دور استراتيجيّتيْ الدولة والسوق في “صناعة” التطور والتخلف

مراجعة لكتاب: السُبل والمُنى في صناعة الفقر والغنى

مراجعة: د. عبد الله محي الدين[1] 

صدر عن مركز دراسات الوحدة العربيّة كتاب “السُبل والمُنى في صناعة الفقر والغنى” للكاتب المغربي حسن بوكرين. الكتاب الصادر في أيّار 2019، معنون بالإنكليزيّة“The Creation of Wealth and Poverty: Means and Ways” ، ولقد تمّت ترجمته ونشره بالعربيّة من قِبَل صندوق دعم البحوث في جامعة لورينتيان (LURF) أونتاريوا- كندا.


[1] استاذ مساعد في الجامعة اللبنانية- معهد العلوم الاجتماعية.

يمكن النظر إلى كتاب حسن بوكرين «السُبل والمُنى في صناعة الفقر والغنى» (مركز دراسات الوحدة العربية) كمحاولة جدّية لتقديم مقترحات للخروج من حالة التبعيّة والتخلّف في دول العالم عامّة، وفي دول العالم العربي خاصّة. تكمن أهميّة هذا الكتاب (المستند إلى أكثر من 359 مرجعاً) في كونه:

  •  يُظهِر جوهر النيوليبراليّة من خلال فلسفتها وممارستها في أرض الواقع.
  • يتناول في فصوله السبعة الأبعاد الأساسيّة التي استندت إليها الرأسماليّة في صناعة الفقر والغنى على الصعيد العالمي.
  • لا يكتفي بمحاججة النيوليبراليين فحسب، بل أيضاً أولئك الذين كانوا من مناهضيها وارتموا في أحضانها تحت مسمّيات وعناوين وذرائع مختلفة.
  • لا يكشف عورات الرأسماليّة فقط، إنّما يقترح الحلول للأزمات التي خلقتها.

قدّم للكتاب الاقتصادي اللبناني والباحث في «جامعة سنغافورة الوطنيّة» الدكتور علي القادري؛ فيشير إلى أنّ الفكر المهيمن على الدراسات الاقتصاديّة ينطلق، في العادة، من فلسفة وضعيّة تُضفي على نفسها صفة الحياديّة العلميّة والصرامة. ويقول إنّه إذا ما قيّمنا ظروفنا الاقتصاديّة ومدى تفاعل أزماتنا مع هذا الفكر اللاحيادي واللاصارم، لوجدنا أنّ المأساة الماثلة للعيان ليست إلاّ نتاجاً له. فـ”بنيوكلاسيكيّة” هذا الفكر (أداته الإيديولوجيّة) شكّلت سلاحاً ضدّ التنمية في وطننا العربي كما في العالم أجمع.

وفي هذا الزمن الذي جُوّفت فيه العلوم الاقتصاديّة، يقول القادري، يأتينا الدكتور حسن بوكرين ببحثٍ مفعم بالدقة العلميّة الحقيقيّة المتّكئة على قراءات تاريخيّة وفلسفيّة في سبر النظريّة التنمويّة. فدراسته “تشكّل عملاً ثوريّاً بكلّ معنى الكلمة غنيّاً بالزخم النظري والتركيبة الموسوعيّة التي تؤهّله ليكون كتاباً تدريسيّاً بديلاً للهراء النيوكلاسيكي الذي يُدرّس في جامعاتنا العربيّة”.

يستهلّ كتاب “السُّبل والمُنى في صناعة الفقر والغِنى” فصله الأول، بدراسة ظهور مؤسّستيْن رئيسيّتيْن وتطوّرهما: الدولة والسوق. فيعتبرهما مركز القوة في المجتمعات الحديثة، خلقهما الإنسان لكنّهما لا يمثّلان اكثر من أدوات يمكن استخدامها من جانب صانعيها لتحقيق أهداف وغايات محدّدة. ويرى أنّ دراسة نشوئهما كآليات ناظمة للعلاقات الاجتماعيّة، تسمح بفهم كيفيّة ظهور هاتيْن المؤسّستيْن. ويحاول أن يقدّم إجابة على السؤال المزدوج التالي: لماذا فكّر البشر في مجتمعاتهم المحليّة البدائيّة، في إنشاء دولة وسوق؟ وما هو الدافع والغرض من إنشائهما؟

يذكّر المؤلّف بأنّه في الدولة البدائيّة كان الزعماء والحكماء، بما يمثلون من سلطة أخلاقيّة ودينيّة وسياسيّة، يعملون على رعاية الأداء الجيد للنظام، وحماية أفراد مجتمعهم في أوقات الشدّة. لكن عندما توقّف القادة عن القيام بهذا الدور، أصبحوا مدافعين عن مصالح الطبقة الاقتصاديّة القويّة واحتفظوا لأنفسهم بنسبةٍ من الأرباح. ويشرح بوكرين، استناداً إلى الكثير من المراجع والأمثلة التاريخيّة، كيف تطوّر نظام إعادة التوزيع، وكيف برزت الطبيعة الطبقيّة لأصل الدولة باعتبارها تعبّر عن دولة الطبقة الأقوى والأكثر هيمنة اقتصاديّاً.

أمّا في ما يتعلّق بالنيوليبراليّة، فيرى أنّ المهمّ ليس تعريفها بقدر ما هو اقتراح بديل لها، ولذا، يدعونا الكاتب إلى تحليل أكثر منهجيّة من شأنه أن يكشف عن الأسس الفلسفيّة للنيوليبراليّة ومبادئها وأفكارها، وكيف تحولت هذه الأفكار إلى سياسات اقتصاديّة واجتماعيّة ملموسة “من خلال استخدام جهاز الدولة”.

يعرّف بوكرين النيوليبرالية بأنها نظام فكري يُمجّد الفردية ودور الاسواق، وتضم مجموعة من المثقفين الملتزمين والناشطين سياسياً الذين يهدفون حرفياً إلى الاستيلاء على المؤسسات (الوطنية والدولية) وإستخدامها لتطبيق افكارهم. وفي هذا السياق فهي ليست مجرد نظرية، وضعها أصحابها وخلدوا للنوم… بل عملوا على حشد التأييد لها، ونشروا أفكارهم، وأنشؤ شبكة تمويل، وتواصلوا مع أشخاص وسياسيين للعمل على تطبيق افكارهم وإجراء تغييرات في البنى الاجتماعية الحالية لتتوافق مع رؤيتهم لليبرالية، وصولاً إلى تحويل افكارهم إلى برامج التكييف الهيكلي التي يرعاها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بعد ان تم الاستيلاء عليها جزئياً أو كلياً من طرف المنظرين النيوليبراليين

ويبيّن، في هذا المجال، زيف النيوليبراليين من خلال نظرتهم العدائيّة لمفهوم المساواة، وتجسيدهم للجشع والأنانيّة والفرديّة، مستنداً ًإلى نصّ فريدمان في مقدّمة طبعة كتابه الجديدة “الطريق إلى العبوديّة”، فيقول: “إنّ هدف الليبراليّة هو هزيمة الإشتراكيّة والجماعيّة واي شكل من اشكال التنظيم الاجتماعي التعاوني والقضاء على اي برامج لمساعدة الآخرين لأنها تعني أن من يدفع الضرائب يدفعها مضطراً من أجل دعم هذه البرامج ومساعدة الآخرين، وهذا هو فقدان التحرر والحريّة.

وعند هذه النقطة، تدخل المساواة في صراع حادّ مع الحريّة، فيتوجّب على المرء أن يختار، ولا يمكن للمرء أن يكون على حدٍّ سواء مساواتيّاً، في هذا المعنى، ليبيراليّاً”. ويدحض الكتاب الفكرة التي تسعى النيوليبراليّة إلى الترويج لها باعتبار الأسواق حالةً مثاليّة للفرديّة، فيبيّن كيف أنّ حصص الدخل لفئتيْ الـ 10% و1% من السكان الأكثر ثراءً، قد ازدادت، في جميع دول منظمة التعاون والتنمية، على مدى فترة تطبيق النيوليبراليّة بين 1980-2012 . ففي الولايات المتحدة الأميركيّة، مثلاً، تمكّن 1% من الأكثر غنى من مضاعفة حصتهم من الدخل؛ فارتفعت من 10 % عام 1980 إلى 22.5% عام 2012. وأنّ الـ 10% الأغنى زادت حصتهم من الدخل الإجمالي

من 32% عام 1980 إلى 46% عام 2010. وفي كندا واليابان والمملكة المتحدة وصلت إلى اكثر من 40% في عام 2010.وفي المقابل نجد أنّ نسبة 10% من السكان الأكثر فقراً عرفت انخفاضاً في حصتها السلبيّة من -0.5% إلى -0.6 %. وتشير معطيات الديوان، إلى أنّ الزيادة في المديونيّة في جميع فئة الـ 20% الأدنى من مجموع السكان قفزت ديونها من 4.16 مليار دولار عام 1999 إلى 11 ملياراً عام 2012. اي بزيادة قدرها 160 % مع بقاء حصتهم بنسبة -0.1 % من إجمالي الثروة مقابل 67.4 % لأغنى 20 % من السكان.

الديموقراطيّة في الحكومة، قوة صنع السياسة

يرى بوكرين، أنّ مفهوم السيادة في المجال السياسي ليست سوى وسيلة لتحقيق المساواة في المجاليْن الاقتصادي والاجتماعي، وأنّ على السياسيين أن يكونوا على دراية بقضايا السياسات الاقتصاديّة والاجتماعيّة التي يجب أن يكون هدفها تحسين الرفاهية العامّة لجميع السكان، وأنّ مسؤوليّة الناس هي التأكد من أنّهم يحصلون، بالفعل، على الحكومة التي يستحقّونها.

يؤكّد المؤلّف أنّ السياسات الاقتصاديّة والاجتماعيّة ليست محايدة ايديولوجيّاً، ولا يمكن أن تكون كذلك، بحيث تمّ تصميمها، في الأصل، للحفاظ على مصالح الطبقة المسيطرة. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو ما إذا كان المنتخَب في البرلمان أو في السلطة التنفيذيّة يمثّل مصالح جميع الناخبين ويدافع عنها على قدم المساواة؟ ويعود إلى الإجابات التي قدّمها الاقتصادي جوزيف ستيغليتز الحائز على جائزة نوبل، والذي يشير إلى أنّ جميع أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي ومعظم أعضاء مجلس النواب هم، فعليّاً، من فئة الـ 1% الأعلى (لدى وصولهم)، ويتمّ الاحتفاظ بهم في السلطة من خلال المال. وهؤلاء يعرفون، أنّهم إذا خدموا جيداً نسبة الـ 1% (التي ينتمون إليها)، فسوف يكافؤون لدى مغادرتهم مناصبهم. ويعطي الكاتب مثالاً على ذلك، وهو تلقّي شركات الأدوية هديّة بقيمة تريليون دولار من خلال تشريعٍ يحظّر على الحكومة، وهي أكبر مشتري الأدوية، من المساومة على السعر! أمّا في عمليّة التمثيل السياسي، فإنّ “مجموعة المصالح” سيطرت على الحكومة؛ من وول ستريت، ومجمع الأمن العسكري، إلى الأعمال الزراعيّة، والصناعات الاستخراجيّة ومتبرّعي الحملات

الانتخابيّة، فهم من ينتخب مجلسيْ النواب والشيوخ، ويُعِدّ معظم مشاريع القوانين التي تُعرَض على الكونغرس الأميركي ويوقّعها الرئيس.

ويخلص إلى أنه لا يمكن الخروج من هذه الدوامة من دون اللجوء إلى الديمقراطية المباشرة من خلال عملية يقوم بها المواطنون بإتخاذ القرارات جماعياً في ما يتعلق بجميع الامور التي تهم مجتمعهم سواء على المستوى المحلي أو الاقليمي أو الوطني.

وإذْ يعتبر المؤلّف أنّ أغلبيّة الناس توافق بسهولة على التغيير والتحول إلى الديموقراطيّة المباشرة في المجال السياسي، غير أنّ هذا التحول لن يكون مستداماً إذا لم يُدمَج المجالان الاقتصادي والاجتماعي مع المجال السياسي. وفي هذا الإطار، يرى بو كرين أنّ هناك مجموعة من العمليات أدّت إلى سيطرة القلة على الاجتماع والاقتصاد والسياسة، يعرض لأبرز اثنتيْن منها كالآتي:

العمليّة الأولى، وتتمثّل بفرض حقوق الملكيّة القابلة للنقل، والتي شكّلت أمراً حاسماً في تأسيس نظام السوق وتعميمه، وبالتالي في تطور الرأسماليّة نفسها.

والعمليّة الثانية، فهي عبر خدعة “التوريق” التي لجأت إليها البنوك لتشجيع الأُسر الفقيرة وذي الدخل المتوسط على الحصول على قروض لشراء المنازل والسيارات والأجهزة الجديدة والسلع الاستهلاكيّة العاديّة. وتمت إعادة تجميع هذه القروض في أوراق ماليّة وبيعها في الأسواق الماليّة كمنتوجات جديدة على نحو ساهم في النمو الهائل والخيالي للثروة في القطاع المالي. وعليه، أصبح التحول نحو التمويل مسألة سهلة وذلك من خلال التواطؤ بين المصرفيين وملاّكي العقارات والنخبة السياسيّة.

الثروة الخاصّة والدين العامّ يجادل المؤلّف في العلاقة بين الثروة الخاصّة والدين العامّ، ويعتبر أنّ الثورات التي غيّرت وجه الشعوب عبر التاريخ، قد حدثت، جميعها، من أجل الحفاظ على اللامساواة أو القضاء عليه. وأنّ هذه اللامساواة تتزايد، فعلاً، بالتوازي مع تنفيذ السياسات النيوليبراليّة الموالية للسوق؛ إذْ اصبحت الثروة مركّزة، بحيث أنّ 80 شخصاً، فقط، يملكون ثروة توازي ما يملكه نصف السكان على وجه المعمورة، اي نحو 3.5 مليار شخص. ويعتقد أنّ السؤال الحقيقي المطروح الآن هو: هل لا نزال نرغب في تجربة اقتصاد السوق والديموقراطيّة البرلمانيّة على مدى قرنيْن آخرين، أم يجب البحث عن طرائق بديلة لتنظيم نظامنا الاقتصادي؟

وللإجابة على هذا السؤال المركزي، يقدّم بوكرين اقتراحه لتحسين رفاه جميع أفراد المجتمع، المتمثّل، وعلى خلاف الاعتقاد السائد، بتدخّلٍ أكبر للحكومة. حيث أنّ مصلحة القطاع الخاصّ –  والمجتمع ككلّ– هي في تطوير قطاعٍ عامّ قوي قادر، ليس على توفير القانون والنظام فحسب، وإنّما على تأمين الخدمات الاجتماعيّة والسلع العامّة الضروريّة للنمو والازدهار والمساواة.

مسألة أخرى بالغة الأهميّة يتطرّق إليها الكتاب، في هذا الصدد، وهي العلاقة بين الثروة الماليّة الخاصّة والدين العامّ، ما يدفعنا إلى الاعتراف بأنّ الزيادة في الدين العامّ تؤدّي منطقيّاً إلى زيادةٍ في الثروة الماليّة الخاصّة، من خلال تدفّق جميع المدفوعات التي يدفعها القطاع الحكومي، بالضرورة، كإيرادات وتمثّل ضخّاً للنقود في القطاع الخاصّ. وبالمثل، عندما تقوم الحكومة بجمع الضرائب، يفقد الوكلاء الخاصّون بعضاً من دخلهم، بحيث تسحب، عن طريق الضرائب، جزءًا من النقود من القطاع الخاصّ، ما يؤدّي إلى جعل الحكومة في حالة عجز. من الواضح ان القطاع الخاص سيكون أكثر فقراً إذا قررت الحكومة ان لا تكون في حالة عجز عن طريق سحب نقود أكثر مما كانت تضخه في الاقتصاد خلال فترة معينة.

والسؤال البديهي هنا، من أين تحصل الحكومة على الأموال؟ سابقاً، كانت تحصّله من صناعة النقود في البنوك المركزيّة، ولاحقاً بات تحصيله من خلال الدين العامّ.  

التوظيف الكامل مقابل الندرة

يُعتبَر مفهوم “الندرة” مفتاحاً رئيسيّاً للّيبيراليّة المحافظة، لجهة تبرير وتفسير آليات تحديد الأسعار في أسواق البضائع والخدمات والمستويات العالية في أسعار الفائدة وقيمة النقود وتوزيع جميع الموارد، بما يعفيها من إعطاء شرحٍ لمشكلة اللامساواة في توزيع الثروة والدخل، واستخدامها لتبرير كلّ العلل في المجتمع من جوع وسوء تغذية وتشرّد وأُميّة وكلّ مظاهر الفقر الأخرى.

ويرى المؤلّف أنّ التفسير الذي تقدّمه الليبيراليّة المحافظة يمكن استخدامه على مستوى الاقتصاد الجزئي، أمّا بالنسبة إلى الاقتصاد الكلّي، فإنّ الأمر مختلف وأكثر إشكاليّة، لكون الحكومة هي مصدر النقود وصانعته (من خلال مصرفها المركزي)، وليس لديها حدّاً ماديّاً لما يمكن خلقه، إذْ إنّ قيود الموازنة على الإنفاق الحكومي اعتباطيّة ومفروضة ذاتيّاً.

وعليه، تصبح البطالة مطلوبة ويتوجّب إبقاؤها من أجل إبقاء التضخّم تحت السيطرة، وتكشف وجهة النظر هذه، القساوة تجاه أولئك الذين يعانون الحرمان والفقر نتيجةً لعدم قدرتهم على الحصول على وظيفة.

ويشير المؤلّف إلى أنّ “مشكلتنا الاقتصاديّة” تكمن في البطالة وليس في التضخّم، ويتوجب على  الحكومات أن يكون لديها التزام قانوني لحلّها، وليس فقط التزاماً أخلاقيّاً.

ويُظهِر المؤلّف كيف أنّ الندرة انتقلت من المستوى المجتمعي إلى المستوى الفردي بعدما أصبحت عمليّة إعادة التوزيع غير متساوية، وعندما استخدم مَن هم في السلطة سلطتهم من أجل تحويل المزيد من الموارد إلى أنفسهم وإلى حلفائهم، وبالتالي حرمان باقي أفراد المجتمع منها وجعلهم ضحايا ندرةٍ مصطنعة. وبرأي الكاتب، تستخدم الدولة النيوليبراليّة التقشّف، اليوم، لتحقيق الهدف نفسه من خلال علاقات السوق التي تعتمد على العلاقات النقديّة، وإقصاء من لا يملكها.  ولأنّ مصدر النقد هو العمل، ولأنّ الحق في هذا العمل غير مضمون، تزداد درجة الندرة عندما يفقد الإنسان وظيفته.

أمّا بالنسبة إلى التوظيف الكامل، فيرى المؤلف أنّ اعتقاد مارتن فيلدشتاين بأنّ الاقتصاد الأميركي في وضعيّة التشغيل الكامل، استناداً إلى ارتفاع الأجور المتسارع، هو اعتقاد زائف. لأنّ وجود 15 مليون شخص على استعدادٍ للعمل لا يعني أنّهم يستطيعون الحصول على وظيفة، إلى جانب 6 ملايين شخص إضافي يعملون بدوامٍ جزئي لكنّهم يرغبون في العثور على وظيفة بدوام كامل. ومفهوم التوظيف الكامل لم يتمّ تحقيقه، وكان العمل جارياً على الدوام لتخفيض نسبة البطالة إلى حدٍّ ما، من دون القضاء عليها، باستثناء تجربة الصفقة الجديدة مع مؤسّس دولة الرفاه جون كينز في الولايات المتحدة الأميركيّة. ومنذ أوائل ثمانينيّات القرن الماضي، صار الاتجاه السائد في أسواق العمل الكنديّة والأميركيّة يتجلى بنموٍّ أسرع في التوظيف في المهن ذات الأجور العالية، العمل الكنديّة والأميركيّة يتجلى بنموٍّ أسرع في التوظيف في المهن ذات الأجور العالية، والمنخفضة مقارنةً بالمهن ذات الأجور المتوسّطة، الأمر الذي ضاعف من اللامساواة في توزيع الدخل.

يعتبر بوكرين، أنّ التوظيف الكامل ليس أمراً صعب الإنجاز إذا كان جزءًا من برنامج حكومةٍ تتحالف مع الطبقة العاملة، ويرى أنّ الهدف الشامل لاستراتيجيّة التوظيف الكامل لا يمكن أن يكون من خلال اعتبار الدولة الملاذ الأخير في التوظيف، لأنّ هذه الاستراتيجيّة لا تغيّر علاقة القوة بـ”سوق العمل”. وتتمثّل الاستراتيجيّة الناجحة للتوظيف الكامل، في عمليّة تغييرٍ في توزيع الدخل والثروة لمصلحة الطبقة العاملة، وأنّ أيّ محاولة لتحقيق التوظيف الكامل بأجورٍ متدنّية سوف تُبقي على بطالة ضخمة مقنّعة من شأنها أن تدفع الاقتصاد نحو الانكماش، وتوسيع فجوة اللامساواة.

ويمكن أن تلجأ الحكومة إلى هذا الخيار من خلال:

  1. التشجيع على إنشاء المؤسّسات الإنتاجيّة المملوكة من العمال والمساهمة في إنتاج بضائع مفيدة للاقتصاد والمجتمع، ويكون دورها حاسماً في تحقيق التوظيف الكامل والدائم من خلال الابتعاد عن المنطق الرأسمالي المبني على تعاظم أرباح المالكين واستخدام التقنيات المقتصدة في العمالة.
  2. احتفاظ الدولة لنفسها بشبكةٍ واسعة من المؤسّسات العامّة التي تُعتبَر ركيزة استراتيجيّة التوظيف الكامل، من خلال تركيزها الأساسي على توفير إدارة السلع العامّة والخدمات الاجتماعيّة إلى جانب العمل في الصناعات والقطاعات الأخرى.

ويخلص المؤلّف هنا، إلى أنّ الدول الصناعيّة المتقدّمة اختبرت استراتيجيّتيْ التدخّل والسوق الحرّة، وتبيّن أنّها ازدهرت في ظلّ تدخّل الدولة وشهدت سنواتها المجيدة، وتراجعت وأنتجت البؤس البشري عندما اصبحت قوى السوق غير مقيّدة. وأصبحت الندرة الاقتصاديّة مشكلة فرديّة، عندما انتُزِعت وظيفة توزيع الموارد بين أفراد المجتمع من قِبَل الجماعة وأنيطت بالأفراد الذين استحوذوا على الجزء الأكبر منها.

الابتكار، الملكيّة، والتقدّم

يرى المؤلّف أنّ للإبتكار تأثيراً كبيراً على التقدّم الاقتصادي. لكنّ السؤال يبقى عمّا يدفع للابتكار، وكيف يمكن استخدامه بنجاح لتحقيق التقدّم؟

يعطي البعض الأهميّة لمتطلّبات التمويل والعائد للمموّلين ورجال الأعمال، والبعض الآخر يعطون وزناً أكبر لدور الحوافز، للمخترعين المحتمَلين، من خلال نظام الملكيّة الفكريّة، وللمبادئ الاقتصاديّة الليبيراليّة، أيضاً، باعتبارها الدافع الحقيقي. وهم يغفلون أنّ الابتكار ليس وليد شخص واحد، وإنّما هو تراكم في المعرفة والبناء على تجارب مَن سبقوا، بمعنى أنّ الأفكار تُبنى اجتماعيّاً ويعاد تعريفها على مدى فترةٍ زمنيّة طويلة. كما أنّ هذه الاختراعات كانت، على الدوام، بتمويلٍ من الحكومات التي قامت، هي، بإنشاء مراكز البحوث واستثمرت في العلوم الأساسيّة، ودام هذه النوع من التدخّل لقرنيْن من الزمن، وتكرّر الأمر مؤخّراً مع عمليات إنتاج اللقاحات خلال جائحة كوفيد-19. أمّا ما يتّصل بمسألة الحقوق الفكريّة، فلم تكن مطروحة إلاّ في أوائل القرن التاسع عشر، أي مع ظهور إيديولوجيّة السوق الحرّة. وتثير مسألة تبنّي اختراعاتٍ، بعينها، ورفض أخرى، التساؤلات عن الدافع إلى ذلك؟

في إجابته على هذا التساؤل، يعرض بوكرين لخلاصات دراسته لعلاقات القوة بين الأفراد والطبقات الاجتماعيّة والأمم؛ وينقل في هذا الإطار تأكيد الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو أنّه لا يمكن دراسة علاقة القوة والمعرفة، بشكلٍ منفصل، حيث أنّ قواعد البحث والمعرفة العلميّيْن واتجاهاتهما وتطبيقاتهما التكنولوجيّة، إنّما يتم وضعها، كلّها، ضمن علاقات القوة هذه.

