تغيير الكل يعدّل الأجزاء و تعديل الأجزاء لا يغيّر الكل.

رأي /غيث مرواني. الدرب سبتمبر 2022

عاش اليسار في العالم أزمة عميقة بعد الهزيمة المعنويّة و الإديولوجية آلّتي لحقته اثر إنهيار الإتحاد السوفيتي. مقابل ذلك نجحت النيوليبرالية في بسط هيمنة جعلت كل خطاب خارج فلكها منبوذا أو محل تندّر، فالعلاقات الجدليّة بين ما تمثّله من هيمنة إقتصاديّة و فكريّة رمزيّة عبر حزامها المؤسساتي جعلها تعيد خلق الفرد ليكون أكثر نجاعة كإجابة للنزعة نحو المراكمة دون قيد أو شرط و ليكون أسير نسقها الفكري فلا يرى رغباته تتحقق خارج أفقها و ما دونها الجحيم.

واقع فرض على اليساريين القيام بمراجعات للبحث عن مداخل و آليات جديدة للعمل السياسي. فسمعنا تقييمات و نقدا ينتهيان لتطليق النظريّة الماركسيّة و اعتبارها منتهية الصلاحيّة، و آخرون اختارو إعادة ترتيب محاور النضال و تصفية الصراع الطبقي كمحدّد لذلك، و منهم من تمسّك بماركسيته لكنه خاض الصراع بقواعد و معجم من صارعهم .

نفس الأزمة كان يعيشها اليسار في تونس، فرغم مساهمته في المسار الثوري لم ينجح في التعبير عن أصحاب المصلحة في التغيير و كان منخرطا في ترميم القديم بدل التأسيس للجديد على أنقاضه و حتّى بعد دخول هيأة بن عاشور و هزيمة التأسيسي لم يستطع أن يحكّم عقله السياسي و إنخرط في تعميق الإستقطاب على قاعدة الحداثة و كان الأخطر تمثّله الليبيرالي لها فكانت هزيمته في 2014 آلّتي لم ينجح حتّى بعدها في خوض الصّراع بقواعده و ضلّ منهزما فصرنا لا نفرّق بين خطاب رفاقنا و خطاب المهيمنين حين يتحدثون عن الفساد محرّكا للرّيع و إصلاح الجباية من أجل إقامة العدل فكانت مرّة أخرى هزيمتنا في 2019.

ما يحصل صلب الوطد الموحد اليوم ليس في معزل عن كل هذا، فالهزائم تربة خصبة لليأس و اليأس مدخل لتصديق الوهم. و من كان له وهم الإلتقاء مع من يسمّون أنفسهم العائلة التقدميّة على قاعدة الحداثة صار لديه وهم الإلتقاء مع مشروع قيس سعيد يريد على قاعدة نظافة اليد و مقاومة الفاسدين لكن تغيير الكل يعدّل الأجزاء و تعديل الأجزاء لا يغيّر الكل. السلطة السياسيّة القائمة بأدائها منحازة طبقيّا لمن يحتكرون الثروة دون انتاجها، لا تحرّك ساكنا تجاههم و تصمت على ما يقترفه جهازها القمعيّ من جرائم و ملاحقات و عليه لا نستطيع إلّا أن نحمل نقيض مشروعها و لن نبحث عن التناقضات داخل النظام إن وجدت قبل الإقرار بالتناقض معه.
مع من بلغ به اليأس حد تصديق أي سرديّة تحمل كلمة تغيير أو تجميع و مع الغاضبين آلّذين يرون في ما مارسوه تعبيرا عن سخطهم نحن نريد الحوار و وحدة سياسيّة أرقى، أمّا مع من إختلفنا معهم في الموقف من السلطة القائمة فنحن نريده فراقا لا تهتك فيه الأعراض و لا ينال من كرامة الناس.


اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقاً