المؤسسات العمومية: التدمير الممنهج و مغالطات خطاب الخوصصة

الدكتور مصطفى الجويل

المؤسسات العمومية: التدمير الممنهج و مغالطات خطاب الخوصصة

مقال نشر في العدد السادس من مجلة ” الدرب” عدد نوفمبر2020.

في ضل أزمة اقتصادية و اجتماعية خانقة عجزت الحكومات المتعاقبة عن تجاوزها و أمام الضغط المتواصل للمؤسسات المالية العالمية تصاعد في الآونة الأخيرة الخطاب حول خوصصة المؤسسات العمومية في تونس. لا يكاد يخلو منبر إعلامي من “خبير” ينصب نفسه ناطقا باسم “المصلحة الوطنية” ليحدثنا عن العبء الذي أصبح يمثله القطاع العمومي على ميزانية الدولة جراء تضخم الأجور و تزايد الخسائر.  تطالعنا الصحف يوميا بأرقام مفزعة عن مديونية المؤسسات العمومية و قضايا الفساد داخلها و مقالات تفنن أصحابها في تقديم الخوصصة كحل سحري لتجاوز الأزمة و خلق حركية اقتصادية جديدة. هذا التركيز الإعلامي على القطاع العمومي لا يحركه الدفاع عن المرفق العام و حق التونسيين في الخدمات اللائقة، بل يدخل في خانة الشيطنة التي تهدف إلى تهيئة الرأي العام للقبول بمخططات الخوصصة. خطاب قد يجد له آذانا صاغية لدى شرائح واسعة من التونسيين ممن أرهقهم تردي خدمات المؤسسات العمومية و هيمنة البيروقراطية على مفاصلها.

تاريخيا، تعود نشأة القطاع العام في تونس إلى ستينات القرن الماضي في سياق شكلت فيه الدولة الأداة و الحاضنة لعملية التراكم و ذلك لضعف  البرجوازية الكمبرادورية (الصناعية خاصة) التي لم تتكون منها بشكل جلي إلا الشريحة البيروقراطية.  في هذا السياق تمت “تونسة” المؤسسات الموروثة عن فترة الاستعمار المباشر (الخطوط التونسية، فسفاط قفصة، المجمع الكيميائي، شركة السكك الحديدية، ديوان الحبوب، وكالة التبغ و الوقيد …) و بعث مؤسسات أخرى ذات طابع صناعي أو تجاري ( شركة استغلال و توزيع المياه، شركة الكهرباء و الغاز، الفولاذ، شركة صناعات التكرير….). من ناحية أخرى استثمرت الدولة بشكل هام في قطاع الخدمات و أساسا التعليم و الصحة و النقل.

في الواقع لم يكن تركيز القطاع العام يندرج في إطار مشروع وطني يهدف إلى فك الارتباط بالهيمنة الاستعمارية و يؤسس لسيادة التونسيين على ثرواتهم  بل كان في جوهره الأداة التي من خلالها أمنت البيروقراطية الحاكمة وظيفتين رئيسيتين.  الوظيفة الأولى تمثلت في ربط الاقتصاد التونسي بدوائر الرأسمال العالمي حسب مقتضيات التقسيم الدولي للعمل و ذلك عبر تصدير المواد الأولية و استيراد ما يتطلبه إنتاجها من آليات.  أما الوظيفة الثانية فتمثلت في تكفل الدولة (من خلال الخدمات الاجتماعية) بجزء من كلفة إعادة إنتاج قوة العمل بهدف الضغط المتواصل على الأجور و المحافظة عليها في مستويات متدنية كشرط أساسي لضمان الربح للكمبرادور الصناعي و دفعه نحو الاستثمار و المراكمة. هذا بالإضافة إلى أن القطاع العمومي شكل مجالا بسطت من خلاله البيروقراطية هيمنتها على مفاصل الاقتصاد.

على الرغم من مساهمته في التشغيل و تأمينه للخدمات الاجتماعية لشرائح واسعة من التونسيين، كان القطاع العام منذ نشأته يحمل في طياته بوادر أزمته. ذلك أن الوحدات الصناعية التي تم بعثها كانت، بحكم ارتهانها بالرأسمال العالمي، معزولة عن باقي النسيج الاقتصادي و بالتالي عاجزة عن تطوير ذاتها و المساهمة في دفع عملية التراكم. هذا بالإضافة لسوء التصرف كنتاج لهيمنة البيروقراطية  و قاعدة لتوسعها.       

في بداية سنوات 1970، في ضل أزمة اقتصادية و اجتماعية خانقة، بدأ الخطاب الليبرالي يتبلور مع تشكل الكمبرادور الصناعي الذي امسك بالسلطة السياسية عبر ما يسمى بالجناح الإصلاحي أو الليبرالي داخل الحزب الدستوري و أسس لتوجه جديد تحت شعار الانفتاح الاقتصادي. هذا التوجه الذي يجرم تدخل الدولة و يرى في “المبادرة الحرة” و آليات السوق المخرج الوحيد من الأزمة. ذلك أن  «قانون السوق قانون صارم، انه قانون الحقيقة الذي هو قانون التقدم» على حد تعبير الهادي نويرة الوزير الأول في تلك الفترة .   في هذا السياق انطلقت أولى عمليات الخوصصة  بهدف إضعاف البيروقراطية الكمبرادورية و الحد من سلطتها و توسع قاعدتها الاجتماعية.

في أواسط ثمانينات القرن الماضي أصبحت الخوصصة خيارا سياسيا واضح المعالم خاصة مع دخول “برنامج الإصلاح الهيكلي” حيز التنفيذ في سنة 1986 في سياق عالمي تميز بهيمنة السياسات النيوليبرالية التي ترتكز على الحد من تدخل الدولة لصالح آليات السوق و المبادرة الخاصة. لذلك، في تونس كما في باقي بلدان الجنوب ، شكلت الخوصصة أحد الركائز الرئيسية لبرامج الإصلاح الهيكلي المملاة من طرف صندوق النقد الدولي. في هذا الإطار تم إحداث ” لجنة تطهير و إعادة هيكلة المؤسسات العمومية”[1] التي ضبطت قائمة بمائة منشأة عمومية و حددت جدولا زمنيا لخوصصتها بالتوافق مع صندوق النقد الدولي و البنك العالمي.  و قد شهدت عمليات الخوصصة نسقا حثيثا خاصة بعد إبرام اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي  سنة 1995.

بداية من 1987 و إلى حدود 2010 و بتواطيء من البيروقراطية النقابية[2] تمت خوصصة حوالي  250 مؤسسة عمومية بقيمة 5963 مليون دينار منها 114 عملية تفويت كلي . و قد شمل البرنامج عدة مؤسسات في مجالات متعددة منها البنوك و شركات الاسمنت والاتصالات.  في سنة 2010 تم إقرار برنامج لخوصصة عشر مؤسسات وهي : شركة الفولاذ ، الشركة الوطنية لتوزيع البترول ، الشركة التونسية للملاحة،  الشركة التونسية لصناعة السكر ، البنوك العمومية الثلاث،  الوكالة التونسية للتبغ و الوقيد  ، الشركة التونسية للصناعات المطاطية و شركة الخطوط التونسية. في نفس الإطار ، التزمت حكومة النداء – النهضة  بمواصلة برنامج إعادة هيكلة المؤسسات العمومية (رسالة النوايا الموجهة من طرف محافظ البنك المركزي و وزير المالية إلى مديرة صندوق النقد الدولي بتاريخ 2 ماي 2016) و يشمل هذا البرنامج في بدايته المؤسسات الخمس الكبرى وهى: الشركة التونسية للكهرباء و الغاز، الشركة التونسية لصناعات التكرير، ديوان الحبوب، الخطوط التونسية و الوكالة الوطنية للتبغ. ويهدف برنامج الهيكلة إلى إعادة النظر في وظيفة “الدولة المساهمة ” و هو ما يعني  تحويل الدولة من مالك إلى مجرد مساهم في المنشآت العمومية إلى جانب مساهمين آخرين. كما يهدف البرنامج إلى تحديد القطاعات الغير إستراتيجية )من يحددها ؟) التي سيقع إقرار انسحاب الدولة منها. إذن، ما يسمى ببرنامج “إعادة هيكلة المؤسسات العمومية” ليس في حقيقة الأمر إلا الخطوة التي تسبق خوصصتها و التفويت فيها. هذه الالتزامات تم التأكيد عليها من جديد في رسالة النوايا الأخيرة الموجهة لصندوق النقد الدولي بتاريخ 2 أفريل 2020.  

ليست الدعوات الأخيرة إلى خوصصة المؤسسات العمومية إلا استكمالا لمسار انطلق في تونس منذ ما يقارب الخمسين سنة و كلما طرحت مسالة التفويت في المؤسسات العمومية إلا و تصاعد الخطاب الذي يسعى لإيجاد كل المبررات لتمريرها. هذا الخطاب الذي يراوح بين الترهيب (الأزمة، المديونية، إفلاس الدولة) و الترغيب (الاستثمار، التشغيل، التنمية) و إن يبدو في ظاهره سليما فانه لا يخلو من الهنات و المغالطات.  لذلك قبل الوقوف عند الدوافع الحقيقية لسياسات الخوصصة سنحاول كشف المغالطات التي يروج لها هذا الخطاب.

  1. الإفلاس الممنهج للمنشآت العمومية و خطاب الشيطنة

في سياق الإعداد لميزانية الدولة لسنة 2020 ، نشرت وزارة المالية  تقريرا حول المنشآت العمومية  تناول في جزئه الأول  “تشخيصا للوضعية الاقتصادية والمالية والتشغيلية للمنشآت العمومية للفترة 2016 – 2018 ” اعتمادا على المعطيات المالية و التشغيلية لعينة من 31 منشأة عمومية. لئن احتوى التقرير على العديد من المعطيات الهامة، إلا انه احتوى أيضا العديد من المغالطات و تغافل عن الأسباب الحقيقية لتدهور الأوضاع المالية للمنشآت.    

حسب هذا التقرير،  في سنة 2016 حققت بعض المنشآت (دون اعتبار البنوك و الصناديق الاجتماعية)  أرباحا صافية بلغت 170 مليون دينار في حين تكبدت باقي المنشآت خسائر صافية بقيمة 1326 مليون دينار أي، إذا اعتبرنا مجمل هذه المنشآت،  تكون النتيجة خسارة صافية بقيمة 1156 مليون دينار (1326- 170). و قد ارجع التقرير هذه الخسائر إلى جملة من الأسباب أولها  تعطل الإنتاج نتيجة الإضرابات و الاعتصامات ببعض المنشآت على غرار شركة فسفاط قفصة و تعطل نقل الفسفاط من الحوض المنجمي  و تأخر استثمارات  الشركة الوطنية للسكك الحديدية. طبعا لم يتعرض التقرير إلى الدوافع الحقيقية للاحتجاجات الاجتماعية و لا أيضا لتدخل بعض اللوبيات لتعطيل نقل الفسفاط و تعطيل استثمارات شركة السكك الحديدية.

أما العامل الثاني فيتمثل حسب نفس التقرير في «  تأثير حجم الأجور حيث بلغت أعباء الأعوان لمجموع المنشآت العمومية سنة 2016 ما قيمته 2939 مليون دينار مسجلة ارتفاعا بنسبة 40 % مقارنة بسنة 2011  ……  و على سبيل الذكر لا الحصر عرفت كتلة الأجور سنة 2016 زيادات قياسية  مقارنة بسنة 2011 لكل من الشركة التونسية للكهرباء و الغاز  و المجمع الكيميائي التونسي بنسب متتالية 48 %  و 43،3 % »[3]. لا تخلو هذه الفقرة من العديد من المغالطات  من ذلك أن أي طالب  سنة أولى في اختصاص الاقتصاد يعرف جيدا أن احتساب نسبة نمو جملية )  (taux de croissance global بين سنتين متباعدتين لا معنى له  و أن الرصد الدقيق لتطور أي مؤشر اقتصادي يقتضي منهجيا الاعتماد على متوسط نسبة النمو السنوي (taux de croissance annuel moyen). على سبيل المثال ارتفع الناتج المحلي الخام في تونس من 63054 مليون دينار سنة 2010 إلى 73739 مليون دينار سنة 2019، إذا اعتبرنا نسبة النمو الجملية نستخلص أن الناتج المحلي قد ارتفع بنسبة 17 %  بين 2010 و 2019  أما إذا اعتمدنا  متوسط نسبة النمو فسنستخلص أن هذا الناتج قد سجل نموا سنويا في المتوسط بحوالي 1،8 % وهو ما يعطينا فكرة أدق على حركية الاقتصاد التونسي و قدرته على خلق و مراكمة الثروة. بالتالي،  اعتمادا على المعطيات الواردة في التقرير ارتفعت أعباء الأعوان لمجموع المنشآت من 2100 مليون دينار سنة 2011 إلى 2939 سنة 2016 و سجلت بذلك معدل نمو سنوي بنسبة 6،9 % وهي نسبة معقولة جدا بالنظر إلى المعدل السنوي لتطور الأسعار و نسب التضخم.

