
كل يوم تقريبا يعرضوني او يكلموني أصدقاء؛ رفاق ؛ مواطنين…
و السؤال : وينكم؟؟!!
و يرفق هذا السؤال ببعض الملاحظات المتطابقة احيانا و المتنافرة حينا من نوع :
*توا فرصتنا الوضع سانح لطرح بديل ثوري / اجتماعي / يساري… الخ من المصطلحات التي تعمقت الهوة بين معانيها الأصلية و بين الزمن.
* لماذا لا تجمعون اليسار/ الديمقراطيين/ الوطنيين / القوى المساندة ل 25جويلية… الخ من رغبات الانتفاخ في أجسام للاحتماء السياسي بها من ريح الهيمنة المضادة كل حسب تخيله للعدو.
*لماذا ساندتم 25جويلية ؛ انه انقلاب؟
* لماذا لا تساندون قيس بشكل واضح ومصطف مثل قوى أخرى؟
*لماذا لا تخرجون في الاعلام و تخاطبون الشعب مثل ما يفعل البعض؟؟
انها في الحقيقة أسئلة مؤلمة عند من يطرحها لانه يطرحها بحب و هي كذلك أسئلة مهمة وفي محاولة الإجابة عنها يكون شفاء من كثير من العلل التي في تقديري نحتاج فيها علاجا جماعيا؛ على الاقل لكل من يحمل لواء التغيير لهذا الواقع في انحياز اجتماعي معلوم.
_إن القول اليوم بأن الوضع سانح بتغيير الأوضاع لصالح غالبية الفئات المنهوبة و المتضررة من الوضع القائم قول يسفهه الواقع حيث لا يمكن لبلد تحت مظلة هيمنة الخيارات النيولبرالية على المستوى الاقتصادي الدولي و تحت سطوة كماشة العائلات الحاكمة التي جعلت من الأغلبية شتات أفراد لا يملكون شيئا و يعززون هذه السطوة او السيطرة باطباق ايديولوجي /اعلامي / ثقافي / اكاديمي / معرفي.
هذا الوضع يقتضي سياسيا المواجهة و لاشيئ آخر غير المواجهة و لكن اي مواجهة؛ المواجهة المنظمة التي تقتضي وضوحا في الأهداف و مستوياتها و تتخللها التكتيكات الملائمة مدا و جزرا.
ولكن للأسف المواجهة تخضع لقانون “تقليدي عتيق” اسمه موازين القوى ؛ التي هي في اختلال شنيع؛ فبالقدر الذي يكتسب فيه الخصوم كل عناصر الهيمنة من مال و دعم دولي و ووسائل إعلام و ببيروقراطية حارسة في كل المجالات و مثقفين و “خبراء اقتصاديين” و معطيات دقيقة عن الواقع و انتعاش و انعاش متواصل للقوى المحافظة في المجتمع من وجاهات القبائل و رجال الدين و سطوة الذكور و تعزيز رافعاتهم المادية عبر الثروة و التشريعات…الخ ؛ بكل هذا القدر؛ انت تعيش في مجتمع شبه مسلوب من كل عناصر المقاومة (بإستثناء العناصر شبه الغريزية من انفجارات احتجاجية متسعة او ضيقة) فنحن إزاء” ثوريين” ؛احزابا او أفراد او مجموعات؛ لا يمتلكون من ثوريتهم غير الذكريات؛ في مجتمع وواقع هو غريب عنهم و غرباء عليه؛ لا يشبه في شيئ ما قيل لهم في كل مجامعهم الكردينالية؛ نحن أيضا إزاء حركة نسوية باجندة أمريكية أوروبية تطرح دواء قاتلا لكل حركة نسوية تحررية بشروط ذاتية فتبقي النساء فريسة للمؤسسات التقليدية و فكرهم؛ اما عن الشباب و الحركة الاحتجاجية فحدث و لا حرج؛ فنحن أمام جيل الثورة المهزومة الذي خسر كل رهاناته تقريبا فخاب من راهن على السلاح مع الدواعش و خاب من راهن على احمرار اليسار و خاب من واجه دولة الظلم وحده او مع اقرانه في الشارع بعد أن باع الجميع و اشترى في أحلامه. أما الطلائع الطلابية فهي منشغلة في اقتسام اقطاعات الاتحاد العام ط ت ؛ فتجد نفسك أمام شباب منقسم بين السجون و الجريمة و الكحولية و المخدرات و بين من يريد الخلاص الفردي اما بالهجرة او ببيع كفائته و قدراته لمن يدفع اكثر.
