الفنان عبد الباسط عزوز يكتب:”مولانا .. الشيخ امام عيسى .. في ذكراه .. “

مولانا .. الشيخ امام عيسى .. في ذكراه ..

كليمتين كتبتهم في الـ blog عام 2009 ..منين كان كلمة “مدوّن” عندها قيمة .. ديجا تو تلقو في الاخر إشارة الى محاولة الانقلاب اللي حاول يعملها بن علي في نقابة الصحفيين وقتها ..وسط تعتيم اعلامي كبير طبعا.

الشيخ إمام عيسى / عندما يتداخل تاريخ فرد مع تاريخ بلده

سألت شيخ الطّريقه ** ما رضيش يجاوب سؤالي

و دارى عنّي الحقيقه *** و فاتني حاير في حالي

سألت شيخ الأطبّا *** دوا الجراح اللي بيّ

نظرلي نظرة محبّه *** و قال دوايا بإيديّ

الشيح امام حمادة عيسى ، من مواليد 1918 في قرية ابو النّمرس

مرض بالرّمد و هو مازال ما غلقش العام ، عملولو خلطة متاع روث البهايم و حطّوهالو في عينيه

ياخي عمَى

و التقليد اللي كان سايد هو انّو اغلب العايلات اللي اولادهم يتصابو بالعمى ، يحفّطوهم القرآن و يعلّموهم تلاوتو باش يقروه في المقابر على الاموات مقابل بعض الاموال ، و كانت هاذيكه تعتبر صنعه علّموهالهم

بدا يتعلّم في القرأن ، و أبدى موهبة كبيرة في الحفظ و التجويد و امتلاك فنون الأداء الجميل للموشحات و المدحيات ، و كيما نعرفو اللي الموسيقى ، و في أغلب الحضارات و الثقافات ، تتولد و تترعرع في رحم الطقوس الدينية ، (الكنيسة هي اللي كانت محتضنة الموسيقى من خلال القدّاسات و الترانيم ، و بالنسبة للشرق ، الموسيقي كان يلزمو يمرّ بالتلاوة و التجويد و المدحيات الخ …)

رحل من قريتو باش يشتغل قارئ للقرآن و مقيم شعائر و منشد و ومؤذّن و مغني في الافراح و حفلات الختان

القرية هي رحم الحياة في مصر ، تشوفها نائية و بعيدة في اطرف الجبل ، و بعيدة على الحضارة ، لكن تلقى اهلها و الناس اللي متربّين فيها ماخذين جرعات كبيرة متاع قيم و انماط حياة تبقى محفورة

في القرية المصرية كان للعجّز و العميان خاصة ، مكانه خاصة في قلوب اهل القرية ، يحيطوهم بنوع من القداسه نظرا لاعتقادهم اللي هوما أقرب لله ، و انّو الله يحيطهم برعايتو اكثر من لخرين

دخل لـلـ “جمعية الشرعية” و الجمعية الشرعية هاذي كانت مؤسسه تتقصّى المواهب و اصحاب الصوت الجميل في التلاوة و التجويد ، و تأهيلهم و الاستفادة منهم في تنظيم الحفلات الدينية ،

لكن ما بقاش في الجمعية هاذي على خاطر وقع طردو منها بعد ما فاجؤو احد المسؤولين متاعها متسلّل باش يستمع الى الراديو اين كان يؤذّن الشيخ محمد رفعت و يرتل القرآن

طرّدوه على خاطر الى الراديو حرام حسب الجمعية الشرعية هاذي

بقى يجوب في الحارات الى ان وجد نفسه في حارة اسمها “حوش قدم “، كان فيها موسيقي اسمو درويش الحريري ، تعلّمو عليه الموسيقيين متاع بكري الكل محمد عبد الوهاب / القصبجي …الخ

اعجب بيه زكريا احمد ، و دخّلو للمجموعه الردّيده متاعو ، يعني الكورال

لكن عمّك الشيخ كان بعد ما يحضر للبرايف و التمارين متاع اغاني زكرياء احمد لام كلثوم و يحفظهم ، يخرج بكل اندفاع و طيش متاع مراهقين ، يغنّيهم لاصحابو في القعدات ، يعني يحرقلو الفيلم ، زاد وقع طردو من فرقة زكريا ، و هو ولد 16 سنه

رجع للغناء بمفردو في الافراح و قراءة القرآن المآتم و التواشيح في الموالد و المناسبات الدينية و التقليدية

الفترة اللي عاش فيها الشيخ امام طفولتو و شبابو هي فترة مصر مابين ثورتين : ثورة 1919 اللي ما انجزتش برنامجها و مهماتها في التحرر الكلي ، و وقت اللي بقوا الناس عندهم تطلّع لهاك الاحلام اللي اجهضت في 1919 ، جات حركة يوليو 52 العسكرية تعبّر على مطامح برجوازية صغيرة حالمه تفتقر للرؤية السياسية المتكاملة و الناضجة ، و تفتقر للارضية الجماهيرية ، مما باش يخلّيها تطيح في مآزق كبيرة ما كانتش مجهّزتلها نفسها مليح (اعتداءات من الخارج ، و اصوات مطالبة بالحريات من الداخل و غيرو …) و كيما ايّ حركة مسقطه و لا ديمقراطية ، قدّامها حاجتين : يا تفسح المجال للاحزاب و البرامج الاخرى لتسلم الدفّة ، يا تحكم قبضتها بالعنف ، و هاذا اللي وقع ، حيث عاشت مصر في حكم عبد الناصر فترة و إن تميّزت بمناهضة حقيقية للاستعمار و اعوانو ، لكن كانت فترة حالكة في مستوى الحريات ، و كانت اكثر فترة امتلأت فيها السجون بسجناء الرأي ، و اكثر فترة صدرت فيها القوانين المقيّدة للحريات و منع الاحزاب …الخ

لكن المفارقة انّو رغم هاذاكه ، كان عبد الناصر يحظى بالتفاف جماهيري ، لعدة اسباب يطول شرحها ، ابرزها امتصاص الغضب بفعل الجوع و الفقر و حالة الاحتقان الناتجة على الكبت السياسي ، و توجيهو الى العدوّ الخارجي من خلال مهرجانات خطابية تحريضية حماسية

دقّــّـقت شويّة في الفترة هاذيكه ، على خاطر هاذيكه هي المفارقه اللي انتجت ثنائي كيما نجم /الشيخ

نجم ، ما خطى ما خدم ، كوّاء..كوّارجي.. بائع ..بنّاي .. خيّاط . و علم روحو القراءة و الكتابة و بدأت معاناته الطويلة تكتسب معنى. واشترك في المظاهرات متاع 46 و من وقتها بدا يتشكّل فيه الشاعر المثقف المنحاز الى الفئات المضطهدة

نجم : نموذج الشاعر المثقف اللي كانت رؤيتو للتغيير و للبناء أشمل من رؤية مجموعة عسكرية تتقن الخطابات و لا تتقن الحرب ..

و الشيخ : ابن القرية المتشبّع بقيمها ، المصدوم عدة مرات ، المدمّر ، الفقير ، النحيف ، كل هاذا أوجد فيه استعدادات الى انّو يحارب الطّغاة ، بالاغنيات ..

كانت أغنية “بقرة حاحا” عبارة على محطّة هامة و بداية مرحلة جديدة في الغنا تتميّز بإحراج النظام ، زادت عليها هزيمة 1967 اللي دفعت المثقفين و السياسيين اللي كانو متضررين من حالة الكبت و الاقصاء، يتوجّهو ،و بكل حدّة ، بأصبع الاتهام الى النظام و تحميلو مسؤولية الهزيمه ، باعتبار انّو لا يمكن لجندي مهزوم في الداخل ان ينتصر في قتال عدو الخارج

و من وقتها انخرطو في سلسلة من الاغنيات المحرجة اللي حبّو من خلالها يقولو للنظام : انت حاطط ايدك على كل شي ، و مانع الناس الاخرى من المشاركة ، و النتيجة شنوّة ؟؟ هزيمه في الخارج ، و مزيد من المعتقلات في الداخل

بالطبيعه ما كانش للاغاني هاذي انّها تـُـقابـَـل بالتهليل و الورود ، بل اصبح السجن و المعتقلات تقريبا ، هي المكان الطبيعي للشيخ و نجم كل بعد حفلة ، و الا كل بعد إصدار شريط

