مقال:” السيادة الوطنية والمصالح العليا تستوجب فتح تحقيق في الارقام المؤكدة ” والمفزعة حول التجارة الخارجية

مقال بقلم الاستاذ جمال العويديدي

الشارع المغاربي العدد 282 – الثلاثاء 26 أكتوبر 2021

بعد زيارات الاستكشاف وجس النبض عرف المشهد السياسي التونسي منذ أسبوعين تطورا هاما على المستوى الخارجي بدعوى تعطيل المسار الديمقراطي تمثل في تحرك مكثف أمريكي – أوروبي بتنسيق زمني واضح مع المؤسسات المالية الدولية بما فيها وكالات التصنيف السيادية والمؤسسات المالية المحلية التي يمثلها البنك المركزي “المستقل” سعيا لتطويق المسار الذي انتهجه رئيس الجمهورية عبر المرسوم الرئاسي رقم 117-2021 المؤرخ في 22 سبتمر 2021 المتعلق بالاجراءات الاستثنائية.

  بقطع النظر على المشاكل السياسية المشروعة والحادة المطروحة في هذا الاطار هناك ثوابت لابد من التأكيد عليها  مجددا حتى نتمكن من استيعاب ماهية الوضع الحالي السياسي والاقتصادي والاجتماعي في البلاد.

الثابت الاول يتعلق بحجم الدمار الاقتصادي والمالي والاجتماعي الذي أفضى إليه حكم البلاد منذ 2011 والذي تتحمل مسؤوليته كل الاحزاب والشخصيات التي تداولت على السلطة طيلة هذه المدة. هذا الدمار تمثل في انهيار قيمة الدينار بنسبة 74 %وارتفاع المديونية من 25 مليار دينار سنة 2010 إلى 120 مليار حاليا وارتفاع العجز التجاري من 8,12 مليار دينار سنة 2010 إلى 31 مليار سنة 2019 ووصل إلى 3,21 مليار دينار في موفى شهر سبتمبر 2021 أي بمعدل 4,2 مليار دينار شهريا. كما تجلى من خلال ارتفاع الاسعار نتيجة التضخم المستورد وانهيار القدرة الشرائية للمواطن طال كل الفئات. علاوة على ظاهرة الهجرة السرية وهجرة الادمغة.

هذا الدمار تزامن مع أزمة أخلاقية وسياسية لم يسبق لها مثيل عمقت ظاهرة الفساد الذي انتشر في كامل دواليب الدولة المركزية والجهوية والمحلية وتفشى في جميع المرافق العمومية من صحة وتعليم ونقل وبنية تحتية وبيئة.

كما تزامن مع ظاهرة خطرية تتعلق باصطفاف الاحزاب السياسية مع جهات دولية وإقليمية حسب القناعات والمراجع السياسية والفكرية وفي تنكر كامل للمصالح العليا للوطن وعلى حساب السيادة الوطنية.

هذا الوضع الكارثي أفضى حتميا الى نفور نسبة عالية جدا من الشعب التونسي وخاصة منه فئة الشباب من الاحزاب السياسية ومن رموزها التي تنكرت لاستحقاقات الشعب التونسي خاصة في المدة النيابية والترشيعية ما بعد انتخابات 2014

  الاطراف الخارجية ديدنها الوحيد تحقيق مصالحها الذاتية

الثابت الثاني يتعلق بمسؤولية الجهات الخارجية وفي مقدمتها الاتحاد الاوروبي “شريك تونس الاول” والولايات المتحدة “راعية الحرية والديمقراطية” في هذه الكارثة الوطنية التي خططت لها منذ قمة “دوفيل” للسبع دول الكبرى في ماي 2011 بفرض عدم تغير المنوال التنموي وعدم فتح ملف الشراكة موقع سنة 1995 بل والدفع لمزيد تعميقه ليشمل قطاع الفالحة وقطاع الخدمات بكل أصنافها علاوة على تمكين صندوق النقد الدولى من تفويض ثالث ثم رابع وخامس لفرض وصفة التقشف التي اعتاد عليها منذ الثمانينات. هذه الوصفة تتلخص في ضرورة الضغط على الميزانية عبر الضغط على الاجور وعلى منح التقاعد وإيقاف الانتداب في الوظيفة العمومية وتقليص نفقات المرافق العمومية في التعليم والصحة والنقل وتحويل هذه الانشطة الى القطاع الخاص وهو ما تشهده البلاد منذ تدخل سنة 1986 والذي استفحل منذ سنة 2013 إلى اليوم. عالوة على الدفع نحو مزيد الخصخصة في كل القطاعات الاستراتيجية والهامة مثل الطاقة والنقل والاتصالات والمالية والبنوك.

