الدرب- ايمن العلوي -الباروماتر السياسي زمن …الكورونا/قراءة وتحليل

نشرت جريدة المغرب في عددها الصادر يوم الثلاثاء 21افريل 2020 نتائج سبر الاراء المنجز من شركة “اسيغما ” يتعلق بنسب ثقة التونسيين من عدمها في الشخصيات السياسية ، و قد احتل المراتب الخمسة الاولى في الشخصيات التي تحظى بالثقة على التوالي كل من رئيس الجمهورية قيس سعيد و وزير الصحة عبد اللطيف المكي و رئيس الحكومة الياس الفخفاخ و الصحفي و الكاتب و عضو مجلس النواب الحالي الصافي سعيد و النائب الاول مجلس النواب السابق عبد الفتاح مورو ، أما الشخصيات التي نالت أقل نسب الثقة فكانت بالترتيب على النحو التالي : رئيس مجلس النواب الحالي و رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي و أمين عام حزب العمال حمة الهمامي و رئيس الحكومة الاسبق و النائب السابق علي العريض و رجل الاعلام و الاعمال و رئيس حزب قلب تونس نبيل القروي و رئيس الحكومة السابق و رئيس حزب” تحيا تونس ” يوسف الشاهد.
اريد التأكيد بداية ان شركات سبر الاراء الحالية التي تشتغل في غياب قانون منظم لها و التي تحوم حولها عديد الشكوك في ارتباطاتها و تمويلها و توظيفها من قبل اجهزة و احزاب للتأثير في الرأي العام تبقى منقوصة المصداقية و لكني لا أستطيع تجاهل عملها و ارقامها لسببين : الاول لان هذه الشركات ( الرئيسية منها على الاقل) اثبتت دقة في ارقامها في مجمل العمليات الانتخابية التي خضناها ، و الثاني لان ارقامها لا تختلف جوهريا او تناقض ما نلمسه في الواقع كناشطين اومتابعين للشأن السياسي و حتى في سبر آراء بدائي ينجزه أي منا في حياته اليومية او فضائه الافتراضي .
كما نلاحظ ف ان الشخصيات الاولى في نتائج كلا الفريقين( الموثوق فيهم و فاقدي الثقة) يجمع بينها خاصيتان توفر احدها او كلاهما فيهم و هما القرب من السلطة و أحزابها و كثرة الظهور في وسائل الاعلام فالشخصيات العشرة دون استثناء هم اما رؤساء ووزراء و قيادات في احزاب السلطة او وجوه مسرفة في التردد على اكثر القنوات شهرة و متابعة من قبل التونسيين .
و هذا يعكس بالتأكيد قدرة معطى السلطة و الاعلام على توجيه الرأي العام و التأثير الكبير على حصر اختيارات المواطنين في اركان ضيقة تفقدهم بشكل معقد جوهر الحرية في الاختيار و التفكير في خيارات اوسع .
ان هذين المعطيين ( السلطة والاعلام) ليسا من قبيل الدواء السحري في القدرة على التأثير ايجابيا بل في علاقة جدلية بالشخصيات التي تتمكن منهما و قدرتهم على التوظيف و الاستفادة فهناك مثلا من استفاد من السلطة و حتى و ان خرج منها و بقي في مجموعة ” الثقات” مثل عبد الفتاح مورو و من ظهوره الاعلامي المتواتر مثل الصافي سعيد ومن استفاد من السلطة والاعلام معا مثل عبد اللطيف المكي ، وهناك من فتكت به السلطة أو الاسهال الاعلامي مثل راشد الغنوشي و حمة الهمامي و يوسف الشاهد .
الاستنتاج العام الثاني الذي بدا لي من خلال هذه العيِّنة هو انه رغم تعالي اصوات التشبيب في الساحة السياسية و متابعيها الا ان غالبية الشخصيات اذا استثنينا الياس الفخفاخ و يوسف الشاهد جاوزت او تكاد الستين عاما و هذا يعني ان جزءا من شبابنا مازال يعاني من عقدة الاب الخاصي ولا يرى مستقبله الا من تحت عباءة الشيوخ و لكن هذا لا ينفي ان الاغلبية الشابة التي لم تشملها عينة سبر الاراء لاتعير اصلا اهتماما للعمل السياسي و أساليبه الذي يفرضه النظام السياسي و الانتخابي الحالي .
اما الملاحظة الاهم في تقديري هو ان عقلية المراهنة على الاشخاص المُخَلِّصِين وأصحاب الكرامات لازالت سائدة في السلوك السياسي العام ولازلنا بعيدين عن التقييم على اساس الافكار و البرامج و الانحيازات الاجتماعية و الطبقية و قدرة الشعوب في تغيير اوضاعها بشكل جماعي.
هذا فيما يتعلق بالملاحظات العامة حول سبر الأراء

