من قتل شكري بلعيد؟

قراءات/ جلال الرويسي*، مسقط، ماي 2022

تعمّدت أن أصل العاصمة فجرا قادما إليها من توزر. خطّطت لتمضية الصبيحة وسط المدينة، ومنه إلى المطار عند منتصف النهار. إقلاع الطائرة باتجاه الدّوحة ومنها إلى مسقط سيكون على الساعة الثالثة ظهرا. قطعت المسافة باتّجاه شارع بورقيبة على القدمين منتعشا بهواء الصباح الندي. وكان غرضي من ذلك مزدوجا. تنشيط دورتي الدموية بعدما تتورّم القدمان بسبب الجلوس المطوّل، وتحسّس ما قد يكون تغيّر في ذلك الجزء من العاصمة بعد غيبة سنوات. كنت قد جهّزت قائمة من الروايات الصادرة حديثا أنوي اقتناءها من مكتبة الكتاب. “قطعة قماش زرقاء” رواية كمال الزغباني التي صدرت بحرص من لسعد بن حسين بعد وفاة كمال، “نازلة دار الأكابر” لأميرة غنيم، “حجام سوق البلاط” لحسنين بن عمو، “السيد العميد في قلعته” لشكري المبخوت، إلخ.

لا شيء يلفت الانتباه عدا أنّ المدينة ازدادت تهرّما على ما كانت عليه قبل عشر سنوات وغزت جدرانها شعارات بذيئة لا صلة مباشرة لها بالسياسة. أمّا الزوايا المشبّعة بَوْلاً فلم تكن أمرا جديدا. وصلت إلى شارع بورقيبة بعد عشرين دقيقة فوجدته لا يزال نائما وخاليا إلاّ من بعض عمّال المقاهي ينشرون الكراسي على الرصيف ومدرّعات الشرطة الرابضة في كلّ الزوايا. كنت أدرك أنّ هيئتي مثيرة للريبة لدى دوريات الشرطة. حقيبة الظهر، والجفون المتورّمة بالسهاد والتسكّع دون وجهة محدّدة. وجدت في ذلك تسلية ريثما تفتح المقاهي وأكشاك الصحف، فجعلت أروح وأجيء متبوعا بأنظارهم وخرخشات أجهزتهم.

كان من أسباب تعمّدي الوصول في ذلك الوقت، حرصي على تجنّب الالتقاء بأيّ أحد من الأصدقاء مخافة أن ينجحوا في ترويضي فأؤجّل الرحلة وأدخل معهم في مفازة الذكرى والحنين. لكنّني في يقيني بعدم ملاقاة أي منهم، لم أقرأ له حسابا.

في الممشى العريض الذي يتوسّط الشارع أقيم معرض عن حقوق الإنسان تضمّن معلّقات مناهضة للتعذيب ومدافعة عن الحق في الشغل والبيئة النظيفة والصحّة… قلت أستطلع ما في المعلّقات وأتهجّـــى ما في الصور من تعبيرات بانتظار أن تفتح مكتبة الكتاب. كانت المعلّقات مثبتة على سيقان خشبيّة مغروسة في أحواض ترابية بها أزهار ذابلة غمرتها أعقاب السجائر. وكان ذلك المشرّد يقف أمامي يقرأ المعلّقات ويتمتم بما يشبه السباب ثمّ يبصق في أحواض الزهور ويحرّك رأسه تعجّبا واستنكارا. أجبرتني رائحة الكحول العطنة التي تفوح منه على الابتعاد عنه قليلا وأنا أتأمّله من خلف: شعره الأشعث المتلبّد، بنطاله الفضفاض النازل دون خصره، قميصه الذي رسم عليه ملح عرقه خرائط سريالية، مع بقع زيت موزّعة على كامل ملابسه . كنت أتأمّل صورة بالأسود والأبيض لجمهرة من الأمريكان العاطلين عن العمل سنة 1929، وقد تجمّعوا في شارع كبير بمدينة نيويورك لتسجيل أسمائهم لدى موظّفي وكالة التشغيل الأمريكية التي نصبت مكاتبها في قلب الشارع. “ما شاء اللّه، ما شاء اللّه” ردّدت في سرّي.”عاطلون عن العمل بقبّعات أنيقة ومعاطف كشمير وربطات عنق وأحذية ملمّعة !” فوجئت به يبصق على المعلّقة ويستدير ناحيتي هامّا بالانصراف فاصطدم بي. وجدنا أنفسنا متواجهين صدرا لصدر، أنفا لأنف، نفسا لنفس، عِطْرًا لعَرَق. عرفته على الفور، ولمحت في بؤبؤ عينيه لمعة تشي بأنّه عرفني هو الآخر… ولكنّنا تجاهلنا بعضنا.

محمّد الخريجي زعيم التيّار اليساري الذي كنت أتعاطف معه أيّام الجامعة في ثمانينات القرن الماضي. محمّد الخريجي الذي كانت الآلاف تخرس لسماع خطاباته النارية وتحاليله العميقة لطبيعة النظام والمرحلة.

حاصرتني أسئلة حارقة ومتتابعة كأنّما كانت نائمة في دماغي واستيقظت فجأة لأجد حياتي كلها محل شك وتساؤل… فيم كنت أفضل منه حتّى أعيش بعد ثلاثين سنة بأمان بينما يصارع هو الجنون والتشرّد؟ أتأمّل بصقته السائلة على وجوه الأمريكان في المعلّقة وأبلع ريقا بطعم الخيانة وأنصرف… ربّما كان ذنبه أنّه أحبّ البلاد أكثر من نفسه. قطعت الشارع هاربا باتجاه مكتبة الكتاب. ووقفت أتأمّل عناوين الكتب المعروضة في الواجهة البلّورية ريثما تفتح المكتبة. وفي الزّجاج العاكس لحركة الشارع رأيته يقف خلفي يدخّن سيجارته وينظر باتجاه كتاب معروض في الزاوية اليمنى من الواجهة. هل سمعته يقرأ لي عنوان الرّواية وأنا أتطلّع ناحية الكتاب أم أنّها كانت مجرّد تهيآت؟ كانت صورة شكري بلعيد المضرّجة بالدم على صفحة غلاف رواية عبد القادر بلحاج نصر “من قتل شكري بلعيد”. ضجّ قلبي بين ضلوعي: “أنا بريء، أنا بريء” وغلّف أذنيّ طنين حاد في حين كان المشهد في الواجهة البلّورية مزدوجا ما بين صورة شكري المقتول أمامي داخل الواجهة، وخيال محمّد الخريجي المنتصب ورائي في الخارج.

سمعته يسألني: “جئتَ لحضور الوقفة الأسبوعية؟، مازال أمامنا وقت طويل. ألا تدعوني على قهوة؟” واضح أنّه خالني أعمل بالتعليم في إحدى المدن الداخلية. فكيف لي أن أخبره أنّني هاجرت إلى الخليج بعد اغتيال شكري وأنّ وجودي هنا في هذا اليوم صدفة؟

ونحن نتأهّب للجلوس إلى طاولة على رصيف مقهى لونيفار، فاجأني: ” هلاّ أخبرتني عن مصير تلك الحقيبة الجلدية التي استودعتها عندكم في المبيت الجامعي ببن عروس؟ هل تذكر أرشيف النصوص الحائطية وأدبيات الرفاق بكلية الآداب؟ كنّا مضطرّين إلى استئمانكم عليها بعدما ضيّق علينا الإسلاميون والبوليس الخناق في مبيت منّوبة. لم تكن العيون مركّزة عليكم لأنّكم لستم من مناضلي الصف الأوّل. هذا فضلا عن أنّكم من طلاّب الوثائق والأرشيف. فمن أقدر منكم على حفظ الذاكرة وتقدير قيمة الوثائق؟

والحقيقة أنها كانت فرصة لي ولشريكيّ في الغرفة كي نفرز محتويات الحقيبة ونرتّبها حسب التواريخ والمواضيع وغيرها من المداخل. كان رفيقاي في الغرفة يستغلاّن تلك المناسبات للغوص في تلك النصوص ومناقشة ما تتضمّنه من مواقف ومرجعيات. أمّا أنا، فما كانت لديّ القدرة على فكّ مكنونها وقد كنت أجدها رديئة الخط، ركيكة اللغة، معوجّة التراكيب، محنّطة العبارات ملغزة المعاني، محشوّة بالاستطرادات، مسقطة الاستشهادات ومتهافتة الأحكام والاستنتاجات…

كنت أتعامل معها كوثائق أرشيفية أطبّق عليها تماريني الدراسية لا غير، فأصنّفها وأكوّن منها ملفات وأدوّن على قفاها بيانات مثل تواريخ كتابتها وأسماء المؤسّسات الجامعية التي وزّعت أو علقت فيها والمناسبات… أذكر أنّ تلك الحقيبة ظلّت ترافقنا كلّما غيّرنا السّكن كمفتاح الفلسطيني الشريد الحالم بالعودة. آخر عهدي بها كان في شقّة تقع بمنطقة لافايات أقمنا فيها بعد تخرّجنا. كانت شقتنا تلك مزارا لعديد الرفاق المناضلين من العاصمة ومن داخل البلاد، موظّفين وعمّالا وطلبة، خصوصا وقد تعزّزت بمكتبة ضخمة مشتركة كنّا نغذّيها بما نشتريه ونسرقه من الدورات المختلفة لمعرض تونس الدولي للكتاب ومن المركز الثقافي السوفياتي الذي لا شك أنّ المشرفين عليه كانوا يتغاضون عمّا نرتكبه من سرقات وتلك كانت طريقتهم الذكيّة في نشر الفكر اللينيني. كان شكري يزورنا لينتقي من تلك المكتبة ما يحتاجه من كتب ويحملها معه لتوزّع على الشبيبة الطلابية. لا أنسى إجابة أحد زعماء الخط لمّا عبّرت عن عدم رضاي على ضياع الكتب. أفحمني عندما قال أنّ الكتب كالطيور تمقت الأقفاص ولو كانت من ذهب وتعشق الطيران الحرّ، لذلك علينا أن نطلق العنان للكتب كي تتنقّل بحرّية بين الناس ولا نحبسها في أدراج المكتبات. ومن يومها احتميت وراء فكرة قدّرت أنّها ترضي كلينا وصرت أرى في كل كتاب يغادر المكتبة مشروع شهيد يغادر بيت الأسرة ليحرّر أبناء الوطن، وغدوت أودّع الكتب المغادرة للمكتبة بشعور يمزج بين الأسى والفخر.

في غمرة تلك الزيارات المتواترة، اختفت الحقيبة وقيل لي لمّا سألت عنها أنّها نقلت إلى مكان أكثر أمنا بعدما غدت الشقّة تجلب الأنظار خصوصا أنّها تقع قبالة أخطر مراكز بوليس العاصمة، مركز نهج كولونيا وما أدراك.

خفت أن أصارح محمّد بضياع الحقيبة وقد بدا لي في بحثه عنها كمن يبحث عن عقله الذي ضاع منه. ربّما شكري هو الوحيد الذي يعرف مصيرها، وها قد ضاع سرّ الحقيبة باغتياله. لم أستفق من شرودي وراء تاريخ الحقيبة ومصيرها إلاّ على صوت شعارات المشاركين في الوقفة الأسبوعية: “من قتل شكري بلعيد”… كان موعد طائرتي نحو الخليج يضغط وكان الرفاق يقفون تحت الشمس الساطعة وكان محمّد الخريجي يدخّن سيجارته ويبصق على المارّة. عبر بي التاكسي باتجاه المطار حذو المشاركين في الوقفة وكنت أحتمي وراء نظارات سوداء وقلبي يصرخ بين ضلوعي: “أنا بريء، أنا بريء”

*جلال الرويسي:باحث وناشط تونسي


اكتشاف المزيد من WWW.Eddarb.COM

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك تعليقاً