هذا التدخل المباشر تواصل بطريقة مكثفة في العشرية الاخيرة حيث وجد كل المجالات مفتوحة من طرف الاحزاب

والشخصيات التي حكمت البلاد لتمرير كل مخططاته لضم البلاد في خانة مصالحه الاستراتيجية في دحر كل منافس جديد في المنطقة. في هذا الباب وعلى مستوى الاتحاد الاوروبي تم التوقيع عىل اتفاق “الشريك المميز” في نوفمبر 2012 وهو اسم بدون أي مضمون يُذكر. وقد تم التسويق لهذا الاتفاق في إطار مزايدة سخيفة بكونه مرتبة أرقى من “المكانة المتقدمة” التي حصلت عليها المغرب سنة 2008 ،أو مرتبة “الشريك المتقدم” التي منحت للاردن سنة 2010 .وقد أطنبت بعض الجهات المسوقة لهذه الشراكة بعناوين من نوع “المفوضة الاوروبية للعلاقات الخارجية: تونس شريك مميز وخاص للاتحاد الاوروبي” جاء فيه “أن منح تونس هذه المرتبة أضيف لها خطة عمل حول الشراكة المميزة للفترة الممتدة بين 2013 و2017. وفي هذا الاطار، تعهد الجانبان بالرتفيع في علاقات التعاون بينهما إلى أعلى مستوى ممكن. ويضيف المقال “وتم الاتفاق بالخصوص على العمل من أجل التوصل إلى اتفاق كامل ومعمق للتبادل الحر (أليكا)، واتفاق شراكة يشمل التنقل بالاضافة الى اتفاق آخر في مجال النقل الجوي (نموذج الاجواء المفتوحة( .وفي 14 سبتمبر 2016 ،تبنى البرلمان الاوروبي بأغلبية ساحقة، قرارا بشأن تونس، اعتبر فيه بالخصوص أن وضعية البلاد تقتضي إرساء “خطة مارشال” حقيقية لفائدة تونس ترصد في نطاقها اعتمادات هامة، مع دعوة السلطات القائمة على موازنة الاتحاد الاوروبي إلى تأمين دعم نوعي للموارد المالية الموجهة لتونس…

 خلاصة الامر رغم هذا التسويق المطنب، تونس تدحرجت من سوء إلى أسوء وأصبحت في حالة إفلاس وغير قادرة للخروج الى السوق المالية العالمية لتعبئة موارد جديدة. كما تدحرجت خدمات كل المرافق العمومية وتضررت كل المؤسسات العمومية والخاصة وارتفعت نسبة البطالة والفقر خاصة بعد اندلاع جائحة كورونا التي كشفت عمق الدمار الاقتصادي والاجتماعي الذي أصاب البلاد.

قرار االتحاد الاوروبي الاخير يحمل ضمنيا في طياته الاعتراف بمسؤولياته في الوضع الكارثي في تونس

 في علاقة بالوضع الذي أصبحت عليه البلاد منذ 25 جويلية 2021  بادر الاتحاد الاوروبي بتنسيق مع الولايات المتحدة باتخاذ إجراءات تصعيدية انطلقت إثر زيارة “جوزيب بوريل” الذي عبر”عن مخاوف الاتحاد الاوروبي إزاء الوضع في تونس” بتاريخ 10سبتمبر 2021 .ثم تحولت إلى قرار تأجيل قمة “الفرنكوفونية” بمكالمة مباشرة بين الرئيس الفرنسي والرئيس التونسي. وأسفر في النهاية إلى إصدار قرار تم التصويت عليه في البرلمان الاوروبي بتاريخ 21 أكتوبر 2021 . الملفت للانتباه أن هذا القرار الاخير سبقه مشروع قرار تم نشره بتاريخ 19 اكتوبر 2021 وتضمن اعتبارات تبين مدى التخبط الذي أصبحت عليه الهيئات المشرفة على مرشوع القرار حيث بعد “اعتبار تونس بلد ذو الاولوية في سياسة الجوارالاوروبية” تم السرد بإطناب لمؤشرات الوضع الاقتصادي والاجتماعي والصحي الكارثي في البلاد”. كما تعرضت لتفشي معضلة الفساد. ثم تعرضت الى في الفصل الثامن إلى الاعتراف صراحة إلى “تخوف البرلمان الاوروبي من تداعيات مشروع اتفاق التبادل الحر الشامل والمعمق “الاليكا” على الاقتصاد المحلي التونسي، المتدهور أصلا، لذلك تعتبر أن هذا المشروع تجاوزته الاحداث خاصة وأنه محل رفض من المجتمع المدني التونسي ولا يعتبر من الاولويات حاليا”. هكذا وبكل وضوح مع العلم أن هذا الفصل تم حذفه في النص الثاني الذي اعتمده البرلمان الاوروبي.

