حتى لا ننسى (Pandémie du Coronavirus) على الصحة العمومية الكونية و الإقليمية

الدكتور:خميس المشرقي

رغم الخطر الذي تشكله الجائحة القطرية على المبادلات التجارية الدولية و المصارف العالمية و على مختلف الاقتصاديات بسبب تباطئ العملية الإنتاجية و الترويجية و انكماش السوق الاستهلاكية ، علينا الرجوع للتّاريخ لمعرفة ما عانته البشرية من جوائح و أمراض فتاكة لندرك حجم الإخطار والخسائر التي قد تتبع الجائحة الراهنة من جهة ، و نستكشف القدرات والمهارات التي اكتسبتها الإنسانية في مجالات مقاومة هذه الجوائح و محاصرتها و الحد من آثارها خارج تداعيات المنافع الصناعية و التجارية القطرية والوطنية و حتى الفردية ( مخابر البحث العلمي و مصانع الصيدلة).
سأقف عند 11 جائحة كبرى مرت بها البشرية قاطبة وهي:

1- طاعون أنطونين ظهر بين 166-189 م وشملت الإمبراطورية الرومانية تسببت 10 ملايين نسمة نفقت
2- طاعون آثينا ظهر بين 426-430 م باليونان القديمة : 70 ألف نسمة نفقت
3- طاعون جستينيان (540-542 م) و شمل أوروبا و الشرق : 25-100 مليون نسمة نفقت
الطاعون الأسود (1347-1351) و غطت أوروبا و آسيا و تسببت في نفوق25 مليون نسمة 4-
5- الجدري (1518-1650) شملت أمريكا وتسبب في نفوق 1/3 هنود أمريكا
الطاعون الأكبر بلندن (1664-1665) شمل بريطانيا : و تسبب في نفوق 100 الف نسمة ( خمس سكان المدينة)6-
7- الكوليرا- ( ظهرت سنة 1817 ثم عادت سنة 1961)شملت أوروبا الغربية و سربيا و عادت سنة 1961 لتشمل آسيا و تسببت في نفوق بين 0.1 -4 مليون نسمة

8- الأنفلونزا الإسبانية

 ( H1N11-2) 1918-1919 )
انطلقت من الصين و شملت أوروبا و تسببت في نفوق 30 مليون نسمة

9- الأنفلونزا الآسيوية

)H3N2- 1956 )
. ضربت الصين وغطت آسيا و أمريكا و تسببت في نفوق 9 مليون نسمة
) SIDA 1970 ) 10-

شملت كامل المعمورة و تسببت في نفوق حوالي 30 مليون نسمة لحد الآن
 11- الكورونا انطلقت في شهر ديسمبر 2019 في الصين و غطت أوروبا و إفريقيا و آسيا و أمريكا بنسب متفاوتة و مازالت آثارها متواصلة

إن ما يهمّنا في عرض هذه الجوائح هو إدراك حجمها و انتشارها و آثارها على البشرية من جهة ، و آثارها على تطوّر المعارف البيولوجية و الطبية و الصيدلانية و على الخطط الحمائية المستعملة للحد من انتشارها وآثارها المدمّرة على الأرواح و الاقتصاديات و المبادلات التجارية و حركة السكان داخل البلدان و فيما بينها .
ما كان لهذه الجوائح الكبرى القديمة و الجديدة أن تتراجع و تنتفي بدون:
 -1 التطور العلمي الحاصل في مختلف المجالات المتداخلة في آليات العلاج و التوقي.
2- تطور السياسات الحكومية في مجالات التعليم و الصحة العمومية و التغطية الاجتماعية و تحسين ظروف الحياة عامة.
3- تطور شبكات تبادل المعلومات الوبائية لمختلف الجوائح و الأمراض المعدية داخل الدول الوطنية و الأقاليم و بين القارات و المؤسسات الدولية المتصلة بسياسات الوقاية و الحماية OMS-OIE لضبط سياسات موحدة لمقاومة هذه الجوائح .
لكن ما نلاحظه بكل أسف من خلال التحركات القطرية و الإقليمية و الدولية لمحاصرة جائجة الكورونا الجديدة ، هو تقوقع عدة دول أو أقاليم و انكفائها على وضع خطط فردية و رصد الموارد البشرية و المادية و المالية و اللوجستية بشكل خصوصي و ترك الدول أو القارات الفقيرة ( إفريقيا و آسيا و أمريكا الجنوبية ) تواجه مصيرها لوحدها تجاه هذه الجائحة . فعوض توحيد الجهود الكونية لمحاصرة البؤر الرئيسية و العمل على القضاء عليها عشنا حالة من التفرد و الفوضى و الإنتظارية لما تؤول إليه جهود الصين منفردة في مقاومة بؤرة الانطلاق و سارعت بعض الدول و بشكل متأخر نسبيا لقطع الطريق أمام انتشار الفيروس عبر تفعيل مختلف الخطوط الوقائية الكلاسيكية و المحددة علميا .
إن ما نخشاه استفحال الأنانية الشوفينية القطرية و الإقليمية بغلق خطوط التواصل و الإمدادات بين الدول و الشعوب للحماية الذاتية بدون الهجوم الجماعي على البؤر و توسعها داخل بعض البلدان الفقيرة و التي تعيش من أصلها تحت وطئة حروب كونية ذات مطامع احتكارية و استعمارية و تدميرية للثروات البشرية و البني الأساسية لهذه الشعوب لمزيد إخضاعها لإرادتها .
إن ترك هذه الشعوب الفقيرة و المهددة بالحروب و بانتشار جائحة الكورونا من شأنه دعم استقرار الوباء و توسع دائرة انتشاره حتى يشمل كل المعمورة في انتظار أنتاج لقاحات أو أمصال و علاج ناجع قد لا تتمكن هذه الشعوب من الحصول عليه ووضعه على ذمة مواطنيها لحماية ثروتها البشرية .
و في الأخير علينا بتجنيد كل مواردنا البشرية الطبية و الشبه طبية و مؤسساتنا الصحية و البحثية لاستنباط الحلول الناجعة و التي تسمح لنا بتجسيد إراداتنا الحرة و المستقلة في الدفاع على ثروتنا البشرية التي أصبحت مهددة استراتيجيا من طرف المؤسسات العسكرية و المالية و الصناعية العالمية التي تهدف تحويلها إلى مادة من مواد الحرب الدائمة لتعطيل عملية إعادة إنتاج الثروات البشرية و المادية الأخرى ( جر شبابنا إلى حروب دموية مدمرة للبشر و الحجر و البني الأساسية مثلما يحدث في سوريا و ليبيا و اليمن و عدة نقاط أخرى من العالم )