خالد كرونة..هناك شيء تغيّر .. تغيّر عميقا .. ولكنّ “الغاضبين” من أصحاب التمرات، لم يفقهوه..

لا يعنيني إطلاقا عدد الذين شاركوا في الركح الشارعي أمام باب الركح البلدي الموصد . ولا أهتم لتعاسة الصورة التي نشرها الشيخ المنكوب ..فرطح “سعيّد” الفصل 80 ، ففرطح أعوان الشيخ معالم الشارع الكبير .. صحيح أنني أؤيّد بوضوح وبلا خجل حقّ أيّ مواطن في التعبير المدني السلمي عن مواقفه وعن معارضته .. وصحيح أيضا أنّه يؤسفني انحدار بعض مضامين الاحتجاج و شعاراته ( وهو أمر يحصل دوما ومن كل الفاعلين) . ولكن، لماذا ؟

السياسة مبدأ و مناورة و موازين قوى .. هناك شيء تغيّر .. تغيّر عميقا .. ولكنّ “الغاضبين” من أصحاب التمرات، لم يفقهوه..

ان تحرّك بضعة آلاف ( حتى لو كانوا 10 / وهي مجرد مبالغة مقصودة ) لا يفعل غير تكريس قطيعة هؤلاء مع عامة الناس .. سكان الأحياء، والبسطاء الذين يهمهم رغيفهم، يشعرون بحرية أكبر في عهد “الانقلاب” .. خرجوا من إغلاقات الحكومة السابقة، ورفع عنهم مؤخرا منع الجولان الليلي ، وتخلصوا من صداع القناة الثانية و صخب ذات الخوذة المبوّقة و هرطقات السيف المسلول (بمعنى العلة) وتخلصوا من عربدة الوخواخ (ذي البطن المتدلي) أبي الأنوار الذي دوّن على صفحته يرجو منكم الاعتذار، فضلا عن هسيس جماعة المؤلفة قلوبهم و حشرجات ذاك النحيف الطويل خرّيج أكاديمية طلبة التجمع ..

كان إغلاق وكر باردو الذي فاحش البلد خطوة ضرورية ،، وكان كنس “أبي هشام” بطل السلام حبيب صدربعل خطوة إيجابية. أمّا المتناوحون على الديموقراطية فهم في الحقيقة يبكون فردوسا فقدوه .. استثني قلة قليلة من الأفراد، من الذين أعتقد أنهم أساؤوا تقدير مخاطر الانحراف نحو الاستبداد (الموجودة فعلا) لكنهم ضخموها ( هؤلاء ليسوا في نفس السلة لأن الوقائع ستثبت إن كان الأمر كما يظنون أم لا . )

متابعون و محللون و يساريون بالخصوص، لم يدركوا بعد ــ للأسف ــ أنه لم يعد من مبرّر لتضخيم الإخوان في الأذهان . حزب النهضة انتهى سياسيا ، وبالضربة القاضية . بشكل تبسيطي، لن يرى التونسيون مستقبلا نهضويين في مراكز متقدمة في الدولة. ولن يزيد حضورهم في مجلس نيابي يُنتخبُ اليوم أو غدا عن تمثيلية محدودة تلائم حجمهم الحقيقي .. لنقل بضعة أنفار في المجلس، لا غير.

وما لم يتمّ درْكُه أيضا أن حزب المبوّقة انتهى هو الآخر موضوعيّا . فقد مبرّر وجوده ، ومادة دعايته . إنهما كدفّتي باب .. لا ينفصل مسار أحدهما ولا مآله عن الثاني .. مصراعان من عشرية الأحزان يُغلقان ..( سيحتاج الأمر بضع شهور، وسترون)

الجوقة الحقوقية، و الفرقة “القانونجية” في معظمها تصدر فتاوى “في ظاهرها الرحمة، ومن قبلها العذاب” .. عدد منهم لا بأس به من “المخازنية” الأشرار، الذين ألفوا امتصاص ريع البلد ووضعه في سلالهم، وجزء آخر “متمعّش” من العطايا و من الهبات السّنيّة من بلاد الإفرنج ليسقوا نبتة الديموقراطية ولتنعم جيوبهم بفيء “الانتحال الديموقراطي” (كما يسميه أحد الأصدقاء) . وقلّة قليلة ، بل قليلة جدا، تعبّر عن مخاوف من الاستبداد نتيجة سوء فهم لقراءة “درجة المخاطر” التي لا مجال لإنكارها.

