من الصراع في المنطقة إلى الصراع على المنطقة…!!

نُشر هذا المقال في العدد 16 من مجلة الهدف الفلسطينية

أكرم عطا الله كاتب فلسطيني

هل انتهى الاضطراب والخراب في الإقليم؟ بعد أشهر سيحيي الحطام العربي ذكرى عشر سنوات على عود الثقاب الذي أشعل المنطقة؛ بدأ بتونس ليمتد لهيبه إلى دول عربية ويترك رماد العواصم أمام صدمة أجيال لم تحلم في أسوأ كوابيسها أن ما يحدث سيحدث.

ما من شك بأن إسرائيل خرجت من الأمر رابحة، وانشغل العرب بالاختلاف على التسمية ربيع عربي أم مؤامرة؟ وما بين خلاف اللغة كان اصطفافاً يعكس مصطلحاتها بحجم الدم الذي سال، ضعفت الدول العربية بعضها تحطم وبعضها تملّكه الذعر، من انتقال عدوى الدم لينكفئ على ذاته في محاولة لتحصين الداخل، هذا كان وضع العرب، وما أن شارفنا على النهاية حتى تكون الصورة شديدة الصعوبة؛ إذ أحدثت تغييراً هائلاً في البيئة الإقليمية في صالح إسرائيل من مجموع عربي شبه معادي، إلى بيئة صديقة أو على الأقل جزء منها محايد في أحسن حالاته.

صراع بين العرب على السلطة، وكأنه يكمل تراث امتد لمئات الأعوام بطابع وطني أو ديني؛ واذ لم يوجد يجري استدعاء الطابع المذهبي، المهم أن كل شيء انفجر وفجر معه الكثير من القيم والثوابت التي كانت تحكم المنطقة، انشغل العرب بأنفسهم وبأحقادهم الموروثة وجشع السلطة.

لسنوات لم تهدأ المعارك ولم يتوقف نهر الدم، وانشغل العالم أول الأمر يبحث الصراع الدائر وخوفاً من انتقاله لدول قريبة من ساحل المتوسط، كان الجميع يراقب من بعيد تاركاً للعرب أن يصفوا حساباتهم. كل الدول كانت تحسب بهدوء تنتظر حتى يتم إنهاك الجسد العربي ليسهل الاستيلاء عليه حين تنتهي آخر مصداته الدفاعية ليتقدم الطامحون أو الطامعون؛ يرثون ما تبقى أو ما يريدون تماماً، كما فعلت الولايات المتحدة الأميركية بعد حربين عالميتين؛ انتظرت أن تأكل أوروبا نفسها، وما أن انهكت حتى جاءت لتحسم الحروب، وتحمل سفنها أطناناً من الذهب الأوروبي ثمناً لتدخلها.

يمكن القول أن الصراع في الإقليم بعد عشر سنوات يشارف على نهايته، ولكن حتى قبل أن ينتهي، كانت الدول الكبرى وهي دوائر متعددة الدائرة الإقليمية التي تتنازعها ثلاثة دول كبرى غير عربية هي تركيا وايران – وإسرائيل التي تقع في قلب المنطقة، وتفتح أعينها وأذرعها لكل شيء، وكذلك الدائرة الأبعد، وتلك تشمل معظم الدول الكبرى مع تغيير المصالح ارتباطاً بالجغرافيا والموارد، وأحياناً ما كان يحدث تضارب بين مصالح الدول الإقليمية والدولية، كما حدث بين روسيا وتركيا في سوريا أو حتى أميركا وإيران في نفس المكان، لكن إسرائيل التي زاحمت الدول الإقليمية ظلت تحتفظ بمصالحها مع الدول الكبرى دون تضارب.

شارف الصراع على نهايته وبدأ الصراع على الإقليم فقير الإنتاج سواء الغذائي أو التكنولوجي وما بينهما، ولكنه يسبح على بحار من النفط والغاز ومصدر رئيسي للطاقة في العالم وهو السلعة التي أصبحت محرك رئيسي للسياسات الدولية، خصوصاً مع اكتشاف حقول جديدة، والمنافسة اليومية وخطوط الإمداد من منطقة الشرق لأوروبا وطبيعة التحالفات الدولية المستفيدة من تلك الخطوط والتحالفات المعطلة. هذا كان جزءاً من الصراع، لذا كان دوراً بارزاً لدول إقليمية غنية بالنفط والغاز، كانت أحد ممولي اضطراب الإقليم، ودول أخرى كانت تحترق باعتبارها منتجة لإخراجها من سوق المنافسة؛ تعطلت خطوط كان يمكن أن يتم التوريد عبرها وجرت انزياحات متعلقة بصراع الطاقة.

إسرائيل واحدة من الدول التي كانت تتابع وتراقب وتحرك بالخفاء أحياناً وبالعلن حيناً آخر؛ فإسرائيل منذ ثلاث سنوات أصبحت دولة مصدرة للغاز بعد اكتشاف حقلي “تمار” و “ليفيتان”، واللذان يحتاجان إلى ثلاثين عاماً للنضوب، وهنا ما يمكن أن يفسر الانقسام الفلسطيني، وتيكيت غاز غزة لعدم المنافسة، وضرورة أن تخرج غزة من غلاف السلطة القادرة على عقد اتفاقيات تنقيب وبيع وشراء وتصدير، وكان هناك اتفاق على شركة بريتش غاز، والآن لا أحد بإمكانه الحديث عن غاز غزة، وفقط شرق المتوسط للحقول الإسرائيلية.

عودة للإقليم الذي تتنازعه الدول الإقليمية، وتبدو إسرائيل وسط هذا النزاع لتأخذ حصتها أو لتساهم بدمار دول؛ منعاً لمنافستها، بالإضافة للبعد الأمني الحاضر دوماً، والأهم من ذلك استمرار العمل على تحويل البيئة الإقليمية لتكون صديقة أكثر، وهنا كانت زيارات سرية لرئيس الموساد خلال الأسابيع الماضية لثلاث دول عربية، لم توقع اتفاقيات مع إسرائيل.

وإلى حد ما انتقل الصراع من السيطرة والتحكم بمخزون الطاقة على البر لينتقل نحو البحر شرق المتوسط، وهي المنطقة التي تمر عبرها خطوط  الإمداد، وهي أيضاً منطقة تنقيب غنية مرشحة لاكتشاف مزيد من آبار الطاقة، فهي تقع وسط دول الإنتاج؛ مصر وليبيا وإسرائيل وتركيا؛ لذا فإن الاهتمام الإسرائيلي الذي تشير له الصحف الإسرائيلية، باعتبار أن ما يجري في ليبيا يؤثر على المصالح الإسرائيلية هو أكبر مثلاً مما يجري في اليمن البعيد، والذي من المفترض أن اليمن بالنسبة لإسرائيل أكثر ضرورية باعتبارها تحولت إلى السيطرة الايرانية العدو الرئيسي لتل أبيب، ولكن للطاقة ضرورات أخرى، هذا نموذجاً.

الجديد هو دخول الصين التي ظلت تراقب من بعيد ما يحدث، بعد الصراع في المنطقة، ثم الانتقال لمرحلة الصراع على المنطقة، فإن التغيير الأكبر في الإقليم هو المستجد الصيني، والذي يعقد اتفاقاً مع إيران يمتد لخمسة وعشرون عاماً؛ يتعلق الجزء الأكبر منه، بالطاقة وآبار النفط الإيرانية والتوريدات، هذا الاتفاق الكبير والذي يبيح تواجد قوات عسكرية صينية على الأراضي الإيرانية، وما دمنا نتحدث عن إيران ممكن أن يمتد هذا الحضور الصيني نحو دول باتت جزءاً من الغلاف الإيراني كسوريا ولبنان واليمن، ربما يوماً ما أو العراق. هذا المستجد يجعل مما حدث سابقاً يختلف عن اللاحق، حيث تعاد صياغة التحالفات من جديد، وهي مسألة طبيعية في السياسة، حينها أين يمكن أن يكون موقع إسرائيل؛ الحليف الأميركي، والذي يعادي الصين؟

التمدد الصيني لن يكون سهلاً لإسرائيل؛ لأن إيران عدوها الكبير من يفرش له الطريق تحالفاً وتعاملاً، لكن الثابت الوحيد أن الحالة العربية هي حالة مفعول بها وليست فاعلة… هي الموارد التي تتنازعها الأطراف دون أن يكون لها مجرد رأي…!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s