تشومسكي: دون دعم أمريكي، لما كانت اسرائيل قادرة على القتل الجماعي للفلسطينيّين

حوار: سي جي بوليكرونيو| ترجمة: فراس زريق – صحيفة”الاتحاد”21-05-2021

تحاول الحكومات الإسرائيلية المتتالية منذ سنوات تطهير مدينة القدس عرقيًا من الفلسطينيين وإخراجهم منها، والجولة الأخيرة من الهجمات الإسرائيلية تصبّ في نفس ذاك الهدف.

ولكن من أجل فهم جذور التصعيد الحالي – والتهديد بحرب شاملة – علينا بحث السياسة الإسرائيلية المتجذرة والمدعومة أمريكيًّا باستخدام استراتيجية “الترهيب والتهجير” كمحاولة لتوسيع حدودها، من خلال قتل الفلسطينيين وتهجيرهم، يقول نوعام تشومسكي، في مقابلة حصرية ل”تروث آوت”. 

تشومسكي – بروفسور علم اللسانيات واللغات المبجّل  في جامعات أريزونا وبروفسور فخري في جامعة MIT – يُعتبر من أكثر المحلليّن المخضرمين عالميًا لما يسمّى بالصراع الفلسطيني – الإسرائيلي وسياسات الشرق الأوسط عامةً، وهو أحد الأصوات الرائدة في النضال لتحرير فلسطين. ولديه العديد من المؤلفات حول الصراع منها “عن فلسطين”، “التحالف المصيري: أمريكا، إسرائيل والفلسطينيين” و “غزة في إنهيار”.

المحاور: “نوعام، أوّد أن أبدأ بسؤالك عن سياق الهجوم الإسرائيلي على الفلسطينيين في مسجد الأقصى خلال الاحتجاجات على إخلاء حي الشيخ جرّاح، ومن بعدها الهجوم الجوي والقصف على غزة. ما الجديد؟ ما القديم؟ وإلى أي مدى تتعلق هذه الجولة الجديدة من العنف الإسرائيلي النيو-الكولونيالي بقيام ترامب في نقل السفارة الأمريكية إلى القدس؟”

تشومسكي: “دائمًا ما يكون هنالك تطورات وانعطافات جديدة، لكن بالجوهر فالقضية قديمة، تعود لقرن من الزمن للوراء، لكنها أخذت شكلًا جديدًا بعد احتلال اسرائيل للضفة الغربية عام ١٩٦٧، وقرار الحزبين الأكبر في اسرائيل قبل خمسين عامًا، باختيار التوسّع، على حساب الأمن والاتفاقيات الدبلوماسية – معتمدين بذلك على دعم أمريكي مادّي ودبلوماسي مصيري كامل.

النزعة الطاغية في الحركة الصهيونية اليوم، هي في الواقع هدف واضح وبعيد المدى. بالصياغة الفظّة، الهدف هو تخليص الدولة من الفلسطينيين واستبدالهم بمستوطنين يهود باعتبارهم “المالكين الشرعيين للأرض” العائدين إلى وطنهم بعد الاف الأعوام في المهجر.

في البداية، اعتبر البريطانيّون عندما كانوا مسؤولين عن أرض فلسطين، هذا المشروع كمشروع عادل. راهن اللورد بلفور – كاتب الوعد الذي يعطي اليهود “وطنهم القومي” في فلسطين – بذكاء على البوصلة الأخلاقية للطبقة العليا في الغرب عندما أعلن أن “الصيونية، إن كانت على خطأ أو صواب، جيدة أو سيئة، فهي متجذّرة في تراث طويل الأمد، وفي حاجيات آنية، وآمال مستقبلية، ذات أهمية أعمق بكثير من رغبات ٧٠٠,٠٠٠ عربي يقطن هذه الأرض العريقة”. هذه النزعات ليست بغير مألوفة. السياسيات الصهيونية منذ ذلك الحين باتت انتهازية. فكلمّا تسنح الفرصة، تتبنى الحكومة الإسرائيلية والحركة الصهيونية بأكملها استراتيجيّات الترهيب والتهجير. وعندما لا تسمح الظروف بذلك، فإنها تستخدم وسائل أقل خشونة. قبل قرن من الزمن، كانت الحيلة بناء برج مراقبة وجدار، والذي يتحول بسرعة بعد ذلك إلى مستوطنة، وواقع على الأرض. الواقع الموازي اليوم هو طرد وتهجير حكومة إسرائيل للفلسطينيين من بيوتهم التي يعيشون بها منذ أجيال – مع لمسة قانونية، من أجل تدجين ضمير “أصحاب الأرواح الجميلة”. (كناية عن اليسار الليبيرالي الصهيوني).

طبعًا، حتى أسخف الذرائع القانونية لتهجير الفلسطينيين (مثل قوانين الطابو العثمانية وغيرها) هي عنصرية ١٠٠٪. لا توجد أدنى نية في إعطاء الفلسطينيين حقوقهم بالعودة إلى بيوتهم التي طردوا منها، أو حتى الحق في البناء على ما تبقّى منها.

إحتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية (والمصرية والسورية) عام ١٩٦٧ جعل نموذج النكبة، نموذجًا واردًا للتطبيق في الأراضي المحتلة جديدًا، في خرق فاضح ومعيب للقانون الدولي، وذلك حسب ما أخبرت السلطات الاسرائيلية القانونية العليا القيادات الإسرائيلية بعد الاحتلال مباشرةً.

قام التغيير الجذري في العلاقات الإسرائيلية – الأمريكية بتسهيل هذه المشاريع الجديدة في حينه. فقبل ١٩٦٧ كانت العلاقات حميمة لكن غامضة ومبهمة. بعد حرب ١٩٦٧بلغت العلاقات درجات غير مسبوقة من الدعم الأمريكي لدولة أجنبية حليفة أو عميلة.

كان الإنتصار الإسرائيلي عام ١٩٦٧ بمثابة هدية كبيرة لحكومة الولايات المتّحدة الأمريكية. فقد كانت في حينه حرب فكرية مشتعلة بين الإسلام السياسي المتطرف المتمثّل في المملكة السعودية وبين القومية العلمانية المتمثلة بمصر جمال عبد الناصر.

مثل بريطانيا من قبل، فضّلت الولايات المتّحدة الإسلام المتطرّف حليفًا لها، والتي اعتبرته أقل تهديدًا على سيطرتها الإمبريالية في المنطقة. قامت إسرائيل بتدمير القومية العربية العلمانيّة.

لقد أذهلت براعة إسرائيل العسكريّة قيادات الجيش الأمريكي منذ عام ١٩٤٨، وأكّد انتصار ١٩٦٧ أنّ كيانا عسكريا إسرائيليا سيكون بمثابة قاعدة ثابتة للقوة الأمريكية في المنطقة – بالإضافة لخدمات أخرى مهمة دعمًا لمطامع الولايات المتّحدة الإمبريالية خارج المنطقة والتي تمثّلت بالإتّكاء على ثلاثة أركان: إسرائيل، المملكة السعودية وإيران (تحت الشاه).

نظريّا، كانت جميع هذه الدول في حالة حرب مع بعضها البعض، لكن في الواقع كان تحالفها حميمًا، خصوصًا بين إسرائيل وبين الطاغية الإيرانية المجرمة.

في السياق العالمي، لطالما كانت إسرائيل حرّة في إتّخاذ سياساتها المستمرّة حتى اليوم، بدعم كبير ودائم من الولايات المتّحدة، على الرغم من بعض قرارات الإستياء المتفرّقة هنا وهناك.

 إنّ الهدف السياسي الطارئ والآني لحكومة إسرائيل هو بناء “إسرائيل الكبرى”، بما في ذلك توسّع كبير لمدينة القدس، محيطة بذلك القرى العربية في تلك المنطقة من كل الجهات؛ وغور الأردن، التي تشكّل جزءا كبيرا من الأراضي الزراعية في الضفة الغربية؛ ومدن مركزية بداخل عمق الضفة الغربية، وتهويد المنطقة من خلال مشاريع بنى تحتية تدمج هذه المناطق مع إسرائيل.

المشاريع البنيوية تتجاوز التجمّعات والمدن الفلسطينية كنابلس مثلًا، وذلك من أجل صدّ الخطر المفزع المعروف باسم “الخطر الديموغرافي” حسب القيادات الإسرائيلية: والذي يتمثّل بوجود الكثير من غير اليهود في “الدولة اليهودية الديمقراطية” ل”إسرائيل الكبرى” – تناقض لغوي سفسطائي تزداد صعوبة هضمه مع مرور كل سنة أكثر وأكثر. 

الفلسطينيّون في “إسرائيل الكبرى” محصورون في ١٦٥ مقاطعة، يفصل بينهم وبين أراضيهم وبساتينهم عسكرٌ عدائيٌّ، وهم معرّضون إلى خطرِ هجومٍ دائم من العصابات اليهودية المحميّة من الجيش الإسرائيلي.

في هذه الأثناء، استوطنت إسرائيل وسيطرت على أراضي الجولان السوري المحتلّ في خرق لأوامر وقرارات مجلس الأمن (كما فعلت في القدس). أمّا قصة الرعب في غزة فهي معقّدة لدرجة يستعصي سردها هنا. إنّها أحدى أسوأ الجرائم المعاصرة في يومنا، مكتنفة بشبكة كثيفة من الخداع والتضليل وتجميل الأعمال الوحشية الإسرائيلية.

لقد تجاوز ترامب سابقيه في تزويد رعاية مجّانية للجرائم الإسرائيلية. إحدى أهم مساهماته كانت في تنسيق وتشكيل “معاهدة إبراهيم”، والتي شكّلت اتفاقيات ضمنية صامتة طويلة الأمد بين إسرائيل ودكتاتوريّات عربية متعددة. قامت هذه الاتفاقيات بتحرير القيود العربية المحدودة أصلًا عن عنف إسرائيل وتوسّعها الكولونيالي.

لقد كانت هذه الاتفاقيات عنصرًا أساسيًا لرؤيا ترامب الجيو-استراتيجية: تشكيل تحالف رجعي لدول دموية قامعة، تُدار من واشنطن، وذلك يشمل حكومة بولسانيرو في البرازيل، حكومة مودي في الهند، خكومة أوربان في هنغاريا وغيرهم على شاكلتهم. أمّا الجانب الشرق أوسطي – شمال أفريقي فيتكئ على الطغيان الشنيع  للسيسي في مصر، والآن بعد هذه الاتفاقيات، يشمل أيضًا العائلات الدكتاتورية الحاكمة في المغرب حتى الإمارات والبحرين. تقوم إسرائيل بتزويد القوة العسكرية، مع وجود الولايات المتّحدة بالخلفية المباشرة.

تُحقِّق معاهدة إبراهيم هدفًا آخرًا لترامب: وضع تحت مظلة واشنطن المناطق الأساسية للموارد الضرورية لتسريع سباق الكارثة البيئية، القضية التي كرّس ترامب وفريقه أنفسهم لها بحماسة مثيرة للاهتمام. وهذا يشمل المغرب، التي تملك احتكارا شبه كامل على الفوسفات – الضروري للزراعات الصناعية التي تدمّر التراب وتلوّث الهواء. ومن أجل تقوية وتحسين الاحتكار المغربي، قام ترامب بالاعتراف الرسمي باحتلال المغرب الدموي وغير القانوني للصحراء الغربية، والتي بدورها تملك أيضًا موارد الفوسفات. 

من المثير للاهتمام، أنّ تشكيل هذا التحالف الرجعي لأكثر الأنظمة عنفًا وقمعًا ورجعية في العالم، قد لاقى التصفيق الحارّ والاستحسان على مدى واسع من الآراء.

حتى الآن، قام بايدن بالسيطرة على تلك البرامج. لقد ألغى الوحشيّة الحادّة للترامبيّة، كقطع شريان الحياة الرفيع لقطاع غزة بسبب، كما فسّر ترامب، أنّ الفلسطينييّن لم يكونوا ممتنّين له كفاية على تدميره لطموحاتهم العادلة. لكن عدا ذلك، فإنّ الإرث الإجرامي الذي خلفه الثنائي ترامب-كوشنير ما زال كما هو، إلا أنّ بعض المحللين للمنطقة يعتقد أنّ هذا الإرث سيترنّح مع استمرار الهجمات الاسرائيلية على المصلّين الفلسطينيين في مسجد الأقصى، ومع الممارسات القمعية الأُخرى الناشطة لإسرائيل.”

المُحاور: إن المستوطنات الإسرائيلية فاقدة للشرعيّة القانونية، لماذا إذن تستمرّ الولايات المتّحدة في تزويد الدعم لإسرائيل خرقًا للقانون الدولي والأمريكي، ولماذا لا يضع المجتمع التقدمي اهتمامه على هذا الخرق للقانون؟

تشومسكي: “إنّ إسرائيل باتت تعتبر عميلًا ذا قيمة عالية للولايات المتّحدة، منذ استعراضها لمهاراتها الكبيرة في العنف عام ١٩٦٧. القانون ليس عائقًا. لطالما كان لحكومات الولايات المتّحدة المتعاقبة موقفًا متعجرفًا تجاه القانون الدولي، ملتزمةً بذلك بمعايير ممارساتها الإمبرياليّة. خذ المثال الأكبر: الدستور الأمريكي ينصّ على أنّ المعاهدات التي تشمل الولايات المتّحدة هي “القانون الأعلى للأرض”. المعاهدة الأساسية بعد الحرب العالمية هي ميثاق الأمم المتّحدة والذي يمنع “التهديد أو استعمال القوة” في العلاقات الدوليّة (مع استثناءات غير متعلّقة). هل يمكنك التفكير برئيسٍ واحدٍ لم يخرق هذا النصّ للدستور الأعلى للأرض؟ على سبيل المثال، الإعلان أنّ كل الإمكانيات واردة في حال عدم انصياع إيران لأوامر الولايات المتّحدة – هذا دون التطرّق لأمثلة كلاسيكية ل”جريمة عالمية قصوى” كاجتياح العراق مثلًا (محاكمات نورمبرغ).

من المفروض أن يشكّل السلاح النووي الإسرائيلي، تحت القانون الأمريكي، علامات سؤال مقلقة وأن يطرح أسئلة جدية حول شرعية الدعم العسكري والمادّي لإسرائيل. هذه العقبة، يتم اجتيازها عن طريق عدم الاعتراف الأمريكي بوجود سلاح نووي إسرائيلي أصلًا – مهزلة علنية ذات تداعيات خطيرة وكبيرة، كما ناقشنا سابقًا في أماكن مختلفة. الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل يخرق أيضًا “قانون ليهي”، والذي يمنع الدعم العسكري لأجسام ناشطة في خرق منهجي لحقوق الإنسان. القوات الإسرائيلية المسلّحة تشكّل أمثلة كثيرة لهذه الأجسام. لقد قامت عضوة الكونغرس بيتي مكولوم مؤخّرًا بأخذ الدور الريادي في ملاحقة هذه المبادرة. وقد باشرت بالمطالبة بالتزام أساسي لأولئك القلقين من استمرار الدعم الأمريكي لجرائم إسرائيل بحقّ الفلسطينيّين. إنّ أي تهديد للدعم الهائل الذي تحظى به اسرائيل من أمريكا، قد يكون له تأثير دراماتيكي كبير.”

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s