبين الإنقلابيين والمغامرين من العسكريين حتى لا نقع في خطأ خلط الأوراق والاستنتاجات غير الصحيحة التي تقود إلى الغموض والاحتقان لسوء التحديد الدقيق للمفاهيم.إن الجيش كمؤسسة لا يختلف عن مؤسسات الدولة الأخرى من حيث واجبات الوظيفة والالتزام بالقوانين والأسس التي تحدد المهام والعلاقة وأن الأغلبية فيه ملتزمة بالضوابط والأدوار. إلا أن الإنقلابيين بينهم مجموعة غير منضبطة وتبحث عن ذرائع لتجاوز الصلاحيات ويمكن تقسيم هذه المجموعات منهم مجموعة كبار القادة والذين عادة ما يتحركون في لحظة قمة الأزمات الثورية ويتقدمون لاستلام السلطة ليس للحفاظ على الأمن وحماية تراب الوطن والمواطنين وإنما لحماية مصالحهم التي ربما قد تتأثر من قبل الثوار أومن الرتب الأقل في السلم الوظيفي للجيش، هذه في العادة مجموعة محافظة وتعمل على فرملة أي تحولات اجتماعية عميقة، ترى في الثوار والرتب الأقل خطراً عليهم. وهناك مجموعة ثانية من الرتب الوسيطة الذين يشجعهم السخط والملل العام وسوء أحوالهم وفساد قياداتهم العليا في احتكار الامتيازات وفي الأمور الشخصية التجاوز في الترقي والمحابة والاستلطافات وتنقلات تعسفية وهناك مجموعة ثالثة من الإنقلابيين وهم مجموعات ذات مرجعيات عقائدية، وهي تؤمن بدور الدولة في احداث التغيير الاجتماعي الفوقي ونسبة لحساسية تناول قضايا المؤسسات العسكرية، ليس هناك ما يقال من أن الجيش والشرطة هم من أبناء هذا الشعب وليسوا من كوكب آخر، وإنهم يدفعون أيضاً نفس الثمن الذي تدفعه الغالبية من أبناء الشعب من المعاناة والحرمان والظلم وبينهم مناضلون حقيقيون من أجل دولة القانون والمؤسسات والمساءلة وهؤلاء الأفراد لا يشكلون طبقة وعندما يكون الحديث عن الأفراد، يجب التمييز بينهم كأفراد يشكلون مؤسسة وبين المؤسسة التي تقوم بالإعداد المهني والنفسي والايديولوجي، فالمؤسسة هي التي تطلع بالدور التربوي والإعداد المفاهيمي بما يخدم أهداف المؤسسة إن الأفراد لا غبار عليهم أنهم في كثير من الأحيان يصبحون أيضاً ضحايا لأخطاء مؤسساتهم.ففي تأريخ الانقلابات التي قام بها الإنقلابيون العسكريين نجد أن الجيش وقع به أرتال من الشهداء من خيرة الضباط والجنود الذين اعدموا أو تمت تصفيتهم من قبل زملائهم من الإنقلابيين في السلطة، وهذا ابتداءً من الانقلابات المشئومة للفريق عبود والعقيد جعفر نميري والعميد عمر البشير، ولم تتوقف إلى اليوم حملات التشريد والطرد من الخدمة والفصل بدون حقوق. أن من يمارس هذا الحقد والتشفي ليس من المدنيين أو الملكية، ولكنهم تلك المجموعات الانقلابية في داخل الأجهزة العسكرية والحقيقة المؤلمة والتي يجب إدراكها أن الأجهزة العسكرية تضررت أكبر الضرر من رفقاء السلاح من الانقلابين والذين يتحدثون من مواقع فوقية باسم هذه الأجهزة العسكرية.وللإنصاف، أن الأفكار الانقلابية ليست ملكية حصرية للعسكريين، فإن هناك مدنيين يحملون أفكار انقلابية سواء هم داخل بعض الأحزاب أو على المستوى العام من الحركة الاجتماعية، سواء من سلم السلطة أو تواطأ أو سكت وتراخى أو أيد انقلابيين أو سلح المليشيات وسمح لأخذ القانون باليد. من المهم إدراك أن أول من أحط من القيم المهنية والاحترامية والقومية والعقيدة القتالية الواحدة والتدريب والتسليح ليس من المدنيين ولكن مجموعة من الإنقلابيين بقيادة البشير وزمرته والتي خلقت أجسام وكيانات موازية للجيش من دفاع شعبي وأمن شعبي وجنجويد وحرس حدود ودعم سريع وقوات صديقة… الخ ووفر لها إمكانية أفضل من الأجهزة العسكرية الرسمية لأي دولة محترمة.


اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقاً