
راي/ برهان31-12-2025
مرة أخرى، وبهدوء يثير الريبة، تُدفع تونس إلى اتخاذ قرارات مصيرية تمسّ جوهر اقتصادها ومستقبل أجيالها، تحت غطاء “الاستعجال” و”التعديلات التقنية”.
يوم 31 ديسمبر 2025، ينظر مجلس نواب الشعب في ثلاثة مشاريع قوانين تتعلّق بتعديل اتفاقيات الشراكة والتبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي ،إضافة إلى التعديلات الخطيرة المدخلة على الاتفاقية الجهوية لقواعد المنشأ الأوروبية–المتوسطية. والسؤال الجوهري هنا ليس تقنيًا ولا إجرائيًا، بل سيادي بامتياز: من يقرّر في تونس؟ وبأي تفويض؟ ولصالح من؟
تمرير هذه المشاريع بصفة استعجالية، ودون أي نقاش وطني شامل، ليس مجرد خطإ شكلي، بل خيار سياسي واعٍ يهدف إلى تحييد الرأي العام، وإقصاء المنظمات الوطنية,النقابية والمهنية والبحثية..، وتحويل البرلمان إلى مجرّد غرفة تسجيل لالتزامات خارجية تُعمّق ارتهان القرار الوطني.
حين يُمنع النقاش حول اتفاقيات سترسم ملامح الاقتصاد لعقود، فإن البرلمان لا يمارس السيادة، بل يشارك عمليًا في تفريغها من محتواها.
وصف هذه الاتفاقيات بـ”التقنية” ليس سوى تضليل سياسي متعمّد. فهذه التعديلات لا تعالج اختلالات قائمة، بل تُعيد تثبيت النموذج الاقتصادي نفسه القائم على: اقتصاد مناولة وتجميع، إنتاج ضعيف القيمة المضافة، وارتهان بنيوي بالسوق الأوروبية.
هذا ليس اندماجًا في الاقتصاد العالمي، بل إلحاق اقتصادي منظّم يُلغي أي أفق لبناء صناعة وطنية متكاملة، ويحوّل البلاد إلى فضاء خدمات منخفضة الكلفة، بلا قرار ولا سيادة إنتاجية.
الخطورة القصوى تكمن في التعديلات المتعلقة بقواعد المنشأ الأوروبية–المتوسطية. فهنا لا نتحدّث عن تفاصيل تقنية، بل عن الآلية الصلبة التي يُدار بها الإلحاق الاقتصادي فعليًا. هذه القواعد تربط النسيج الصناعي المحلي بسلاسل إنتاج أوروبية دون تمكينه من التحكم في التكنولوجيا أو في مسار الإنتاج أو في القيمة المضافة، بما يُبقي الاقتصاد الوطني في موقع التابع داخل منظومة غير متكافئة.
وليس من قبيل الصدفة أن تمثّل المصادقة عليها، شرطًا غير معلن لإعادة فتح مسار “الأليكا” الذي أسقطته سابقًا القوى المدنية والنقابية والشبابية. ما فشل فرضه علنًا يُعاد تمريره اليوم زحفًا، وبأدوات تقنية مضلِّلة.
منذ اتفاقية الشراكة لسنة 1995، لم تجرؤ أي سلطة متعاقبة على طرح سؤال التقييم الجدي: لماذا تفكّك النسيج الصناعي؟ لماذا تعمّق العجز التجاري؟ لماذا تآكلت السيادة الغذائية والطاقية؟ لأن الإجابة واضحة ومحرجة: هذا المسار لم يؤدِّ إلا إلى تعميق الارتهان الاقتصادي وإعادة إنتاج الإلحاق بالسوق الأوروبية، مع حماية مصالح رأس المال الأجنبي والكمبرادور المحلي، على حساب الأغلبية الاجتماعية.
السيادة ليست خطابًا مرتفع النبرة ضد الخارج، ولا شعارًا يُستعمل عند الحاجة، بل قرار اقتصادي مستقل ونموذج تنموي وطني. لذلك فإن الدعوة إلى رفض هذه المشاريع أو تعليق النظر فيها ليست موقفًا إيديولوجيًا أو انعزاليًا، بل دفاعًا صريحًا عن حق التونسيات والتونسيين في كسر مسار الارتهان والإلحاق.
أما تمرير هذه الاتفاقيات في صمت، وباسم الاستعجال، فلن يكون سوى حلقة جديدة في مسلسل السيادة المعلَنة… والارتهان المُدار في الخفاء.
السيادة لا تُختزل في الشعارات، ومن يفرّط فيها اقتصاديًا، لا يملك أن يدّعي الدفاع عنها سياسيًا.
اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