اما عن أصحاب الفكر و المعرفة من مثقفين و اكادميين فهم غارقون في ندواتهم المتعالية وفي انجاز ما تتطلبه استراتيجيات les fondations مع رشة و نفحة تقدمية ترضي أحاسيسه الثورية المفرطة و يزيد الطين بلة موت الإبداع في الثقافة و الفن في الاوساط الطلابية و الشبابية فلدينا شباب متوقف عند هيلا هيلا يا مطر و الشيخ أمام و غسالة النوادر و بعض مما لاكته الألسن من درويش و مظفر
و هكذا يكون المشهد تراجيديا يجسد آلهة ظالمة لا تقهر و لا تهزم يواجهها بطل اسطوري يقرر خوض المعركة رغم يقينه المسبق بحتفه.
نحن اذن وفق هذا المشهد في زمن تجنب هزائم اكثر و ابقاء الإمكانية قائمة لانتصارات ممكنة و هذه منطقة شديدة التعقيد لا ينفع معها لا الرسائل و المقترحات و التحلي بالاعتدال ولا الظهور الاعلامي المتواتر و الموتور الذي يكرر مقولات مزعجة فكريا و جماليا.
إن رصد و فهم تناقضات الواقع في هذه اللحظة التاريخية بالذات و العمل على إيجاد عناصر الحياة(فكرا و مالا و عتادا و عقولا و سواعد) في مشروع استنهاض عميق و عام في هذا المجتمع لهي أوكد المهام في أيامنا هذه.
و من هنا اصل لبقية الأسئلة التي كثيرا ما اسمعها كما اوردت؛
فالحديث على التجميع؛ ايا كان المراد تجميعهم هو حديث رفاه و ترف في هذا الواقع؛ اي حركة تغيير اجتماعي وطني اليوم يجب أن تطرح تصفية حساب مع ارثها و واقعها و خلافاتها وذلك بالصراع الجدي و الخلاق لا بالتجميع القبلي و العائلي و كأنه “ميعاد”؛ هذا طبعا لا يعني رفض النقاش و اللقاء لكن على اسس المواجهة الصريحة و النقد العميق حتى نفهم مثلا لماذا كان البعض مع 25 جويلية بتحفظ و كان البعض الاخر مع 25 جويلية دون قيد او شرط و البعض مع 25 جويلية و الرئيس و البعض الاخر يقول انقلاب و حكم فردي مطلق و البعض الاخر يريد الاشتراكية الآن او لاشيئ؛ يجب أن نفهم و ان نرسم تخوم العلاقة بين الأبعاد السياسية و المنطلقات الفكرية في اتخاذ هذه المواقف و غيرها و بين المصالح ؛ كل المصالح المادية و الفردية و الحزبية و العائلية وحتى النفسية… التي دفعت لاتخاذ هذه المواقف ليسهل علينا و على غيرنا ان نعرف و ان يعرفوا على اي ارض نقف و في اي بحر نسبح؛ وقتها سيسهل ان يجد الناس طريق الإبداع و البدائل وان يفرزوا قادة حقيقيين.
إن فترات كهذه من العطالة و الركود ليست جديدة على التاريخ في بلادنا و في سائر العالم لكنها غالبا ما تكون حبلى بالتقدم و الانتصار على أيدي من تعلموا كيف يديرون الهزيمة باقتدار بأقل الأضرار وهم يطبخون بمرارتها دواء الأحبة وسم الانتصار على الاشرار.
اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