أما المغالطة الثانية فتتمثل في الخلط المقصود  بين أعباء الأعوان و حجم الأجور ذلك أن أعباء الأعوان تضم الأجور الخام (باعتبار الاداءات ) و الأعباء الاجتماعية  (التقاعد ، التأمين على المرض ….)  إلى جانب أعباء التكوين و التربصات و الأعباء العرضية (حوادث الشغل مثلا ) و كل المصاريف المرتبطة بنشاط الأعوان. و ليس هذا الخلط إلا محاولة لتجريم الأجور و تحميلها مسؤولية تدهور الوضعية المالية للمنشآت العمومية.   من ناحية أخرى، تتكون أعباء الاستغلال (أي كلفة الإنتاج) من جملة من العناصر ( الأجور،  كلفة المواد الأولية، أعباء التسيير،  الأعباء المالية ….) لذلك فان تأثير تطور أي عنصر على أعباء الاستغلال يرتبط بالوزن النسبي (النسبة المئوية) لهذا العنصر في مجموع الأعباء.  اعتمادا على المعطيات الواردة في تقرير وزارة المالية، مثلت أعباء الأعوان للفترة 2016-2018 في المتوسط 11% من جملة أعباء الاستغلال للمنشآت العمومية. لذلك فان ارتفاع حجم الأجور أو أعباء الأعوان لا يمكن أن يكون سببا في ارتفاع أعباء الاستغلال و بالتالي تدهور الوضعية المالية للمنشات العمومية.  و لمزيد من التدقيق اعتمدنا على المعطيات المتوفرة من خلال القوائم المالية للشركة التونسية للكهرباء[4] و الغاز و الخطوط الجوية التونسية[5] 

من خلال المعطيات، عرفت كتلة الأجور (أعباء الأعوان) بالنسبة للشركة التونسية للكهرباء و الغاز نسب نمو مرتفعة في بعض السنوات و يعود ذلك إلى تسوية وضعيات المتمتعين بالعفو التشريعي و العاملين في إطار عقود المناولة (2012)، الزيادات الدورية في الأجور (2016 ، 2019) و الانتدابات (تعويض المتقاعدين) و إعادة إدماج الأعوان المنتهية عقود  إلحاقهم في إطار التعاون الفني(2012 ، 2019). أما بالنسبة للخطوط الجوية، تعود نسب النمو الاستثنائية لأعباء الأجور في 2016 و 2017 إلى الزيادات الخصوصية و  ارتفاع عدد ساعات الطيران و الترفيع في مساهمة المشغل في الصناديق الاجتماعية. أما بالنسبة لكامل الفترة 2011 – 2019 فان أعباء الأجور سجلت نمو ا سنويا بمعدل 8،2 %  بالنسبة للشركة التونسية للكهرباء و الغاز و 6،04 % بالنسبة للخطوط التونسية. و إذا ما اعتبرنا أن الترفيع في عدد الأعوان و الترقيات و الأعباء الاجتماعية تستوعب سنويا حوالي 3 % من الزيادة في أعباء  الأجور  يكون متوسط الأجور قد سجل نموا سنويا بين 3 % و 5%   أي بنسق اقل من التضخم (حوالي 6 % سنويا).  من ناحية أخرى، مقارنة بالأعباء الجملية للاستغلال،  لم تمثل أعباء الأجور خلال كامل الفترة سوى 6،4 % بالنسبة لشركة الكهرباء و الغاز و 15،6 % بالنسبة للخطوط التونسية وهو ما يعني أن ارتفاع أعباء الأعوان، على الأقل بالنسبة لشركة الكهرباء و الغاز، لا يمكن أن يكون وراء تدهور الوضعية المالية.

لا يمكن أن ننفي طبعا انه في بعض الحالات الاستثنائية ، تحديدا شركتي فسفاط قفصة و المجمع الكيميائي، شكل ارتفاع كتلة الأجور احد الأسباب الرئيسية لتدهور الوضعية المالية. لكن يجب أن ندقق هنا أن ارتفاع عدد الأعوان المحسوبين على الشركتين خاصة في 2011 و 2012 لم يكن نتيجة انتدابات صلب هاتين الشركتين بل في ارتباط بالشركات الوهمية (شركات البيئة مثلا) التي سعت من خلالها الحكومات المتعاقبة إلى شراء السلم الاجتماعي في الحوض المنجمي على كاهل شركتي فسفاط قفصة و المجمع الكيميائي[6].   

من خلال المعطيات الواردة في تقرير وزارة المالية يتبين الارتفاع المشط للأعباء المالية، أي الفوائد الموظفة على القروض، لأغلب المنشآت العمومية. بين سنتي 2016 و 2018 ارتفع مجموع هذه الأعباء لـ 12 منشأة عمومية [7]  من 949 مليون دينار إلى 2223 مليون دينار (زيادة بحوالي 134 %) و قد تضرر من هذا الارتفاع خاصة المجمع الكيميائي و مصنع التبغ بالقيروان و الشركة التونسية لصناعات التكرير و الشركة التونسية للكهرباء و الغاز. و لئن أشار تقرير وزارة المالية إلى هذا الارتفاع كأحد العوامل المتسببة في تدهور الوضعية المالية للمنشآت العمومية إلا انه اكتفى بمجرد الإشارة دون الوقوف عند الدوافع الحقيقية الكامنة وراء الارتفاع المشط للأعباء المالية.

في كتابه « من يمتلك العالم» تحدث نعوم تشو مسكي عن “الوصفة السحرية للخوصصة” و قد أشار إلى أن « الطريقة المثالية لخوصصة القطاع العمومي تعتمد أولا قطع التمويل المالي لهذه المؤسسات ثم يتم تعيين مسؤولين إما عديمي الكفاءة  أو فاسدين فتتعثر الخدمات و الوضعيات المالية لهذه المؤسسات فيتذمر المواطنون ثم تقوم الجهات الرسمية بشيطنة المؤسسة و تُلوّح بخوصصتها فتجد الرأي العام مستعدا لهذا»[8]. هذه هي الوصفة المتبعة إلى حد ما من طرف الحكومات المتعاقبة في علاقة بالمؤسسات العمومية و يبرز ذلك على الأقل من خلال التقارير السنوية للبنك المركزي التي تشير إلى صعوبة نفاذ المنشآت العمومية إلى التمويل لدى البنوك المحلية. 

خلال الفترة 2008-2019 لم تنتفع المنشآت العمومية إلا بحوالي 9 % من القروض البنكية الموجهة للمؤسسات في حين استأثر القطاع الخاص بأكثر من 90 % ( في سنة  2019 أكثر من  50 % استفردت بها 5 مجموعات كبرى  أو بالأحرى 5 عائلات). أمام صعوبة النفاذ إلى القروض البنكية تصبح المنشآت العمومية عاجزة عن تمويل استثماراتها و تطوير نشاطها.  

منذ سنة 2014  و بتوصية من  الكومسيون المالي الجديد المتمثل في  ” لجنة قيادة الدراسات الإستراتيجية و إعادة بناء و تنمية الاقتصاد التونسي” المحدثة صلب البنك المركزي[9] تم دفع المؤسسات العمومية إلى اللجوء إلى الاقتراض الخارجي بضمان الدولة التونسية و بالعملة الأجنبية و أساسا باليورو  لدى ” البنك الأوروبي لإعادة الأعمار و التنمية ” مع تحميلها مخاطر الصرف. لذلك ارتفعت الديون الخارجية للمنشآت العمومية من 877 مليون دينار سنة 2016 إلى 1761 مليون دينار في حدود جوان 2019 ( 75 % من هذه القروض بالأورو)[10] . في نفس الفترة،  عرف الدينار انهيارا حادا حيث خسر أكثر من  43 % من قيمته أي أن كل القروض التي تحصلت عليها هذه المؤسسات في هذه المدة ارتفعت قيمتها بنفس نسبة انهيار الدينار مما أغرقها في تكاليف مديونية مجحفة و أثر بشكل واضح على نتائجها المالية. للوقوف على خطورة هذا التمشي نستعرض في ما يلي المعطيات الخاصة بالشركة التونسية للكهرباء و الغاز.  

بين 2011 و 2018 ارتفعت الأعباء المالية للشركة التونسية للكهرباء و الغاز من 160 مليون دينار إلى 1543 مليون دينار (أي تقريبا عشرة أضعاف) مما ساهم بشكل واضح في تدهور الوضعية المالية للشركة و تكبدها لخسائر متفاقمة. إذا اعتبرنا كامل الفترة، بلغت الخسائر المالية للشركة في المتوسط 511 مليون دينار سنويا في الوقت الذي تحملت نفس الشركة أعباء مالية، أي فوائد على القروض، ما قدره في المتوسط 586 مليون دينار (111 % من الخسائر).

 مثل هذه المعطيات، و بشكل عام تضخم الأعباء المالية للمنشآت العمومية ، تبين بشكل واضح أن تدهور الوضعيات المالية و تفاقم خسائر هذه المنشآت ليست قضاء و قدرا  بل نتيجة مباشرة لسياسة ممنهجة. فمن ناحية يقع التقليص في إمكانيات التمويل لدى البنوك المحلية، و من ناحية أخرى ، خدمة للمصالح الأجنبية، يقع دفع هذه المنشآت للتداين الخارجي مع تحميلها مخاطر الصرف أي الكلفة الإضافية الناجمة عن تدهور قيمة الدينار. في المقابل، يسجل الدينار انهيارا  واضحا في قيمته مقارنة بالعملات الأجنبية ( الاورو خاصة) نتيجة لتفاقم العجز التجاري و سياسة البنك المركزي “المستقل” المتناغمة مع املاءات صندوق النقد الدولي و مصالح الشركات الأجنبية[11]. هذا التدهور السريع لقيمة الدينار يثقل كاهل المنشآت العمومية بأعباء أضافية و يعمق خسائرها و يجعلها عاجزة تماما عن تطوير أنشطتها و تحسين خدماتها.

في الواقع لم يشكل الدفع نحو التداين الخارجي الآلية الوحيدة لتدمير المنشآت العمومية بل تنوعت الآليات بتنوع المنشآت و تعددها. على سبيل الذكر لا الحصر نتوقف هنا عند مثالين في علاقة بالشركة التونسية للكهرباء و الغاز.

بتاريخ 10 جوان 1999 ، و اعتمادا على القانون عدد 27- 96  المؤرخ في 1 أفريل 1996 و الذي أنهى احتكار الدولة للخدمات العمومية، تم إحداث شركة قرطاج باور(Carthage Power Company)  كفرع للشركة الأمريكيةAmerican General Electric Company   المتخصصة في إنتاج الكهرباء. إحداث هذه الشركة سبقه  إمضاء عقد في إطار ” الشراكة بين القطاع العام و القطاع الخاص” (24 مارس 1999 ) بين الشركة الأم و  وزارة الصناعة يقضي بان تتكفل شركة الكهرباء و الغاز بتزويد قرطاج باور بحاجياتها من الغاز الطبيعي و شراء ما تنتجه هذه الأخيرة من كهرباء. هذا العقد الذي دخل حيز التطبيق بداية من  2002  كان مجحفا للغاية حيث يلزم شركة الكهرباء ببيع الغاز لقرطاج باور بسعر تفاضلي ( أي اقل من السعر الذي تبيع به لباقي المؤسسات) كما يلزمها بشراء كامل إنتاج قرطاج باور من الكهرباء حتى خارج أوقات الذروة ( أي حتى ما يزيد عن حاجتها) و بسعر أعلى من كلفة  إنتاجها للكهرباء.  خلال الفترة 2002 -2019 مثلت مشتريات قرطاج باور من الغاز 13 % من جملة مبيعات شركة الكهرباء  كما مثلت مبيعات قرطاج باور من الكهرباء 20 % من جملة الكهرباء الموزعة في تونس. هذا يعني أن شركة الكهرباء و الغاز أجبرت على بيع 13 % من الغاز الذي تنتجه بسعر اقل من السعر المعتمد و شراء 20 % من الكهرباء الذي توزعه بكلفة أعلى من كلفة إنتاجها.

في أكتوبر 2006 تم إحداث “ستاغ الدولية”STEG International Services  كفرع دولي للشركة التونسية للكهرباء و الغاز . و قد عرف نشاط “ستاغ الدولية” تطورا  ملحوظا حيث تقدم خدماتها في أكثر من 23 دولة افريقية و  ارتفع رقم معاملاتها من 3،2  مليون دينار سنة 2006 إلى 111 مليون دينار سنة 2018 التي حققت فيها أرباحا صافية بلغت 8،8 مليون دينار. كان من الممكن أن يكون هذا الفرع الدولي سندا للشركة الأم بما يؤمنه من أرباح و خاصة من مداخيل من العملة الصعبة تجعلها في غنى عن التداين الخارجي. لكن سنوات بعد إحداثه، تم فتح رأسماله أمام الخواص من بنوك (15 %) و مكاتب دراسات (35 %). هذا التمشي بالإضافة إلى انه يؤمن لبعض اللوبيات أرباحا متأتية أساسا من خبرة طويلة لمنشاة عمومية و اعتمادا على كفاءة إطاراتها  فانه يحرم هذه المنشأة من مداخيل قد تساهم إلى حد كبير في تحسين أوضاعها المالية.