في نباهة أقدّرها، ذكرني أحد الأصدقاء ما كان منذ سنوات يردّده : “ستكون نهاية الإخوان في تونس “.. وهو محقّ تماما، لأنّ هذا البلد هو الوحيد الذي “نجحوا” في وضع اليد عليه عشريّة ،، وهو البلد الوحيد الذي أزاحهم دون قطرة دم . وإذا لم تطلهم ملاحقات بسبب الانتماء ( وليس هناك أي مؤشر على ذلك) فإنهم ينتحرون تلقائيّا بعد فشلهم الذريع و بعد انكشاف سوءات سياساتهم. وهذا لا يعفي القضاء من واجب ملاحقة أفراد منهم إذا توفّرت قرائن إدانة على مستوى الأشخاص . (وهو ما نرجح حصوله) .

من اللطائف التونسية، أن “الانقلابيّ” لا يعلن أحكاما عرفية، ولا يمنع نشاط أي حزب، ولا يصادر أية جريدة، وأن يرفع منع الجولان الليلي ، ويترك المجال رحبا في الإعلام أن يُنهش ، ولا يمنع التظاهر ضدّه (حتّى إن وقعت تضييقات وفق بعض الشهادات) ..غير أنني لا أظن الناس قد ذهلوا عمّا فعل “المحتجون” اليوم بالناس عبر الأدوات البوليسية .. ذاكرتنا ليست قصيرة إلى حدّ أن ننسى أنه يعسر أن ينقضي احتجاج واحد “أيام الديموقراطية” دون باقة من الهراوات و ما تيسّر من مسيل الدموع، ودون ركض المحامين في دهاليز الليل بحثا عن مآل الموقوفين..

هذا الانقلابي قد يكون يرى لنفسه دورا “رساليّا” .. قد يكون عنيدا أو أهوج .. لا يعنيني .. ما يهمني أنني وفق آليات التحليل الواقعية أعلم أنه لا يمكنه المضي بعيدا في قضم الحريات .. وأنه خلق رجة شديدة في الجسمين السياسي و المدني .. وما أرجحه، أن اللجنة التي أعلن قرب تشكيلها في 22 سبتمبر، ستضطرّ إلى “محاورة” بعض الأحزاب و خاصة المنظمات فيما يتعلق بالفصول التي سيشملها تحوير .. صحيح أنه تأخّر ،، أو أنه لسبب ما تعمّد التأخّر، ولكن هذا سيحدث … وبلا شك .. وستسقط وقتها مقولات غاضبة كثيرة .. وستخرس ألسنة بائسة لم تنطق حرفا حين اقتيد شباننا في جانفي إلى “محارق” ديموقراطية الشيخ و البلبل.

جماعة “الانقلاب يحتضر” يذكرونني بتصريح الغنوشي بعد خلع الراحل مرسي .. كان يقول واثقا : قريبا يعود محمد مرسي إلى رئاسة الجمهورية .. العمى الاستراتيجي نكبة حقيقية .. لا الشعب سيخلع “سعيّد” ــ أيّا كان رأينا فيه ــ ولا الخارج (الذي تمت محاولات كثيرة للاستقواء به) سيفعل .. كلّ ما هو مطلوب منه دوليا في الشق السياسيّ أن يواصل الثرثرة عن الديموقراطية، وعن صونه الحريات .. فقط لا غير ..

من الأفضل لذوي العقول، أن يلتفتوا إلى صورة وزير الخارجية التونسي خلال لقائه على هامش اجتماع الجمعية العامة بالدكتور المقداد، وزير الخارجية السوري .. وسنضيف لجماعة “الانقلاب يترنح” أن المقداد التقى أيضا وزير خارجية مصر .. وثالثة الأثافي ، أنه التقى في جلسة ودية، وزير خارجية السعودية (أي قيادة أركان دول التعاون الخليجي) .. هل تكفي هذه الإشارات ليتيقن القوم أن النهضة و القلب والإئتلاف و تحيا و تضخيم الإخوان في الأذهان ووووو،، قد ذهبت ريحهم ؟ هذا مشهد جديد بصدد التشكّل .. أما الرئيس ، فمأزقه ليس السياسيّ .. سيضطرم اليوم أو غدا الاحتجاج الاجتماعي مجددا، لأنّ الحلول التي ينبغي وضعها موضع التنفيذ لا يفكر بها أو لا يعلن الالتفات إليها .. وتلك هي الطامة !

دور التقدميين ، ليس أن يصطفوا وراء الرئيس ، أو في جوقة المطرودين من فردوس الدولة .. دورهم الاستعداد للمعارك الحقيقية بعد أن طوينا صفحة معارك الهوية و بعد توديع الاستقطاب الثنائي .. ينبغي لنا أن نكون بحجم التحدي .. ينبغي أن نُغيّر !

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s