و بالطبيعة ، على المستوى التقني ، يمكن يمشي في بال البعض من اللي ما عندهمش فكرة كبيرة على التجربه هاذيكه ، اننا نحكو على البومات و شركات تسجيل و غيرو ، لا ، تسجيل الاغاني كان يتمّ في منزل واحد منهم باساليب اكثر من عادية حتى انّك و انت تسمعلو في بعض الاغاني ، تسمع الصياح متاع صغار يلعبو في الحومه ، و الا صوت باب الجيران يدقّ

… و الشريط هاذاكه هو اللي تتنسخ منّو مئات النسخ ، بشكل سرّي لانو يعتبر من الممنوعات

ام في المستوى الموسيقي ، فإن موسيقة الشيخ امام كانت تتميّز بازدواجية حلوّة و عفوية ، حسب رايي المتواضع

من ناحية ، و باعتبار المدرسة الكلاسيكية اللي تتلمذ عليها الشيخ امام ، نلقو الجملة الطربية ، الموّال ، التركيبة

التناظرية

(symétrique)

اللي كان مشهور بيها زكريا احمد ، يعني كان الشيخ ملتزم بالقوالب الغنائية اللي استوعلهم على يد اساتذتو التقليديين

و من ناحية اخرى ، كان محتوى النصوص اللي يغنيها يفرض عليه احيانا الافلات من الجمل التقليدية الجاهزة و المعلّبة الى اشكال تعبيرية اخرى اكثر وفاء لتلك المضامين السّاخرة و الغاضبة ، فتلقاه يعبّر بصوتو بطريقه مختلفه و جديده

مثلا

يتضاحك اثناء الغناء ، وقت اللي يقول : ده انت ح تضحك لما تموت … توت حاوي حاوي توت ، اللي يحكي فيها على فترة الانفتاح اللي انتجت طبقة من المقاولين في كل شيء ، في حين انهم منذ زمن ليس بالبعيد كانو لا شيء .. هذا و كأنّ العملية ضربة ساحر “حاوي” كيما يقول هو..

يسخر من زيارة فاليري جيسكار ديستـ(ان) لمصر ، باعتماد اللعب على الـ

(l’intonation)

اللي موجوده في الاسم : “دستـ(ــان)”

فاليري جيسكار دستان

و السّت متاعتو كمان

ح يجيبو الصيد من ذيلو

و يشبّع كل جيعــان

مثال اخر

الايقاع المتهادي البطيء ، إيقاع على مشية واحد يجر في أذيال الخيبه وراه ، و اللي هو الايقاع اللي عمل عليه غناية

الحمد للّه خبّطنا

تحت باطاتــْـنا (الباطات هي الضّبـابط)

يا محلى رجعة ضبّاطنا

من خط النار

***

يا اهل مصر المحميه

بالحراميه

الفول كتير والطعميه

والبر عمار

والعيشه معدن واهي ماشيه

اخر اشيا

مادام جــَنابو والحاشيه

بكروش وكتار

***

ح تقول لى سينا وما سيناشي

ما تدُوشــْـناشي

ما ستــّـميت اوتوبيس ماشى

شاحنين انفار

ايه يعني لما يموت مليون

او كل الكون

العمر اصلا مش مضمون

والناس اعمار

***

الحمدلله وأهي زاطت

والبيه حاطط

في كل حته مدير ظابط

وإن شالله حمار

ايه يعني فى العقبه جرينا

ولا ف سينا

هى الهزيمه تنســّــينا

اننا احرار

***

ايه يعني شعب ف ليل ذلة

ضايع كله

دا كفاية بس امـّا تقول له:

احنا الثوار

الحمد الله ولا حـَوْلا

مصر الدّوله

غرقانة فى الكدب عـَـلاوْلـَه

والشعب احتار

***

وكفايه اسيادنا البـُـعـَدا

عايشين سُعـَـدا

بفضل ناس تملا المعده

وتقول اشعار

اشعار تمجد وتماين

حتى الخاين

وان شا الله يخربها مداين

عبد الجبار

*****

تلك الاغنية الشهيرة اللي اعتبروها شماتة في المؤسسة العسكرية المنهزمه ، و اللي بسببها دخل للسجن بأمر رئاسي من عبد الناصر اللي قاللهم : هاذا مادامني انا حي ، ما يخرجش من الحبس

البوليفوني (تعدد الاصوات) اللي في أخر غناية “الفلاحين” اللي ما تنجّم كان توحيلك بانتفاضة جماعية عارمه ، علما و انّها البوليفوني ، كيفها كيف الهارموني و الكونتربوان ، هي تقنية موسيقية غربية كلاسيكية سنفونية ، ما نيش باش نكسّرلكم روسكم بشرحهم هنا ، اما فقط حبيت نذكر من خلالهم موهبة الشيخ في الاستفادة من دايرتو السمعية ، رغم تقليدية و محلّية تكوينو الموسيقي

اللمسات الرومنسية الوجدانية اللي في غنايات كيما

انا اتوب عن حبّك انا ؟

انا ليّ ف بعدك غــِـنى ؟

ده انا باترجّاك .. الله يجازيك

يا شاغلني معاك .. و شاغـلني عليك

و ان غبت سنة .. انا بردو انا

لا اقدر انساك .. و لا لــيّ غــِنى

و انا اتوب عن حبّك انا ؟

و الا كيما

حلّو المراكب مع المغرب و فاتوني

عالشّط واقف بلا مركب و نسيوني

ساعتها قلبي شـَـهـَـقْ

يشهد عليه الشـّـَـفـَـقْ

بيني و بينك بحور الغربه .. يا داري

يا ناري ..يا ناري ما تطفي البحور ناري

و الطير ده مين هـَـشـّو؟

هالريح بــَــنـَـى عشـــّو

يا عود ريحان اخضر.. و الغربه بتهشّـــو

و غيرها من الاغاني ذات المضامين الوجدانية و الوجودية اللذيذه و البعيدة على التحريض السياسي

التنوّع الايقاعي في ملحمة “قيفارا مات” اللي تتراوح بين الايقاع الجنائزي في مقطع :”عيني عليه ساعة القضا من غير رفاقه تودّعـو” و بين الايقاع العسكري الحازم (المارش) في مقطع : يا شغّالين و محرومين.. يا مسلسلين رجلين و راس ” من نفس الاغنية

يعني باختصار ، اللي سامعين الشيخ امام مليح ، اكيد يتفطّنو للمــَـواطن اللي كان يطوّع فيها الموسيقى للمضمون ، بشكل تعبيري متقن

و على وقع الاحداث اللي تشهدها الساحة و محاولة الانقلاب في نقابة الصحفيين هالنّهارين ، نحبّ نهديلكم الغناية هاذي اللي كتبها نجم و غنّاها الشيخ ردّا على الاديب و الاعلامي يوسف السباعي (وزير الثقافه) اللي كان يمثّل مثقف السلطه و مبرّر أزماتها بامتياز

يا واد يا يويو يا مــْــبرّراتي

يا جبنة حادقة عــَـلى فول حـِراتي

آسـْـتـِـيـك لسانك

فارد .. ولامم

حَسـَـب الأبيــّح.. يا مهلــّــَباتي

***

يا واد يا يويو.. يا مهلــّــبية

فوق الصّواني

سايحة و طريّة

في كل جلسة

تلبس قضية

و تخيل عليها .. يا مشخّـصاتي

يا واد يا يويو يا مبرراتي

***

حسب الوظيفة ..وانت و شطارتك

تظهر حلاوتك.. تظهر مرارتك ..

لو خفضوك ..ترتفع حرارتك

لو صعـّدوك .. تنقلب جيلاتي

يا واد يا يويو يا مبرراتي

***

و بالمناسبة و انت اللي أدرى

كان لك تحفــّـظ على المبادرة

ليه النهاردة بترش بــُـدرة

يا ابن الأبالسة يا ملظــّـفاتي

يا واد يا يويو يا مبرراتي

و في النهاية لك عندي كلمة

آخر طريقك زحل و ضلمة

حــِـيث ان آخر القرع ضلمة

يا اما كفتة طرية من عند العجاتي

يا واد يا يويو يا مبرراتي

اغنية يا واد يا يويو

كليمه اخيرة

من الايجابي الانفتاح على جميع الانماط الموسيقية و الغنائية و الفنية ، و من الايجابي اخذ تجارب الشعوب و ابداعاتها مأخذ الجدّ ، لانّها الكلّها تصبّ في مصب واحد ، مراكمة التجارب الانسانية من اجل غد اجمل .. و اكثر اشراقا و اكثر حرّية .. لبني الانسان

انا نرى اللي هو أولى بالمسلسلات و الافلام من غيرو ، على خاطر موش من الساهل باش يتداخل تاريخ فرد مع تاريخ بلد ، في شخص واحد اسمو : الشيخ امام حماده عيسى

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s