عموما تكتفي التقارير الرسمية و الخطاب الليبرالي عموما بتقديم الأرقام الصادمة حول الأوضاع المالية  للمنشآت العمومية دون الوقوف عند الأسباب الحقيقية و السياسات التي أدت إلى إفلاسها و تردي خدماتها. هذا التمشي ليس في الحقيقة إلا مقدمة لشيطنة هذه المؤسسات (و القطاع العام عموما) التي أصبحت” تعاني من صعوبات مالية كبرى و تثقل كاهل المالية العمومية و بالتالي أصبح التفويت فيها أمرا ضروريا “. لذلك ليس من قبيل الصدفة أن يركز الخطاب المنادي بالخوصصة على حجم الدعم الذي تتمتع به المنشآت العمومية و مديونيتها تجاه الدولة . تركيز لا يخلو بدوره من المغالطات.

حسب معطيات تقرير وزارة المالية ارتفع دعم الدولة للمنشآت العمومية من 2000 مليون دينار سنة 2016 إلى 5139 مليون دينار سنة 2018.  هذا الرقم الذي تتداوله المنابر الإعلامية يبدو صادما خاصة عندما يقدم هذا الدعم كسبب رئيسي لعجز الدولة عن الاستثمار و التشغيل و….في الحقيقة و لئن كانت المبالغ مرتفعة نسبيا، فانه و من حيث المبدأ، و على اعتبار أن هذه المنشآت العمومية ” ملك للدولة” فان دعمها عن طريق الميزانية يعد أمرا عاديا.  لكن، ما هو غير عادي ، و ما يتناساه دعاة الخوصصة أن هذا الدعم يوجه في الكثير من الأحيان للتغطية على الفساد و سوء التصرف البيروقراطي. على سبيل المثال لم تكن التحويلات التي أسندت للبنوك العمومية (تحت مسمى إعادة الرسملة) سوى تسديدا للديون التي نهبتها اللوبيات و العائلات النافذة. من ناحية أخرى، ما يكشف أكثر زيف خطاب الخوصصة و الخطاب الليبرالي عموما انه في الوقت الذي يشيطن فيه هذا الخطاب دعم الدولة للمنشآت العمومية  يتغاضى عما تخصصه الدولة سنويا (على حساب دافعي الضرائب) من دعم للمؤسسات الخاصة (ما يسمى بمنح الاستثمار) هذا الدعم الذي بلغ في العشر سنوات الأخيرة معدلا سنويا بـ 2800 مليون دينار. بلغة أخرى ما يحلل على المؤسسات الخاصة يحرم على المؤسسات العمومية.

مديونية المؤسسات العمومية تجاه الدولة بلغت 3368 مليون دينار سنة 2019 !! رقم أخر مفزع  تتداوله وسائل الإعلام و يجتهد “الخبراء” في جعله سببا رئيسيا لعجز الميزانية و سببا كافيا للتفويت في هذه المؤسسات. لكن في الوقت نفسه تبين أرقام وزارة المالية أن مستحقات المنشآت العمومية لدى الدولة بلغت 6248 مليون دينار في نفس السنة[12]. هذا يعني أن للمنشآت العمومية مستحقات صافية لدى الدولة بحوالي 3000 مليون دينار. و تخص هذه المستحقات الأعباء الاجتماعية (الصناديق الاجتماعية) و مستحقات بعنوان خدمات مقدمة للدولة (كهرباء، ماء، نقل، أشغال….). هذا يعني أن بيروقراطية الدولة بسوء تصرفها و خياراتها هي احد الأسباب الرئيسية لتدهور الأوضاع المالية للمنشآت العمومية.          

  • مغالطات خطاب الخوصصة

يستند الخطاب حول الخوصصة إلى جملة من المبررات أولها العجز المتفاقم لميزانية الدولة. لذلك يصبح التفويت في المنشآت العمومية ضروريا للضغط على عجز الميزانية و تلافي اللجوء إلى التداين. إلا أن هذا التبرير يحجب العديد من المغالطات أولها أن عجز الميزانية العمومية لا يمكن ربطه آليا بالصعوبات المالية للمنشآت العمومية (ولا أيضا بكتلة الأجور أو بنفقات الدعم) بل يرتبط أساسا بالتداين المجحف و التهرب الضريبي و الفساد و سياسة الامتيازات و الإعفاءات الجبائية التي تمنح تحت غطاء تشجيع الاستثمار. من ناحية أخرى، رغم العدد الكبير نسبيا للمؤسسات التي تمت خوصصتها،  438 مؤسسة بين 1987 و 2018 ،فان العائدات التي قاربت 6400 مليون دينار خلال نفس الفترة  لم تتجاوز نسبة 1,6 % من الموارد الجبائية و 1 % من الموارد الغير الجبائية و 0,6 % من مجمل الموارد الذاتية للدولة و لم تغطي لنفس الفترة سوى 6,6 % من خدمة الدين و 11 % من عجز الميزانية. لهذا لم تمكن هذه العائدات لا من التحكم في عجز الميزانية العمومية و لا أيضا من الحد من المديونية التي ارتفعت نسبتها في الناتج المحلي من 57 % سنة 1986 الى اكثر من 64 % سنة 2016. ذلك أن عمليات الخوصصة و لئن مكنت في بعض السنوات من انتعاشة ظرفية فإنها حرمت ميزانية الدولة من موارد ذاتية قارة، فالمؤسسات التي تمت خوصصتها كانت، على عكس ما يروج له الخطاب الرسمي، في أغلبها مؤسسات رابحة و هنا تكمن المغالطة الثانية.

ينطلق خطاب الخوصصة (و الخطاب الليبرالي عموما) من فرضية أن المؤسسات العمومية غير مجدية و تعيش صعوبات مالية لأنها عمومية. هنا يجب  أولا أن نفرق بين صنفين من المؤسسات العمومية،  الصنف الأول يتمثل في المؤسسات ذات الطابع الخدماتي الاجتماعي ) المؤسسات الصحية، المؤسسات التعليمية… ( التي لا يمكن التعامل معها بمنطق الربح و من الضروري أذن أن تتحمل الدولة تكاليفها المالية. أما الصنف الثاني فيشمل المؤسسات ذات الطابع الاقتصادي و هي مؤسسات يمكن إن تكون رابحة و ذات جدوى و قدرة تنافسية عالية. ذلك أن الجدوى الاقتصادية والمالية غير مرتبطة بالملكية بل بأساليب و طرق التصرف. فطرق التصرف العلمي يمكن تطبيقها في أية مؤسسة بقطع النظر عن طبيعة ملكيتها إن كانت خاصة أو عمومية. و للتأكيد، فان المؤسسات التي تمت خوصصتها إلى حد الآن كانت في أغلبها (إن لم نقل كلها) مؤسسات رابحة. لا أحد يمكن أن يشك في الأرباح الهائلة التي كانت تحققها مثلا اتصالات تونس  أو بنك الجنوب أو شركة النقل لتوريد السيارات أو شركات الاسمنت التي كانت مصنفة من بين أفضل 12 شركة في العالم في صناعة الاسمنت.  و لئن كانت بعض المؤسسات تعيش صعوبات مالية فليس لأنها عمومية بل لان التسلط البيروقراطي و الفساد و سوء التصرف هو الذي يحكمها. بل أكثر من هذا فان العديد من المؤسسات، كما بينا آنفا،  يقع اليوم دفعها عمدا نحو الإفلاس لتبرير خوصصتها. لذلك يمكن  أن نستنتج أن الحل لا يكمن في خوصصة المؤسسات العمومية  بل في مقاومة  الفساد المتحكم فيها و إخضاعها إلى طرق تصرف علمية وآليات تسيير ديمقراطي من شانها أن تجعل منها مؤسسات ذات جدوى اقتصادية عالية قادرة على توفير موارد قارة لخزينة الدولة.

أما المبرر الثالث الذي يقدمه المدافعون عن الخوصصة  فيتمثل في مساهمة هذه الأخيرة في دفع التنمية الاقتصادية و الاجتماعية عبر تحسين مردودية الشركات المخوصصة و الترفيع في حجم الاستثمار و خلق مواطن شغل. من المؤكد أن الاستثمار يشكل احد العوامل الرئيسية للتنمية، إلا أن الخوصصة ، بما هي نقل للملكية (من العام إلى الخاص) فهي فقط تحول جزءا من الاستثمار العمومي إلى استثمار خاص و لا تؤدي ضرورة  إلى الترفيع في حجم الاستثمار الجملي.

 أما بخصوص المردودية (التي يوازيها البعض خطأ بالربح المالي) فمن المنطقي جدا أن ترتفع أرباح الشركات بعد خوصصتها و لكن يجب أن لا ننسى أن هذه الأرباح هي أرباح فردية  و أن الترفيع في أرباح  المؤسسات المخوصصة يمر عادة عبر الترفيع في الأسعار و الضغط على الأجور و التنقيص في حجم المشتغلين. بهذا المعنى تصبح الخوصصة  خوصصة للأرباح و مشركة للفقر و البطالة. حتى صندوق النقد الدولي نفسه اقر في دراسة صادرة سنة 2002 ان ” الخوصصة هي احد أهم الأمثلة على الإصلاحات الهيكلية التي يمكن أن تكون لها انعكاسات اجتماعية ضارة  على الأقل في المدى القصير، فهي تؤدي إلى فقدان مواطن الشغل و تدهور ظروف العمل“.  

في تونس لم تقم أية حكومة بدراسة تقييمية جدية و موضوعية حول المؤسسات التي تم التفويت فيها و انعكاسات الخوصصة على الاستثمار و التشغيل (وهو موضع تساؤل) و لكن من المعلوم أن كل عمليات الخوصصة رافقتها عمليات تسريح كبرى للعمال. في سنة 2001  قامت وزارة التنمية الاقتصادية بمسح شمل 34 مؤسسة وقع التفويت فيها و تشير المعطيات إلى فقدان 16192 موطن شغل كما تشير معطيات أخرى  إلى أن الخوصصة أدت إلى فقدان مواطن شغل بمعدل 10 آلاف سنویا بین 2002 و 2004 . عموما يمكن أن نستند إلى ارتفاع معدلات البطالة حتى نفهم أن الخوصصة حتى و أن لم تساهم في تعميق البطالة فمن المؤكد أنها لم تساهم في التخفيف من حدتها.

المبرر الأخير ،  وهو ذو طابع إيديولوجي،  يعتبر أن تدخل الدولة معيق للنمو الاقتصادي و لهذا لا بد من انسحابها لفائدة آليات السوق لضمان الجدوى الاقتصادية. إلا أن التجارب التاريخية تبين عكس ما تذهب إليه النظريات الليبرالية. فالدولة (الرأسمالية) كانت دائما تدخلية و يعود ذلك إلى تناقضات عملية التراكم ذاتها التي تستدعي ذلك التدخل و ما يختلف من مرحلة إلى أخرى هو شكل ومدى و أسباب التدخل الذي تمارسه الدولة في النشاط الاقتصادي و المستفيدين و المتضررين منه و ابرز مثال على ذلك تدخل الدولة في أوروبا و أمريكا لإنقاذ المؤسسات المالية الخاصة خلال أزمة 2008 . من ناحية أخرى، حيث ما حققت بعض البلدان نجاحات كان ذلك أساسا بالاعتماد على تدخل نشيط للغاية من طرف الدولة. وينطبق هذا على البلدان التي كانت، إلى وقت قريب، تعتبر نماذج ناجحة مثل كوريا الجنوبية، تايوان، ماليزيا، تايلاند، البرازيل و المكسيك. في تونس مثلا مازالت الدولة تحتفظ بدورها، فالضغط على الأجور و تنقيح مجلة الشغل و التضييق على العمل النقابي و تفكيك المعاليم الجمركية و الحوافز المالية والإعفاءات الجبائية و تحرير التجارة و خوصصة المؤسسات العمومية وغيرها ليست إلا أشكالا متعددة لتدخل الدولة و لكن لمصلحة الرأسمال العالمي و الكمبرادور الطفيلي.  إن قضية تدخل الدولة من عدم تدخلها قضية مغلوطة إذ لا وجود لاقتصاد (رأسمالي) بدون دولة بل إن تدخل الدولة هو احد شروط وجودها. لذلك فان النقاش يجب أن يكون  حول  آليات و أشكال و أهداف هذا التدخل و طابعه الاجتماعي/الطبقي أي المستفيدين منه.

  1. الدوافع الحقيقية لسياسات الخوصصة.

لا يمكن فهم سياسات الخوصصة و الدوافع الحقيقية التي تقف ورائها بمعزل عن السياق العام الذي أنتجها و تحديدا الأزمة العميقة التي يعيشها الرأسمال العالمي منذ بداية ثمانينات القرن الماضي و ما أفرزته من هيمنة للسياسات النيوليبرالية  وبرامج الإصلاح الهيكلي بما هي الجزء (من هذه السياسات) الموجه لبلدان الجنوب. في الواقع لم تقتصر هذه الأزمة على فوائض الإنتاج بل تمظهرت أيضا في أزمة تراكم وهو ما يعني انحسار مجالات الاستثمار أمام الرأسمال الاحتكاري العالمي ونزعة واضحة لمعدلات الإرباح نحو الانحدار. لذلك لتجاوز هذه الأزمة أو على الأقل للتخفيف من حدتها كان لا بد من فتح أسواق جديد لتصريف البضائع المتكدسة وإيجاد مجالات جديدة  للاستثمار و مراكمة الإرباح. من هذا المنطلق فقد تمحورت السياسات النيوليبرالية و برامج الإصلاح الهيكلي المملات من طرف المؤسسات المالية العالمية (صندوق النقد و البنك العالمي) حول ركيزتين أساسيتين: تحرير المبادلات التجارية و تحرير الاستثمار و حركة رؤوس الأموال.

إلا أن تحرير الاستثمار و حركة رؤوس الأموال و إن كان شرطا ضروريا لم يكن كافيا لفتح مجالات استثمار جديدة أمام الشركات المتعددة الجنسيات. ذلك أن الأزمة بطابعها العالمي لم تستثني بلدان الجنوب ذات الاقتصاديات الهشة التي تضيق فيها موضوعيا إمكانيات الاستثمار. لذلك لم يكن أمام المؤسسات المالية من خيار سوى الاستيلاء على المجالات التي تتحكم فيها الدولة عبر خوصصة المؤسسات العمومية. أي أن الخوصصة، كأحد ركائز برامج الإصلاح الهيكلي، لم تكن كما سوق لها صندوق النقد الدولي بدافع إنقاذ هذه البلدان و مساعدتها على تلافي التداين المجحف و تطوير اقتصادياتها بل تحديدا بدافع فتح مجالات جديدة أمام الشركات المتعددة الجنسيات التي كانت المستفيد الرئيسي من عمليات التفويت في المؤسسات العمومية.

في تونس تفيد المعطيات الإحصائية المتوفرة أن الرأسمال الأجنبي كان المستفيد الرئيسي من عمليات الخوصصة. خلال الفترة 1986 -2010  مثلت حصة الرأسمال الأجنبي حوالي 75 %  من عمليات الخوصصة و إذا ما اقتصرنا على المؤسسات التي تجاوز سعر التفويت فيها 10 مليون دينار فان هذه النسبة ترتفع إلى حوالي 95 %. و يحتل الرأسمال الأوروبي مرتبة الصدارة بحوالي 43 %. على سبيل المثال حصلت شركة secil البرتغالية على مصنع الاسمنت بقابس  و شركة umpor البرتغالية على اسمنت جبل الوسط  و شركة  unilandالاسبانية على اسمنت النفيضة  كما حصلت شركة colacem الايطالية على الاسمنت الصناعي التونسي و شركة  eranaxالسويسرية على شركة المرافق في الصحراء.  و تجدر الإشارة هنا إلى أن هذه الشركات الأجنبية تتمتع، بمقتضى قانون أفريل 1972 ، بحرية تحويل كامل ارباحها الى الخارج مما تسبب في مزيد استنزاف رصيد العملة الأجنبية و مزيد دفع قيمة الدينار نحو التدهور.

لئن مكنت الخوصصة من فتح مجالات جديدة للاستثمار و المضاربة إلا أن الرأسمال العالمي و الكمبرادور الطفيلي المرتهن به لن يقبلا الاستثمار إلا بشرط ضمان الحد الأدنى من الربح عبر الضغط على كلفة الإنتاج التي تمثل الأجور أحد أهم عناصرها.  لذلك تضمنت برامج الإصلاح الهيكلي جملة من الإجراءات التي تهدف إلى الضغط على هذه الكلفة مثل الإعفاءات الجبائية و منح الاستثمار و التخفيض في قيمة العملة و على وجه الخصوص الضغط المتواصل على الأجور في القطاع العام.

يعتبر صندوق النقد الدولي أن أجور القطاع العام تشكل مرجعية لأجور القطاع الخاص (وهى مقاربة صحيحة).  هذا يعني أنه كل ما ارتفعت الأجور في القطاع العام إلا و ارتفعت بالضرورة الأجور في القطاع الخاص. أي، قياسا، إذا أردنا الضغط على الأجور في القطاع الخاص و المحافظة على مستوياتها المتدنية لا بد من تجميد الأجور في القطاع العام.   إلا أن هذه الآلية تبقى محدودة ( من وجهة نظر الرأسمال العالمي و المؤسسات المالية العالمية) فمثل هذا التجميد قد يجابه باحتجاجات من طرف الموظفين و المشتغلين في القطاع العام كما أن  وظيفة الدولة “كضامن للسلم الاجتماعي” قد تمنعها من الضغط على هذه الأجور إلى الحدود التي يرتضيها الرأسمال العالمي اللاهث وراء الربح الأقصى. لذلك فان الحل الأمثل يكمن في التخلص من الدور التعديلي للدولة عبر خوصصة المؤسسات العمومية.

إذا كانت الدولة عبر المؤسسات العمومية تساهم في خلق الثروة و مواطن الشغل و تؤمن جزءا من الحاجيات للمواطنين و موارد مالية قارة للخزينة فإنها أيضا تلعب دورا تعديليا هاما في علاقة بتحديد مستويات الأجور.  في تونس مثلا يشغل القطاع العام (وظيفة عمومية و مؤسسات عمومية) حوالي 850000 شخص أي أن مساهمة الدولة في التشغيل ترتفع إلى حدود 22 %  وهو ما يؤهلها للعب دور رئيسي في تحديد المستوى العام للأجور. من هذا المنطلق فان احد الأهداف الرئيسية للخوصصة يتمثل في إزاحة الدولة من دائرة التشغيل و بذلك يصبح تحديد الأجور خاضعا تماما لآلية السوق أي في الحقيقة لمصالح رأس المال و منطق الربح الأقصى. هذا بالإضافة أن إقالة الدولة و التقليص من قدرتها التشغيلية سيعمق واقع البطالة و يخلق “جيشا احتياطيا” يتمكن من خلاله رأس المال من تحويل البطالة إلى آلية للضغط المتواصل على الأجور.

أما الهدف الثالث لسياسات الخوصصة فيتمثل في تفكيك الدولة و تجريدها من قدرتها على التدخل و تعميق ارتهانها باملاءات المؤسسات المالية العالمية. فقدرة الدولة على التدخل من ناحية و البقاء خارج دائرة التداين المجحف من ناحية أخرى مرتبطة بقدرتها الذاتية على تجميع الموارد. وكما اشرنا سابقا فان احد الانعكاسات المباشرة للتفويت في المؤسسات العمومية يتمثل في حرمان الدولة من موارد ذاتية قارة و إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الإجراءات الأخرى الواردة في وصفات الإصلاح الهيكلي مثل الإعفاءات الجبائية و التفكيك التدريجي للمعاليم الديوانية فان ذلك سيؤدي إلى تراجع الموارد الذاتية للدولة و يجعلها عاجزة عن مجابهة نفقاتها. أمام هذا الوضع لن تجد الدولة من حل سوى اللجوء المتزايد للتداين و هو ما يعني رضوخا متزايدا لاملاءات المؤسسات المالية العالمية. من ناحية أخرى يثقل التداين كاهل الميزانية (خاصة مع تدهور قيمة العملة الوطنية و انعكاساتها على خدمة الدين) و يجبر الدولة على الضغط على نفقاتها الاقتصادية و الاجتماعية مما يؤدي إلى تدهور هذه الخدمات و يفتح المجال أمام خوصصتها. من هنا يمكن أن نتبين أن خوصصة المنشآت العمومية ليست إلا فاتحة لمسار سينتهي إلى خوصصة الخدمات الاجتماعية و ربما خوصصة الدولة في حد ذاتها.

  • ملاحظات ختامية

مما لا شك فيه أن المنشآت العمومية و القطاع العمومي ككل يعيش أزمة خانقة نتيجة للفساد و سوء التصرف و التسلط البيروقراطي الذي يحكمه. هذه الأزمة، بما هي أيضا نتاج للخيارات السياسية السائدة،  ليست إلا جزء من أزمة اقتصادية و اجتماعية شاملة. مؤشرات الأزمة تبرز في الأوضاع المالية الكارثية التي تعيشها أغلب المنشآت العمومية و لكن أيضا في تردي الخدمات الذي أصبح ذريعة لتبرير سياسات الخوصة.

 من المؤكد أن التفويت في المنشآت العمومية قد يرفع في أرباحها و لكنه في نفس الوقت سيحولها إلى أرباح خاصة  على حساب الضغط على الأجور و التقليص من مواطن الشغل و الترفيع في الأسعار. قد تؤدي الخوصصة إلى خدمات أكثر جودة و لكن، في نفس الوقت،  ستخضعها لمنطق السوق أي لمنطق الربح الأقصى بشكل يحرم شرائح واسعة و يجعلها خارج دوائر الاستهلاك. بالنسبة لهذه الشرائح لا تعني الخوصصة شيئا سوى الحرمان(la privatisation c’est la privation) و ستتدهور أوضاعها أكثر. من هذا المنطلق يجب التصدي لسياسات الخوصصة  و لكن بأية رؤية ؟

 القطاع العام  أو المؤسسات العمومية هي “ملك للدولة” أي أنها في واقع الأمر “ملك للطبقات الحاكمة” ذلك أن الدولة ليست إلا الأداة التي تمارس من خلالها هذه الطبقات سلطتها.  لذلك فان النقاش أو الصراع  حول القطاع العام و الخوصصة، الذي بدأ يبرز من سبعينات القرن الماضي، هو في جزء منه صراع  داخل التحالف الطبقي الحاكم. من جهة، يدفع الكمبرادور الصناعي و المصرفي نحو الخوصصة حتى يفتح لنفسه مجالات أوسع للاستثمار و المضاربة و لكن أيضا و الأهم لإضعاف البيروقراطية الكمبرادورية كشرط للارتباط المباشر (دون وسيط)  بالرأسمال الاحتكاري العالمي. في المقابل تتمسك البيروقراطية، الإدارية و النقابية، بالقطاع العام دفاعا عن موقعها و حفاظا على قاعدتها الاجتماعية و حتى تواصل لعب دور الوسيط مع الرأسمال العالمي. هذا حتى و إن رفعت شعارات الدفاع عن الشغالين و المرفق العام و مصالح الشرائح المهمشة و الفقيرة.

إذا كان الدفاع عن الخوصصة يعني انحيازا  للكمبرادور الصناعي و المصرفي  فان الدفاع عن القطاع العام، هكذا في المطلق و بما هو عليه الآن و دون أية رؤية مغايرة يجعلنا موضوعيا في صف البيروقراطية.

لذلك فان التصدي لسياسات الخوصصة و الدفاع عن القطاع العام أو المرفق العمومي يجب أن يتنزل في إطار رؤية شاملة تهدف إلى جعل المنشآت العمومية منشآت ذات جدوى و قادرة على دفع عملية التراكم الداخلي بعيدا عن الارتهان بالرأسمال العالمي و  قادرة على  تأمين خدمات لائقة لعموم التونسيين. هذا يتطلب إخضاعها إلى طرق تصرف علمية وآليات تسيير ديمقراطي و ذلك عبر ضمان المشاركة الفعلية للتونسيين في  تسييرها و الإشراف عليها.  


[1] : قانون عدد 89/9 المؤرخ في 1 فيفري 1989

[2] :   Salah Hamzaoui « Champ politique et syndicalisme en Tunisie » Annuaire de l’Afrique du Nord, tome XXXVIII, 1999, CNRS ÉDITIONS

[3] : وزارة المالية، مشروع قانون المالية لسنة 2020، التقرير حول المنشآت العمومية، ملحق 09.   http://www.finances.gov.tn/sites/default/files/2020-05/annexe_n_09_01_1.pdf

[4] : الشركة التونسية للكهرباء و الغاز.  التقارير السنوية     https://www.steg.com.tn/fr/institutionnel/publications.html

[5] : الخطوط الجوية التونسية، التقرير السنوية.        http://www.bvmt.com.tn/fr/documents/67/18/list

[6] : راجع مقال حسين الرحيلي في نفس العدد

[7] : هذه المنشآت هي:  فسفاط قفصة، المجمع الكيميائي، الشركة التونسية للانشطة البترولية، الشركة التونسية لصناعات التكرير، الشركة االتونسية لتوزيع البترول، الشركة التونسية للكهرباء و الغاز، مصنع التبغ بالقيروان، الوكالة التونسية للتبغ و الوقيد، الشركة التونسية لصناعة الحديد (الفولاذ)، شركة عجين الحلفاء و الورق، ديوان الحبوب، ديوان الزيت.

[8] : نعوم تشومسكي  « من يمتلك العالم» ترجمة اسعد حسين، دار نينوي – دمشق  2014

[9] : لجنة قيادة الدراسات الإستراتيجية و إعادة بناء و تنمية الاقتصاد التونسي،  أحدثت في صلب البنك المركزي سنة 2014،  إلى جانب الحكومة و البنك المركزي تضم هذه اللجنة : السفير الفرنسي في تونس، ممثل عن الإدارة العامة للخزانة الفرنسية، ممثلين عن الاتحاد الأوروبي، ممثلين عن المنظمة الأوروبيةEuromed  ، ممثلين عن مشروع FEMISE الاورومتوسطي و ممثلين عن المؤسسة الفكرية الدولية  IACE

[10] : Ministère des Finances «  Rapport sur la dette publique » http://www.finances.gov.tn/sites/default/files/2020-05/rapport-de-la%20dette-15-mai%202020.pdf  

[11] : مصطفى الجويلي ” لماذا يدفع صندوق النقد الدولي نحو التخفيض من قيمة الدينار”موقع نواة، 27 افريل 2017 ،

[12] : وزارة المالية ” مستحقات و مديونية المنشات العمومية تجاه الدولة”  جوان 2020

 . http://www.finances.gov.tn/fr/node/2180

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s