بخصوص القرار الذي تم التصويت عليه فقد تعرض إلى

اعتبارات غريبة وعجيبة من نوع :

 – اعتبارا أن حكومة المشيشي قامت بتجاوزات خطيرة لحقوق الانسان عبر تعنيف المتظاهرين الذين تعرضوا إلى التعذيب في شهر جانفي 2021 “مع العلم أنه نفس املشييش الذي كانت تتفاوض معه الاطراف الاوروبية-والفرنسية خاصة. ثم تضيف اعتبار يؤكد  أن الفساد نخر البلاد منذ عشرات السنين” وهي جهة تتحدث عن بلد اعتبرته مثالا للبلدان النامية في إنجازاته الاقتصادية والاجتماعية وتلميذ نجيب لصندوق النقد الدويل. كما عرج القرار “عن تفشي ظاهرة الهجرة السرية التي تشمل عدد متزايد من التونسنين الذين يفرون من بلادهم في قوارب تعرض حياتهم للموت وذكر نفس الفصل “أن تونس تعتبر من بين البلدان العربية التي تتعرض الى أعلى نسبة هجرة الادمغة” ونسي أن يذكر أنه من أول الدول المنتفعة بهجرة الادمغة. كما ذكر القرار” أن تونس عرفت ثاني أعلى نسبة وفيات في العالم نتيجة جائحة كوفيد19 “- وفي الاخير عبر قرار البرلمان الاوروبي في الفصل العاشر “عن أسفه أنه رغم متانة شراكته مع تونس لم يتمكن الاتحاد الاوربي من مساندة البلاد التونسية ومن إعانتها لتحقيق حوكمة رشيدة وتحقيق التنمية المرجوة منذ الربيع العربي” الشريك الاوروبي عبر عن أسفه لعدم مساندته لتونس منذ الربيع العربي لكنه حقق فائض تجاري بمبلغ 120 مليار دينار في نفس المدة قرار البرلمان الاوروبي يعتبر بدون منازع اعترافا صيرحا بعدم جدوة الشراكة التي فرضت على الشعب التونسي منذ 1995 والتي أفضت الى تدمير كل الانجازات الصناعية التي حققتها حكومة الاستقلال. هذا القرار يعتبر صفعة لكل من ناصر هذه الشراكة في تونس ظلما وبهتانا في حق الشعب وفي حق أجياله. في حركة تخبط واضحة وصارخة هذا الشريك اكتفى بسرد الوضع الكارثي الذي تعانيه بلادنا وعبر عن أسفه لعدم التمكن من مساندته لكنه لم يعرب عن امتنانه لتحقيق فائض تجاري بمبلغ يقدر تقريبا في حدود 120 مليار دينار )المصدر: المعهد الوطني للاحصاء( أي ما يساوي المديونية العمومية الحالية. والافظع من ذلك فإنه يسوق بتواطئ مع المسؤولين على المستوى السياسي والاداري المحلي أن علاقاته التجارية مع تونس متوازنة والاغرب أن فرنسا تدعي أن مبادلاتها مع تونس تفضي الى فائض تجاري لصالح تونس. أعظم من هذا افتراء واستخفاف بالسيادة الوطنية وبالشعوب لا يوجد. إضافة لذلك فإن الاتحاد الاوروبي عبر في قرار البرمان الاخير أنه “قدم منحة بقيمة 2 مليار لتونس بين 2011 و2021” ونسي أن يذكر أن شركاته المنتصبة في تونس منذ عشرات السنين في إطار المناولة الخاصة بها والتي لا تدفع ضرائب ولا تسرتجع مداخيل التصدير بنص الامم المتحدة وصندوق النقد الدولي التي تطبقه بنفسها منذ سنة 2010 ، تحصلت على منح بقيمة 5,9 مليار دينار في نفس المدة بشهادة تقرير البنك الدولي الصادر في سنة 2014 والذي أكد “أن الشركات غير المقيمة والمصدرة كليا تتحصل على منح قدرها في حدود مليار دولار أمريكي سنويا. كما أكد أن 70 %من هذه المنح تدفع سدى لان وجود هذه الشركات لم يكن بسبب المنح”

 وبناء عليه فإن السيادة الوطنية والمصالح العليا للبلاد تستوجب اليوم فتح تحقيق رسمي وسريع حول حقيقة التجارة الخارجية مع الاتحاد الاوربي وحول حقيقة المنح التي تعطى لهذه الشركات الاجنبية بدون موجب خاصة وأنها تنتفع بكلفة إنتاج في تونس جد منخفضة نتيجة الاجور المتدنية ونتيجة سعر الدينار المنهار.


اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقاً