الطريق الى المستقبل :

الاستاذ كمال الدريدي

كل القوى السياسية التي اهتمت بشؤون الحكم في تونس ، سواء تلك التي مارست الحكم تاريخيا و لا زالت سواء تلك التي تقبع في المعارضة من اليمين الى اليسار ، تتبنى التصور الليبرالي للديمقراطية التمثيلية الانتخابية كشكل من اشكال ممارسة الحكم و التعبير عن ارادة الشعب و حقه في السيادة ، غير ان ما طرحه قيس سعيد كتصور قانوني او كعناوين لمشروع فكري جديد على الساحة التونسية و قابل للتجسيد ، يعتبر نقلة نوعية في الخطاب السياسي و اشكال ممارسته ، و لعل انتخابه على راس السلطة التنفيذية رغم محدودية صلاحياته و اصراره على المضي قدما في تغيير الاوضاع جذريا لصالح عموم الشعب اصحاب الحق في السيادة المعبرة عن ارادتهم ، اصبح هاجسا مرعبا يقض مضجع جميع القوى السياسية السائدة التي اصبحت تقرا الف حساب لهذا التوجه و تجند كافة وسائلها و امكانياتها من اجل تشويهه و تحقيره و التقليل من شأنه و التحذير من خطورته على الامن و السلم الاجتماعيين
الايجابي في القضايا التي طرحها قيس سعيد و اختراقه للخطاب السائد و آليات اشتغاله ، هو انه فتح افاقا جديدة مختلفة نوعيا لتغيير الواقع و اعتماد آليات تنظيمية و سياسية جديدة في ادارة الشان العام و تحقيق الاهداف المنشودة من طرف الاغلبية الاجتماعية تتجاوز عقم و انتهازية الاحزاب السياسية و تشبثها بمؤسسات حكم و قوانين عاجزة او ثبت عجزها عن خدمة ارادة من منحوهم الوكالة و تحقيق اهدافهم بسبب تكالبهم على اقتسام امتيازات الحكم و نهب موارد البلاد و التفويت فيها لصالح القوى التي تسندهم
لكن بالاضافة للعوامل التي ذكرناها سابقا و التي تحول دون امكانية تحقيق اهداف قيس سعيد ، فانه من الاكيد التركيز على نقطة تكتسي اهميةبالغة تتعلق باحداث تغيير عميق في مجال سياسة الحكم و مضامينه الاقتصادية و الاجتماعية ، الا وهي استحالة تطبيق اي نمط من انماط الديمقراطية القاعدية المباشرة بدون احداث ما يكفي من المراكمة المادية و المعنوية اللازمة اجتماعيا و سياسيا للانخراط الواسع في ممارسة السلطة من طرف الاغلبية فبدونها يصبح اقرارها قانونيا عبر تنقيح الدستور مجرد قواعد متعالية عن واقع لا يستوعبها فتبقى حبرا على الورق او ربما تدفع الاغلبية لممارستها وفق تصورات بدائية تخضع لمنطق قبلي او تتحكم في تسييرها و ادارتها عصابات اجرامية لها نفوذها في اغلب المناطق و هكذا تؤدي الى نتائج عكسية كارثية
و فيما يلي سنتناول اهم هذه الشروط كمقدمة لبناء المستقبل و التي نعتقد انها ضرورية كمقدمة و ارضية و شرط ضروري تقوم عليه كل امكانية لاحداث منعرج تاريخي مختلف نوعيا
اول هذه الشروط و اكثرها اولوية في الحديث عن قلب الاوضاع لصالح الاغلبية سياسيا و اجتماعيا و اقتصاديا هي اعادة النظر في التنظيم الاداري و تقسيم المجال الترابي للدولة التونسية الذي تاسس منذ عهود قديمة ، اي منذ تاسيس الدولة الحسينية التي اعتمدت هذا التقسيم لتسهيل عملية استخلاص الجباية المورد الاساسي للدولة ، و عند بداية عهد الحماية اعتمد الاستعمار الفرنسي على نفس التقسيم مع تحويل الجهات التي تحتوي على ثروات زراعية و باطنية الى اسواق لتجميع المنتوج استعدادا لنقله الى الموانى ، فتشكلت مراكز اقتصادية و اجتماعية تستمد وجودها و وسائل عيشها من خلال خدمة حاجيات المستعمر
اما بعد الاستقلال تواصل اعتماد هذا التقسيم رغم بعض التغييرات الاجتماعية على الطبيعة السكانية التي كانت تقوم على اساس قبلي ، لكن الدولة الفتية اعتمدت تقسيما جهويا لصالح المدن الساحلية لتركيز اهم الانشطة الاقتصادية مقابل تهميش بقية جهات البلاد و استثنائها من كل برامج التطوير الاقتصادي و الاجتماعي و الحضاري
و هذا ما نلاحظه بجلاء اليوم رغم ان احد اهم اهداف الثورة كانت تشير الئ ضرورة حل هذا التناقض الصارخ و التفاوت المجحف بين الجهات و التنصيص عليها بوضوح في الدستور الجديد ، غير ان القوى السياسية الحاكمة عجزت عن التعامل الجدي مع هذا الموضوع بحكم اختلاف اهدافها عن طموحات و انتطارات اغلبية الشعب
و هذا الواقع يشكل كذلك عقبة كيداء امام ما يطرحه قيس سعيد بخصوص الديمقراطية القاعدية المستندة بالاساس لهذا التقسيم ، اذ ان الحديث عن اولويات و اعتماد حكم القاعدة في ظل توزيع سكاني غير متوازن مع المساحة الجملية للبلد ، اذ ان الاغلبية الساحقة من السكان قرابة الثلثين تقيم و تمارس عيشها داخل المدن الكبرى للشريط الساحلي حيث تتمركز اهم الانشطة الاقتصادية و السياسية و الثقافية و الترفيهية و حتى وسائل الحياة مقابل فراغ الارياف و فرار شبابها منها بحثا عن لقمة العيش و حياة اقل سوء من واقع الارياف الفقيرة و المهمشة
وهو بدوره اثر على واقع المدن التي توسعت عشوائيا لاستعاب الوافدين من الارياف للاقامة في كتل عمرانية لا تتوفر فيها ابسط شروط السكن الللائق حيث شكلت خزانا للعمالة الرخيصة في المناطق الصناعية المحيطة بالمدن و قطاع الخدمات المختلفة ، كذلك واقع البطالة و الفقر السائد داخل هذه التجمعات حولها الى مجالات للجرائم و الانحرافات بانواعها
ان التعامل الجدي مع هذه المعضلة في اتجاه حل التناقض السائد بين الريف و المدينة و داخل المدن و الارياف بما يضمن اعدة توزيع السكان ضمن استراتيجية تنموية جديدة تحقق توازنا اقتصاديا و اجتماعيا نوعيا ، هو مقدمة ضرورية و حيوية لطرح مسالة السيادة و احقيتها و اشكال ممارستها
و هذا ما يجب السعي لتجسيده كبرنامج حد ادنى مرحلي يمكن من خلق اشكال تنظيمية جديدة و حالة وعي جدية قادرة على تغيير الواقع تغييرا جديا
و لتعميق النقاش بخصوص هذه المسالة نقترح تفعيلها ضمن مسار سياسي جماهيري يأخذ شكل تنظيم مؤتمر وطني للتنمية ، يمكن ان تتبناه و تدعو لتنظيمه و الاشراف عليه رئاسة الجمهورية ، و يكون هذا المؤتمر تتويجا لجملة المؤتمرات الجهوية و المحلية المفتوحة للجميع من اجل تحديد الاولويات الجهوية و الوطنية و الامكانيات و تقديم تصورات للحلول و الانخراط الفعلي في تكريسها ، لتكون فرصة للمداولة الديمقراطية القاعدية الواسعة و هي اساس متين يكرس ارادة الاغلبية و احقيتها في السيادة ، لتشكل جملة اشغال هذه المؤتمرات و توصياتها و مقترحاتها و تصوراتها المادة الاساسية المعروضة امام المؤتمر الوطني العام لمناقشتها و بلورتها و صياغتها في برنامج وطني
و لكي يكون هذا المؤتمر موجه و مؤطر بشكل سليم يساهم في خلق مسار و منعرج حقيقي نقترح ان تطرح على جدول اعمال جميع المؤتمرات مسالة اعادة التقسيم المجال الاقتصادي و الاجتماعي و الاداري للدولة على اساس الاقاليم او المقاطعات التي اقرها الدستور فيما يتعلق بمبدا التمييز الايجابي او بتجاوز المركزية و فتح مجال ارحب امام ذاقات الجهات و المحليات للاخذ بزمام المبادرة و تفعيل خياراتهم دون العودة لمركز القرار و النفوذ
و نذكر في هذا المجال بالدراستين اللتين تقدم بهما كل من البنك الدولي و مركز البحوث الاستراتيجية الراجع بالنظر لرئاسة الجمهورية سنة 2014 ، لكن الاتجاه الواضح و الهدف المعلن في هاتين الدراستين هو تخفيف الاعباء المالية عن الدولة المركزية لتتفرغ بالكامل لسداد الديون و فوائدها و تحميل اوزار اغلب المصاريف و النفقات العمومية لادارات الاقاليم ضمن تقسيم شكلي مفرغ من اي شكل النفوذ القاعدي و الادارة الذاتية للموارد رقابة و توتوزيعا
ان التقسيم الذي نتصوره ممكن التفعيل و يحقق الاهداف المرجوة هو تقسيم البلاد افقيا الى خمسة اقاليم او مقاطعات من الشمال الى الجنوب بحيث يضمن خلق بنية اقتصادية متكاملة تتوفر فيها كافة وسائل اقامة نمط تنموي جدي ، لكل مقاطعة منفذ علئ البحر الى جانب توفيره لمنتوجات الصيد البحري يمكن اقامة ميناء تجاري صغير يسهل عملية التواصل
الاقتصادي مع بقية المقاطعات و يسهم في اثراء البنية التحتية الاداخلية و الوطنية
ان هذا التقسيم سيضمن اعادة جدية للانتشار السكاني للدولة بحيث يعيد التوازن الاجتماعي بشكل يستهدف في العمق النزعات الجهوية و العروشية السائدة ليصبح الانتماء للمقاطعة اساسه العيش المشترك ضمن قيم المواطنة
كذلك تنشأ مع هذا التقسيم اشكال جديدة من الادارة الذاتية الديمقراطية القائمة على التحاور و الفاعل عبر المؤتمرات لتحديد المهمات و الاولويات و التخطيط للمستقبل
هذه الخطوط العريضة لمقترحنا للبرنامج/الخطة/الارضية لاحداث المراكمة الضرورية لبناء المستقبل ، مستقبل الشعوب و ليس مستقبل القادة ، مستقبل الارادة الشعبية في ممارسة حقها في السيادة و الثروة و وسائل الحياة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s