وإذا كان الابتكار هو مفتاح التقدم، ولكي يكون هدفه التقدم والحياة الافضل لجميع أفراد المجتمع يجب أن لا يترك لإهواء رواد الأعمال الباحثين عن الربح. بل يجب أن يكون الانتاج وتوزيع المعرفة أو نشرها مسؤولية إجتماعية ومهمة جماعية يجب أن تقوم بها الدولة ذات السيادة. يناقش المؤلّف في الفصل الأخير لكتابه، موضوع التخلّف الصناعي والتجارة الدوليّة والتمويل، فيرى أنّ الثورة الصناعيّة، وعلى الرغم من أهميتها واعتبارها لحظة حاسمة في تاريخ اوروبا، غير أنّ التطوّر التكنولوجي اللاحق مكّن الدول الأوروبيّة عسكريّاً، وكان حاسماً في التوسّع الإمبريالي. هذا في حين، اعتُبِر أنّ للتخلّف التكنولوجي، في أفريقيا وأجزاء اخرى من العالم، أسبابه التاريخيّة المرتبطة بفرض آليات التجارة والاستثمار على يد قوى الاستعمار التي أرست تقسيماً جديداً للعمل يقوم على إنتاج المواد الخام والمواد الغذائيّة من أجل المراكز الصناعيّة.

ومن جهةٍ اخرى، يعزّز المؤلف وجهة نظره بأهميّة دور الدولة من خلال النموذج الكوري الجنوبي حيث لعبت الدولة الدور الحاسم في عمليّة تحديد أهداف التصنيع وإدراج الأدوات التي سيتمّ استخدامها وتحديد الفترة الزمنيّة اللازمة لتحقيق هذه الأهداف. وقد سيطرت على النظام المصرفي وقامت بوضع تعرفة جمركيّة لحماية الصناعة الوطنيّة، إلى جانب تشجيعها على البحث والتطوير من خلال إنشاء الأطر اللازمة لها.

أمّا بالنسبة إلى قوة التمويل في فرض نظام التجارة الدوليّة، والمُعبَّر عنه بميزان المدفوعات الذي يشهد دائماً عجزاً في الدول النامية، فشكّلت شروط التجارة الخارجيّة الحجّة المركزيّة لمدرسة التبعيّة، كي تفسِّر أسباب إعاقة محاولات التنمية. وتمّت إعادة تأكيد هذه المسألة، في بداية القرن الواحد والعشرين، من قِبَل دراسة للأمم المتحدة، وهكذا علّقت معظم الدول النامية في أزمة الديون السيئة السمعة.

التصنيع والأزمة البيئيّة

يترتّب على النشاط الصناعي، عند صنع البضائع والخدمات واستخراج الموارد من باطن الأرض، اللجوء إلى التكسير الهيدروليكي. في كتاب “السُّبل والمُنى في صناعة الفقر والغِنى”، يجادل الكاتب حسن بوكرين رأس المال، ويعتبره من الملوّثات الخارجيّة ذات التكلفة على المجتمع، والتي يتوجّب النظر إليها كجزءٍ من الحياة. أمّا استخدام المواد الكيمائيّة السامة، التي تزيد من الإنتاج، فلا يمكن اعتبارها “خارجيات”، كما أنّ استخدام الطاقة الناتجة عن احتراق الأخشاب، فلقد قضى على غاباتٍ بأكملها، بينما أثّر استخدام الفحم الحجري سلبيّاً، وبشكلٍ كبير، في التلوّث وعلى نوعيّة الحياة. لقد تناول العديد من الكُتّاب ظاهرة الارتفاع الهائل في انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون (من مستوى 200 مليار طن متري إلى 400 مليارمتري في الفترة ما بين 1982 و2010، في حين أنّ وصولها إلى 200 مليار متري قد استغرق حوالى 230 سنة).

وعلى الرغم من اتساع مساحة القناعة بالاقتصاد الأخضر، إلاّ أنّ ممثّلي حكومات الدول الأقلّ نمواً يجادلون، مثلاً، في أنّ تغيير المناخ ليس خطأهم، ويتّهمون الدول الغنيّة بركل السلم بعيداً (أي منع الفرص عنهم).  يعتبرون أنّ سياسات هذه الدول جزءًا ممّا يُسمّى “ديون المناخ” أو “الديون الإيكولوجيّة” التي يجب على الدول الصناعيّة دفعها في مقابل الأضرار التي ألحقتها بالشعوب والمجتمعات.

كلمة أخيرة. مؤلَّف حسن بوكرين هو، بلا ريب، عمل أكاديمي وبحثي بالدرجة الأولى، لكن يمكن اعتباره عملاً مرجعيّاً لكلّ دارسي الاقتصاد السياسي والتنمية، وللمناضلين العاملين من أجل تطوّر مجتمعاتهم ومساعدتها على الخروج من حالة التبعيّة والتخلّف.  

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s