اما في تعميقها فأجدني مضطرا الى تناول الشخصيات فردا فردا :
1/ قيس سعيد : كان ولازال في الفترة الاخيرة المتصدر بلا منافس لثقة التونسيين هذه الشخصية التي صعدت في غفلة من الجميع و خاصة في غفلة احزاب و اجهزة الدولة التقليدية شخصية عبرت طريقا مختلفة تماما عن التي يسلكها الأخرون بغض النظر عن ما يروج حولها ، و لا يريد الكثيرون للاسف ان يفهمو ان ما يرونه فيه سذاجة تراه الاغلبية صدقاءا و نقاءا في زمن الأفاقين و الوصوليين و اكتئاب الناس من كثرة الكذب ، و ما يرونه شعبوية يراه الكثيرون زهدا في زمن اللصوص و تجار البشر و لم يخن الرجل الى حد الأن اسلوبه على الاقل .
2/ عبد اللطيف المكي : لم يكن لينال عشر الثقة شهران الى الوراء ، لكن الاحداث في السياسة قد تهدي احدهم ما لم يتوقعه فوزير الصحة الحالي اشتغل وفريقه الاعلامي على احساس الخوف عند الناس و الرعب و القلق الذي سببته الكورونا ليروج خطابا متفائلا مطمئنا و ليخرج بصورة المنهك من الاشتغال على صحتهم.
و لكن هذا في تقديري سيكون عابرا بالنسبة للشخص لان التزاماته السياسية تحاه حركة النهضة ستكشف توجهاته الحقيقية .
3/ الياس الفخفاخ : لم يرتكب اخطاءا اتصالية فادحة و عموما جرت العادة ان الرأي العام يثق في رؤساء الحكومات في بدايتهم و يكون مجبرا نفسيا على التفائل في غياب بدائل جدية .
4/ الصافي سعيد : شخصية بنكهة عجائبية تلعب على ميزتين اساسيتين في العقل العربي ( و أحسب ان صافي سعيد له من التجربة و الاطلاع ما يمكنه من اللعب عليهما) و هما نظرية المؤامرة و التشوق للجنة و الخلاص، فتجده يراوح دائما بين تفسير مشاكل المجتمع و الدولة بمقاربة تآمرية خالصة وبين اقتراح حلول و وعود تصور للناس جنة على الارض قريبة المنال خاصة في لحظات اليأس العامة . و اعتقد ان ذلك كان له تأثير كبير في ثقة المستجوبين فيه.
5/ عبد الفتاح مورو: الشيخ الانيق الفصيح الذي يختزل الصورة المحافظة للتونسي في المخيال الجمعي و الذي يذكره بجده او ابيه او شيخه او احد حكماء الخرافات الشعبية ، كما ان سعيه الدائم و الواعي لأخذ مسافة عن حركة النهضة و راشد الغنوشي بالذات يبدو من العوامل التي أبقت له على منسوب من الثقة عند الناس .
6/راشد الغنوشي : اولا هو منصوح من مستشاريه الاعلاميين بعدم الظهور الا قليلا لعدة اعتبارات ليس هذا مجالها و لكن ملخصها انه شخصية عاجزة على التطور اتصاليا ، ثانيا ، اتصور ان التونسيين لا يثقون في الغنوشي لانه لا يثق فيهم فهو رجل يوحي بالتآمر الدائم و لا يصدر عنه كلمة او موقف واضح كثير الغموض والتناقض و الازدواج . لديه برود السفاحين و نظرة مريبة و مرتابة ، زد على انه استهلك نفسه في حزبه و في السلطة بشكل استنزافي.
7/ حمة الهمامي : يعبر عن شدة الاحباط الذي يصيب المستهلك عند اكتشاف الفرق الشاسع بين ال emballage و السلعة فالشخصية الابرز في اليسار التونسي و روايات النضال الاسطورية التي تحوم حولها و شعارات العمال و الفقراء و قيادة الجماهير نحو الاطاحة بأعدئها الطبقيين تستحيل كلاما عاما مكررا رتيبا يسمعه الجميع من الجميع و يرافقه سلوك سياسي لا اود العودة اليه ولكن اعتقد أن الكثيرين لمسوه و يعرفونه
8/ علي العريض : اكاد اجزم ان العمل الجبار الذي قامت به هيئة الدفاع عن الشهيدين ساهم كثيرا في كشف ستر هذا الرجل و عرف التونسيين بفضاعة ما فعله في بلادهم و امنهم و قد زاد هو بسلوكه المتخفي و صمته الذي يقول في نفسه ” هاني بعدت اخظوني برك” أضف هيستيريا حزبه تجاه كل تعيين جديد على رأس وزارة الداخلية فكانت دليل ادانة جلي.
9/و10/ في الحقيقة لم اجد في نبيل القروي و يوسف الشاهد ما يؤهلهم لتعليق سياسي او سوسيولوجي او اتصالي فقط تذكرت قول المتنبي:
صَغُرتَ عَنِ المَديـحِ فَقُلتَ: أُهجى،
كَأَنَّـــــكَ مـا صَغُــرتَ عَـنِ الهِجـــاءِ
وَما فَكَّــرتُ قَبـــلَكَ في مُحــالٍ،
وَلَا جَـــــرَّبتُ سَيفــــي فــي هَــــــباءِ
.


اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد