دراسة: ديوان الحبوب والرّصيد المسلوب

الدكتور عبد المجيد بن قياس

ديوان الحبوب والرّصيد المسلوب

دراسة نشرت حصريا بالعدد السادس من مجلة الدرب نوفمبر 2020

“إنّ الضلال النظري العميق يؤدي بالضرورة…إلى خطأ تكتيكي فادح للغاية” لينين

“وجدوا أنّ الصواب السياسي يكمن في موت من يفلحون الأرض جوعًا من أجل أن يعيش الآخرون” فولتير

ما انفكّ موضوع المؤسسات العمومية يؤرق الخبراء باختلاف مشاربهم الفكرية، والأحزاب والمنظمات المهنية على اختلاف مقاربتها السياسية والقطاعية، وهو كابوس بالنسبة للحكومات وللعاملين بهذه المؤسسات، من إطارات وعمّال. وقد عمدت الحكومات المتعاقبة ومن كلّفتهم من خبراء وإعلاميين على تقديم الموضوع من زاوية النواقص لترذيلها، من قبيل عدم جدواها اقتصاديا و/أو بيئيا وثقلها المالي على ميزانية الدولة وسوء التصرّف الإداري والمالي. ولمّا لاقت الحكومات المتعاقبة معارضة ضدّ التفويت في المؤسسات العمومية، وتجنّبًا للاحتقان الجماعي، ارتأت إلى اقتراح معالجة أوضاع كلّ المؤسسات العمومية وفق مبدأ”حالة بحالة”،بعد تصنيفها. وقد أصدرت الحكومة لهذا الغرض، خلال سنة 2018، تقريرا تأليفيًا حول إصلاح المؤسسات العمومية. ويُعدّ ديوان الحبوب المختصّ في الإشراف على منظومة إنتاج الحبوب إحدى هذه المؤسسات. وأهمية ديوان الحبوب متأتية من أهمية المادة ومشتقاتها التي يتصرّف فيها، فهي مادة غذائية أساسية للعائلات والحيوانات، يمتهن إنتاجها ربع مليون فلاح على مساحة تقارب ثلث الأراضي الزراعية، خاصة الخصبة بشمال البلاد، وهو ما يفترض إيلاء حلقة الإنتاج الأهمية اللازمة باعتبارها إحدى العناصر المحدّدة في نشاط ديوان الحبوب. طبعا، إلى جانب تعدّد الأنشطة الموكولة إلى الديوان في فضاء ما قبل الإنتاج (إرشاد، بيع المدخلات) وما بعد الإنتاج (تجميع، خزن، تحويل).

عملت الحكومات على تقزيم دور الفلاحة عموما والمؤسسات العمومية الناشطة في هذا الميدان (ديوان الحبوب، ديوان تربية الماشية، ديوان الأراضي الدولية، دواوين التنمية الجهوية…الخ). ويشير مريدو الخوصصة إلى ضعف مؤشرات القياس، من أهمّها ضعف الرصيد العقاري الفلاحي (مساحة وخصوبة)، وهو عنصر الإنتاج الأهمّ المستهدف بمشروع “الإصلاح الهيكلي الفلاحي” واتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمّق (الأليكا)، وسوء النوعية نسبة للمعايير المطلوبة والغلاء النسبي للمنتوج. وفيما يذكر أيضا ضعف نسبة مساهمة إنتاج الحبوب في القيمة المضافة الفلاحية (13%)، أي ما يقارب 1,44% من الناتج المحلي الخام وضعف الطاقة التشغيلية لمنظومة الحبوب،متناسين التأثير السلبي للخوصصة الجزئية التي شهدها نشاط الديوان. ومن المفارقات، أنه رغم النواقص، أصبح للأنشطة ما بعد الإنتاج(تجميع، تخزين، تحويل) جاذبية كبرى ساهمت في قوتها حجم المعاملات والمنح المرصودة إلى جانب الاستعمالات التكنولوجية المتطورة(ميزان الجملة، الحواسيب، سلاسل الشحن والتفريغ الكهربائية، أدوات مخبرية) أولا، و تطور حجم استهلاك الحبوب تحت تأثير التطور الديمغرافي ثانيا، حيث تضاعفت الحاجيات من الحبوب الأساسية.

انطلاقا مما سبق يبدو أنّه غير ممكن الاكتفاء بتحليل وضع مؤسسة ديوان الحبوب و فرضيات الإصلاح والتكييف والإملاءات من دون الكشف عن جوهر “الإصلاحات الكبرى” و أهدافها، بما في ذلك المؤسسات التابعة لوزارة الفلاحة (إدارات الإرشاد والخدمات، مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي).لهذا، ولغرض التعرّف على ما يحبك في الخفاء، لا يمكن الاكتفاء بما ورد بهذا التقرير التأليفي بل يجب الغوص أكثر للبحث عن التقاطعات القائمة مع عدّة إجراءات وقوانين واتفاقيات أخرى، مثل الأليكا، والقانون الخاص بالسلامة الصحية والصحة النباتية (القانون عدد 25 لسنة 2019 المؤرخ في 26 فيفري 2019)، وقانون الاستثمار والقانون الخاص بالاستثمار الفلاحي، والإجراءات الخاصة بمعالجة وضع الأراضي الاشتراكية وأراضي الدولة، ومقترحات البنك العالمي وصندوق القد الدولي والاتحاد الأوروبي. ومن البديهي أن نخصّص الجزء الهام من المقال لمنظومة الحبوب، و لديوان الحبوب كصاري محوري من صواريها، وسنعتمد في ذلك على المرجع الرئيسي الذي يرشف منه دعاة الخوصصة والمقصود بذلك تقرير البنك العالمي لسنة 2014، الصادر تحت عنوان”الثورة غير المكتملة، حرّروا طاقة الفلاحة من أجل خلق ديناميكية لتنمية الجهات الداخلية”[i]، حيث غالبا ما يستشهد بتقارير سبق إصدارها منذ سنوات خلت. وباعتبار التغيرات التي طرأت على القطاع الفلاحي، ومنها منظومة الحبوب وموقع ديوان الحبوب، فلا بدّ  إذن من عرض المسار التاريخي لديوان الحبوب والإطار العام المحيط.

منظومة الحبوب مسار ومهام قطاع منهوب

نُسجت منظومة الحبوب خلال ستينات القرن الماضي، في إطار عام صعب، حيث لم يكن أمام الدولة التونسية سوى الفلاحة والمناجم للدفع بعجلة التنمية. وقد انتهج خيار الدولة كفاعل اقتصادي واجتماعي محوري. وقد شهدت تلك الفترة تحولات كبيرة على مستوى بنية الرصيد العقاري الفلاحي، من حيث التوزيع والخارطة الزراعية (التعاضد)، كما شهدت بزوغ عدة مؤسسات اقتصادية، إنتاجية و خدماتية، عمومية في شكلها القانوني، من بينها ديوان الحبوب. وقد عرفت هذه المنظومة، منذئذ إلى حد الآن عدّة تحولات بنيوية، غلب عليها طابع الخوصصة. فبعد نشأة ما سمي وقتها “ديوان الحبوب والبقول الغذائية ومواد فلاحية أخرى” كمؤسسة ذات صبغة عمومية (أمر عدد 62-10 بتاريخ 3 أفريل 1962) مكلّفة بالإشراف على التجميع والخزن والتوزيع،  إلى جانب تفرّدها بتوريد الحبوب والبقول. وقد اعتمد الديوان في نشاطه، خلال عقدين و نصف، على الحلقة الأساسية المتكونة في زارعي الحبوب، خاصة فلاحو الشمال الحائزين على ضيعات كبرى، وديوان الأراضي الدولية (تأسس سنة 1961) المتصرف في أراضي الدولة وتعاضديات للإنتاج الفلاحي (تأسيس وفق قانون 27 ماي 1963). مع نهاية العشرية المذكورة، تملصت الدولة من سياسة التعاضد (قانون 22 سبتمبر 1969)، لكنها أبقت على ديوان الحبوب، كمؤسسة عمومية، يساهم ويشرف على نفس المهام المنوطة بعهدته التي سبق ذكرها، باستثناء توريد البقول الغذائية والمواد الأولية لصناعة الأعلاف التي أصبحت من مهام الموردين الخواص. في بداية السبعينات وقع خوصصة توريد البقول والمواد الأولية لصناعة الأعلاف، وهي فترة نشوء وتطور قطاعي تربية الدواجن والأبقار الحلوب. و منذ نهاية السبعينات شهد العالم مراجعة كبيرة لدور الدول الاقتصادي والتجاري. و”منذ بداية عشرية الثمانينات ارتبط تطور السياسة الفلاحية التونسية وإعادة النظر في الدور الذي تحتله الفلاحة في الاقتصاد الوطني بأزمة هذا القطاع و تطور الحالة الاقتصادية والاجتماعية بالبلاد ككلّ.

ولعلّه من المفيد التذكير بالإطار العام الذي دفع الحكومات المتعاقبة إلى القبول بالمقاربة الداعية إلى خوصصة منظومة الحبوب برمّتها والتدرج في تقزيم دور ديوان الحبوب، كجزء من المنظومة. ومما يمكن ذكره ما ورد عن البنك العالمي:”كلّ بلد يملك قدرة تنافسية لإنتاج مواد بالاستعمال المكثّف للعناصر التي يملكها…تمتاز تونس نسبيا بوفرة اليد العاملة لكنها لا تحوز نسبيا سوى على القليل من الأراضي الزراعية والمياه. هكذا نعتبر أنّ الميزة التفاضلية لتونس تكمن في إنتاج مواد لا تستحقّ الكثير من الأراضي الزراعية والمياه…إنّ المنوال الحالي لتدخّل الدولة أضرّ بالقطاع الفلاحي، بتغاضيه عن إنتاج المواد المتوسطية التي تملك فيها تونس قدرة تنافسية طبيعية لصالح مواد ذات قدرة تنافسية محدودة”.ومن أسباب الدعوة إلى إصلاح هيكلي فلاحي، تقدير البنك العالمي الذي يعتبر أنّ “حجم كلفة دعم الفلاحة في تونس كبير. وكل تدخلات الدولة تخلق تضارب في نظم التوزيع وتقلص من جدوى الموارد وبالتالي من طاقة القطاع الفلاحي” ويقدر البنك”أنّ الإجراءات الحمائية للمواد الفلاحية تؤدي إلى خسارة 4% من مصاريف المستهلك، في صورة ما بقيت المشتريات على حالها، وما يقارب 5,6%  إذا عدّل المستهلك مشترياته تفاعلا مع التغيرات النسبية للأسعار”، ويجزم أنّه:”في سنة 2008-2009، بلغ نصيب دعم الأسعار بالسوق ومنح المدخلات مستوى 31-53% مقابل انحدار مستوى دعم الاستثمار، وبلغت نسبة الدعم المباشر الموجه للقطاع الفلاحي 0,8% من الدخل المحلي الخام خلال سنة 2010.” هذه المؤشرات عجّلت بالدعوة إلى تقليص وظيفة الدولة الاقتصادية والاجتماعية بتطبيق الحزمة المتعارف عليها: خوصصة القطاع العام؛ التقشف بتخفيض نفقات الدولة؛ حرية السوق و”حقيقة الأسعار”و تخفيض قيمة العملة. وعن هذا تفرّع “برنامج اصلاح هيكلي فلاحي” عماده أربعة محاور:(i)إعادة النظر في بنية الرصيد العقاري الفلاحي وأشكال الاستغلال؛ (ii) إعادة تشكيل بنية الهياكل المهنية المشرفة، بما فيها الفنية؛ (iii) تحرير أسعار جلّ المواد الفلاحية الغذائية؛ (iv) رفع الدعم المخصّص للمدخلات (محروقات، بذور، أسمدة، أدوية). وقد أدت هذه الوضعية إلى مزيد من انخرام التوازن بين الاقاليم وتوسع فوارق الدخل بين سكان المناطق الحضرية والريفية وتفاقم البطالة الجزئية والكلية خاصة في الأرياف وتفشي النزوح الريفي”[ii].وقد ارتأت الدوائر العالمية إلى ضرورة القيام بـ”لإصلاح زراعي وفق تمشي جديد”الإصلاح الزراعي المدفوع بالسوق”عوض”الإصلاح الزراعي المدعوم من الدولة”، وفق تعبير البنك العالمي….في هذا الإطار ارتأت الدوائر المسؤولة في تونس أن تفرط في جزء هام من منظومة الحبوب، بدءا بالرصيد العقاري الفلاحي، حيث وقع التفريط في جزء هام أراضي الدولة إلى الخواص لاستغلالها في شكل كراء، وشدّد البنك الوطني للتنمية الفلاحية من شروط إسناد القروض الموسمية. و في ظلّ هذا الإطار الضاغط اتجهت الحكومة إلى خوصصة جزء هام من نشاط ديوان الحبوب:(i) الترخيص للخواص للقيام بمهمة تجميع وخزن الحبوب بداية من  1990(الأمر المنظم لنشاط مجمعي الحبوب عدد 1083 المؤرخ في 26 جوان 1990)؛ (ii)  توريد وتصدير و المتاجرة بمواد الذرة والصوجا والفصّة (الأمر الصادر بالرائد الرسمي عدد 34 بتاريخ 29 ماي 1992)؛ (iii) تحرير التجارة بمادة الشعير بالسوق الداخلية وتحرير السعر عند الإنتاج (الأمر عدد 93-1721 بتاريخ 16 أوت 1993).

وتكثف الضغط إلى أن صادقت تونس على اتفاقية مراكش (1994) الداعية إلى: (i) تسهيل ولوج الأسواق القطرية؛ (ii) تخفيض الدعم الموجه للفلاحة؛ (iii) تطبيق إجراءات السلامة الصحية الخاصة بالحيوانات والنباتات ومنتوجاتها؛ (iv) تخفيض الحواجز الفنية المعيقة للتجارة والإجراءات المؤثرة على مسار المنافسة (إغراق، دعم)؛ (v)تخفيض المنح الداعمة لتصدير المواد الفلاحية. من هنا يظهر أنّ المحاور التي اعتمدها منظمة العالمية للتجارة تهدف إلى إلغاء كلّ تمييز بين المواد المنتجة قطريا ومثيلاتها الموردة من الخارج وصهر آليات التعديل القائمة ونسف المؤسسات العمومية القائمة عليها، من ذلك ديوان الحبوب. وازداد الضغط تحت تأثير انخفاض احتياطي الحبوب عالميا،حيث ورد في كتاب فخّ العولمة أنّه “في سنة 1995 انخفض احتياطي القمح والأرز والذرة وباقي أنواع الحبوب إلى أدنى مستوى له منذ عقدين…وفي سنة 1996، بلغ مخزون الحبوب في مستودعات العالم حدّا بحيث أنّه لم يعد يكفي إلاّ لسدّ حاجة 94 يوما فقط”[iii]. وفي سنة 2005 واصلت الحكومة التونسية آنذاك مسار الخوصصة التدريجية لديوان الحبوب بتفعيل آلية التعاقد بين الديوان والخواص في ميدان تجميع الحبوب، ومن نتائجها الهبوط الهائل لنشاط ديوان الحبوب في ميدان التجميع والخزن مقابل صعود صاروخي للفاعلين الآخرين(تعاونيات وخواص). وقد اعتمد عند مراجعة بنية منظومة الحبوب ومهام الفاعلين إلى خوصصة نشاط التزويد بالمدخلات (بذور،أسمدة،أدوية)، والتجميع والخزن (الحبوب). ومن نتائج التحويرات البنيوية السابقة أن تعدّد المتدخلون وتعقّدت بنية ما قبل وما بعد الإنتاج بحيث أصبحت كالآتي: ارتفاع عدد زارعي الحبوب (250 ألف) نتيجة التوارث والتجزئة رغم انخفاض مساحة الحبوب (من 1810 إلى 1610 هك بين 1960 و2006)[iv] ،وارتفع عدد تعاضديات الخدمات الفلاحية(توفير المدخلات)،وعدد المجمعين، موزعين كما يلي (موسم 2017-2018):

توزيع مجمعي الحبوب لموسم 2017- 2018
عدد مراكز التجميععدد الناشطينالمجمعون
12011خواص
694شركات و تعاونيات
121ديوان الحبوب
المصدر : ديوان الحبوب

واستأثر الخواص بغالبية الكميات المجمعة وما يوافقها من مداخيل مالية متأتية من منح التجميع والتخزين والشحن. كما تشمل المنظومة على مطاحن نشيطة (22) و مخابز (2400) ومصانع عجين (6). ومن الممكن تصوّر الحجم الهائل لمواطن الشغل بكلّ منظومة الحبوب خاصة في ظلّ استخدام التقنيات القديمة خلال كل المراحل(خدمة الأرض والحصاد، الشحن والتفريغ). ورغم خوصصة جلّ مهام ديوان الحبوب، وثقل الفساد وسوء التصرف الذي أضرّ به، فإنّ هذه المؤسسة قد احتلّت المرتبة 12 على 16 مؤسسة عمومية الأولى من حيث المداخيل(سنة 2014).

ويتضح من خلال الرسوم مدى اكتساح القطاع الخاص لمنظومة تجميع وخزن الحبوب. إنّ خوصصة أنشطة التجميع والخزن غيرت وجهة جزء هام من مداخيل الديوان. ويظهر ذلك من خلال المنح المرصودة للغرض (دينار/قنطار): (i) منحة التجميع

 2.902/قمح صلب(2.068 سنة 2012)؛ (ii)منحة الإحالة 5.076/القمح الصلب (3.133 سنة 2012)؛ 4.213/القمح اللين و3.388/الشعير. وقد وأدّى ذلك إلى ارتفاع الكلفة عند الاستهلاك الصناعي والعائلي.

وتعتمد عملية التجميع على وسائل للشحن والنقل، من الضيعة إلى مراكز التجميع، ومنها إلى المطاحن ووحدات التحويل والتصنيع. بما كانت المرحلة الأولى على كاهل مزارعي الحبوب، فإنّ بقية المراحل يتكفل بها ديوان الحبوب، مستعملا لذلك السكك الحديدية(مؤسسة عمومية) والشاحنات الخاصة. ويظهر الرسم الموالي مدى اكتساح القطاع الخاص لمنظومة الحبوب، حيث استحوذت وسائل النقل الخاصة (الشاحنات) على وسائل النقل العمومي (السكك الحديدية) مقابل منحة نقل قررت بـ 1.744 د.ت/قنطار( 1.374 سنة 2012)[v].

بالمحصلة يمكن أن نستشف حجم المبالغ التي استفاد بها القطاع الخاص على حساب ديوان الحبوب، أي على حساب ميزانية الدولة، وهو ما جعل الصناعيين الناشطين في ميدان الصناعات الغذائية يستثمرون”في عمليات التجميع والتخزين (طاقة خزن 2,5 مليون قنطار).وما انفكّ عددهم يرتفع لأسباب استراتيجية (تحكّم في المخزون) و ترصّد السوق في حالة تراجع ديوان الحبوب. فهم يعولون على الخوصصة التّامة لتجارة الحبوب في تونس، حسب تصريحاتهم، ويستثمرون بخسارة في القطاع في الوقت الراهنRastoin.2014))”[vi]   

ولتصحيح السياسات الفلاحية” ينصح “البنك العالمي من خلال التقرير المذكور بالتأكيد على ضرورة استكمال  الوصفة التي قدمها منذ منتصف الثمانينات، مقترحًا جملة من الأولويات ألمتلازمة :(i) حذف تدريجي للدعم الموجّه للأسعار والمدخلات؛ (ii) حذف تدريجي لتدخل الدولة في مجال توزيع المواد الفلاحية؛ (iii)حذف تدريجي للدور التجاري للدواوين التجارية الحكومية وإيقاف التعامل بالسعر الأدنى المضمون للحبوب ووضع إطار تشريعي لضمان الجدوى عند تسويق المواد والخدمات وعناصر الإنتاج(تمويل،أراضي،يد عاملة)؛ (iv) التشريع لحماية الصحة البشرية والموارد الطبيعية والمحيط، تشجيع الإنتاج ذو الجودة النوعية(بحث علمي،وقاية وسلامة المواد النباتية…) ؛ (v)تكثيف الاستثمار الحكومي في البنية التحتية والخدمات الفلاحية(بحث علمي،ريّ،مسالك فلاحية،مسح عقاري…)؛ (vi)إعادة النظر في دور الهياكل المهنية الفلاحية (تعاضديات، مجامع مشتركة، مجامع التنمية الفلاحية…)؛(vii) إعادة النظر في منظومة التصرف في مياه الريّ؛(viii)إحداث إطار تشريعي يسهل تسويق العقارات الفلاحية وتسهيل الإجراءات للحصول على مقاسم،خصوصا بالأراضي الدولية،السماح بالكراء والشراكة طويلة المدى من أجل جذب استثمارات هامة، (ix) تسهيل وتحسين خدمات الإدارة العمومية الفلاحية؛ (x) “تحرير القطاع الفلاحي (الإنتاج بالضيعات) الذي سيعود بفوائد مهمّة لبعض الأنشطة الفلاحية، خاصة بالمناطق الداخلية بالوسط والجنوب”ويقدر البنك العالمي”أنّ الضيعات التي ستتأثّر سلبيا نتيجة التحرير هذه هي تلك التي تمارس نشاط زراعة الحبوب بالمناطق الرطبة بالشمال والشمال الغربي من البلاد.” وقد اعتمد البنك العالمي في قياسه للميزة التفاضلية للإنتاج الفلاحي لمادة ما، ببلد ما، خلال موسم ما على نسبة الكلفة المحلية للموارد Coût Local des Ressources_CLR، أي نسبة كلفة الإنتاج (كلفة اقتصادية) بكلفتها الاجتماعية (تشمل المنح والحوافز التي يتمع بها مجال إنتاج تلك المادة على حساب بقية القطاعات الاقتصادية)، مع اعتماد أسعار السوق المتداولة محليا ومقارنتها بأسعار السوق العالمية. فإذا فاقت الكلفة المحلية للموارد الـ1 فمعنى ذلك أنّ القدرة التنافسية ضعيفة، و العكس بالعكس. لكن لساءل أن يسأل عن جدّية هذا المؤشر الذي يمكن اعتماده لاتخاذ خيار استراتيجي (خارطة زراعية مثلا) انطلاقا من قياس يعتمد على أسعار ظرفية متقلبة(مضاربة)أو مفروضة(إدارية) خلال فترة زمنية محددة قد يسودها ظروف مناخية غير ملائمة؟

باعتماد هذا المؤشر استنتج البنك العالمي أنّ تونس لا تملك قدرة تنافسية في المواد الفلاحية التي يعتمد في إنتاجها على عنصر الأرض والمياه(حبوب، تربية الأبقار)، باستثناء القمح الصلب واللين بعد الزيادة في أسعارها منذ أزمة 2008.فالقياس الخاص بتونس، خلال السنوات 2000-2004-2008 يبرز بالتتالي هذه النسب:(1,20؛ 0,96؛ 0,56)/القمح الصلب؛ (1,86؛3,13؛0,9)/القمح اللين؛ (3.14؛ 4,02؛ 4,57)/الشعير. ويعود تحسن مؤشر القمح الصلب واللين بالأساس إلى الزيادات المتتالية في السعر الأدنى المضمون(سعر إداري).

أمّا الآن،وقد أصبحت الحبوب موضوع مضاربة وسلاح للابتزاز والضغط السياسي تستعمله البلدان ذات الفائض في الانتاج، فلن تعد تلك المقاربة مجدية لا اقتصاديا ولا سياسيا، لأنّ الموضوع بات موضوع يمسّ من سيادة الدول. “لم يعد ثمّة أحد في هذا العالم يعتقد بإمكانية تحقّق نمو كاف في الإنتاج، يؤدي إلى الإبقاء على سعر القمح عند مستواه الحالي، وعلى الرغم من هذه الحالة المتفاقمة يستمرّ القضاء على الأراضي الزراعية…وهكذا صار تجار الحبوب ينتظرون، وهم واثقون مطمئنون، ارتفاع الأسعار في الأسواق العالمية”[vii].واستكمل مشهد التفكيك والسلب بما ورد في كلّ من مشروع الأليكا ومجلة الاستثمار(القانون عدد 71 لسنة 2016 المؤرخ في 30 سبتمبر 2016)[viii] وما ورد بمشروع”إصلاح المؤسسات العمومية في تونس”[ix].فبعد المعارضة الشديدة للتفويت في الأراضي الزراعية التي وردت في النسخة الأولى من مشروع الأليكا، عملت الحكومات المتعاقبة والمجلس التشريعي من أجل تمكين المستثمر الأوروبي من هكذا أراضي من خلال التمكّن بالمؤسسات ذات العلاقة(بنوك و دواوين)، وهو ما شُّرع له بالقانون عدد 71/2016، حيث ورد بالفصل-7-أنّ “المستثمر هو “كل شخص طبيعي أو معنوي، مقيم أو غير مقيم، ينجز استثمارا..” وأكّد المشرّع على أن”يعامل المستثمر الأجنبي معاملة لا تقلّ عن المعاملة الوطنية التي يعامل بها المستثمر التونسي عندما يكون في وضعية مماثلة لوضعيته..” .وقد ورد بالفصل -3-تعريف الاستثمار بأنه”كلّ توظيف مستدام لأموال…استثمار مباشر أو استثمار بالمساهمة..النقدية أو العينية في رأس مال شركات بالبلاد التونسية سواء عند تكوينها أو عند الترفيع في رأسمالها أو اقتناء مساهمة في رأسمالها” .كما فرض إطار تشريعي يعنى بمنظومة التي ستسهر على ضمان السلامة الصحية للمواد الغذائية،الحيوانية والنباتية(القانون عدد 25 لسنة 2019  المؤرخ في 26 فيفري 2019)،وهو محور هام من مشروع الأليكا. و في الإطار ذاته، و لتبرير اقتراحاته سبق للبنك العالمي أن كتب:”إنّ حذف الإجراءات التعريفية على المواد الفلاحية سترفع من حجم الدخل المحلي الخام بما يقارب الـ 0,8% (ينخفض نصيب الفلاحة بنسبة 1,4% فيما يرتفع نصيب بقية القطاعات بنسبة 2,2%)” و يقترح،كما ورد أعلاه، بصريح العبارة على أن تكفّ تونس عن إنتاج الحبوب، نظرا لضعف قدرتها التنافسية،كما يقرّ بالضرر الاجتماعي الذي سيحصل:”هذا الإجراء سيدفع بخسارة ما يقارب 87000 موطن شغل في القطاع الفلاحي”

وإذا أضفنا لما سبق تلك الدعوات المتكرّرة بضرورة دمج البنوك العمومية الثلاثة (البنك الوطني الفلاحي، الشركة التونسية للبنك و بنك الإسكان) يكتمل جزء هام من مشهد “الإصلاحات الكبرى” و يمكن الجزم بأنها دعوات غير بريئة، بل إنها خطة محورية لتفكيك أواصر الاقتصاد القطري عموما، و الفلاحة بالخصوص. لقد ورد بالتقرير التأليفي حول المؤسسات العمومية بضرورة التشريع إلى استقلالية مجالس إدارة المؤسسات العمومية، إضافة لما ورد بقانون الاستثمار(الفصل-7-)والفصل-9-الذي ينصّ على الضمان”للمستثمر حرية تحويل أمواله إلى الخارج بالعملة الصعبة…”. إذن، بات من الممكن أن يغزو رأس المال الأجنبي مجال البنوك العمومية. إضافة إلى هذا، ورد في التقرير التأليفي ما يؤكد ذلك، حيث ورد ما يلي:”…البحث النشيط عن شريك استراتيجي للمشاركة في رأس مال المؤسسة العمومية المعنية من خلال الحصول على أسهم أو المشاركة في زيادة رأس المال…ويتحمّل المستثمر الخاص المسؤولية المنجرّة عن إعادة الهيكلة(توفير الدعم الفني للمؤسسة)”.

وقد تؤدي نسبة مساهمة رأس المال الأجنبي، تحت تأثير خارجي (البنك الأوروبي،  مصارف استثمار)،  أن يغدو صاحب قرار نافذ صلب مجلس الإدارة، و قد يمنع المستثمر الأجنبي المساهم في البنك العمومي من تمويل نشاط إنتاج الحبوب مثلا، بدعوى انعدام الجدوى الاقتصادية والمالية، و لانعدام القدرة التنافسية، مما يؤدي حتمًا إلى تساقط بقية المنظومة مثل تساقط مكعبات الديمينو(مجامع، مطاحن، مصانع عجين)  خاصة في ظلّ سياسة امبريالية تعتمد على تشابك رأس المال مع الشركات الصناعية الاحتكارية المختصة في تحول المواد الغذائية والمتاجرة فيها، أو في أحسن الحالات أن تتحول هذه الوحدات إلى فروع تابعة لتلك الشركات، لكن باعتماد الحبوب الموردة.  وهكذا سيستحوذ المضاربون في الأسواق العالمية على المتبقي من منظومة الحبوب، توريد الحبوب و توزيع مشتقاتها المصنعة بالخارج أو محليا بالشراكة مع وكلاء محليين، و هكذا سينحصر دور ديوان الحبوب في المساهمة بالإشراف الإداري والمساهمة في مراقبة سلامة الحبوب ومشتقاتها، هذا إذا لم يقع تفكيكه نهائيا.  

 ومن محاور مشروع هيكلة المؤسسات العمومية ضرورة “إعادة النظر في منظومة الحوكمة الشاملة للمؤسسات العمومية…وإعادة النظر بصفة كلية لدور الدولة وإلى مراجعة دور الوزارات الفنية” .من ذلك مثلا أنّ وزارة الفلاحة (وزارات فنية)، و ديوان الحبوب هو إحدى المؤسسات العمومية التي يعود إليها بالنظر. و إذا أضفنا ما ورد بمحور الحوكمة الداخلية القائل بضرورة:”إعادة النظر في منظومة الحوكمة الداخلية للمؤسسات العمومية” لضمان استقلالية أكبر في صياغة القرار والتنفيذ، من خلال تعميم استقلالية مجالس إدارة المؤسسات في إدارة هياكلها وتصريف شؤونها المالية”، من الممكن إن أبقي على الصبغة العمومية لديوان الحبوب، أن يستحوذ بعض المساهمين (أجانب ومحليين) على الديوان فيعمدون إلى تنفيذ التوصيات الداعية إلى القضاء التدريجي على نشاط إنتاج الحبوب قطريا وتركيز منظومة حبوب بديلة عمادها التوريد.

ولما تصدّت القوى التقدمية، من شخصيات وخبرات وطنية وأحزاب ومنظمات لهذا الخيار، استبدلت الترسانة بأخرى وتغيّرت الأيدي، حيث استغلّ السياسيين العملاء فرصة المسار الثوري للدعوة من جديد لضرورة خوصصة المؤسسات العمومية، لكن بعد تصنيفها إلى:(1)استراتيجي/غير تنافسي، يبقى من مشمولات الدولة؛ (2)استراتيجي/تنافسي، مطروح للشراكة بين القطاع العام والخاص؛ (3)غير استراتيجي/غير تنافسي، موضوع للخوصصة الجزئية أو الكلية؛ (4)غير استراتيجي/تنافسي، معروض للخوصصة الكلية. والمبدأ هو التدقيق في هذه المؤسسات العمومية وفق مبدأ “حالة بحالة”.

لا يشكّ عاقل في المكانة الاستراتيجية لمادة الحبوب بتونس، بحيث أنّ للدولة دور هام في هذا المجال. يبقي السؤال:هل هو قطاع تنافسي أم لا؟ بالنظر إلى ما أدت إليه إجراءات الخوصصة التي ورد ذكرها أعلاه فقد طغى الطابع التنافسي على نسيج منظومة الحبوب(من المزرعة إلى الصحن)ويشمل ذلك أنشطة التجميع والخزن والتوزيع بعد أن كانت حكرا على الدولة. في هذا الإطار تكررت الدعوات المنادية بترجيح كفة السوق في تحديد الأسعار(“حقيقة الأسعار”) و بحجب الدعم عن الحبوب ومشتقاتها، مما يعني ضرورة إنهاء مهام ديوان الحبوب، و بالتالي لن يعد هناك مبرّر للمحافظة على الشكل العمومي لمؤسسة ديوان الحبوب ! وهذا هو مربط الفرس الذي يخفيه دعاة إطلاق الحرية لـ”اليد الخفية”. و هذا ما جعل مريدي التفويت يعمدون إلى تصنيف أنشطة ديوان الحبوب ضمن الأنشطة الاستراتيجية التنافسية. لكن باعتبار استراتيجية مادة الحبوب ولما يملكه الديوان من امكانيات التحسن والنهوض بمردوديته، و نظرا للنشاط الكبير للخواص صلب منظومة الحبوب فقد يقع تصنيفه ضمن خانة المؤسسات العمومية المعنية بـ”الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص”. من الوارد إذن في مرحلة أولى البحث عن”شريك استراتيجي”. لكن بما أنّ البنك العالمي والاتحاد الأوروبي يصرّون على ضرورة تخلي تونس عن إنتاج الحبوب، فمن الوارد جدّا، في مرحلة ثانية، أن يقع الذهاب بالهيكلة إلى حدّ نسف القاعدة الأساسية للمنظومة الحالية، أي عملية الانتاج بالضيعات الفلاحية بالتوازي مع التفريط في نشاط توريد وتوزيع وتحويل المواد الغذائية إلى الخواص، من شركات أجنبية ووكلائهم المحليين. و ما تصنيف نشاط ديوان الحبوب ضمن خانة الأنشطة الاستراتيجية التنافسية إلاّ بداية مسار أوله”الشراكة بين القطاعين العام والخاص”، و هكذا يتحوّل موقع الديوان من خانة”قطاع احتكاري للدولة” إلى خانة “قطاع استراتيجي تنافسي” في مرحلة ثانية، ثمّ إلى”قطاع تنافسي غير استراتيجي”، في مرحلة ثالثة، كما يبيّنه الرسم التالي. وهذا يعني الخوصصة الكلية لمنظومة الحبوب، وبالتالي نسف أسس السيادة الغذائية، بل حتى أسس الأمن الغذائي بمفهومه الليبرالي.

التداعيات الممكنة

من المتعارف عليه أنّ أكبر المستثمرين في العالم هي البنوك والمصارف، الشريك الاستراتيجي للشركات الاحتكارية الكبرى، وهي  تعمل على الاستثمار، سواء بالشراء بأسعار زهيدة أو بالمساهمة عند انهيار وحدات الإنتاج أو الخدمات. وعادة ما تدفع الحكومات العميلة، أثناء التصفية، إلى التخفيض في قيمة رصيد الوحدات المعنية، مما يوفر للمستثمر الجديد كل شروط النجاح والربح الوفير.و بما أننا في مرحلة تشهد استبداد الطغمة المالية، أي سيطرة رأس المال المالي ورأس المال الصناعي، فهناك منحى عالمي نحو الاستثمار، المباشر أو بالشراكة مع عملاء محليين، في الشركات الصناعية، بما في ذلك الصناعات الغذائية، للاستحواذ على مصادر المواد الأولية والاستفراد بنسيج الصناعات التحويلية واحتكار التسويق تبعا لذلك، وهو ليس إلاّ استعمارا مباشر غير مسلّح من طرف زمرة من الدول القوية على بقية الدول]استعمار بقلم الرّصاص (اتفاقيات) عوض الاستعمار بالرصاص (السلاح)[…والدافع الدائم لمراكمة الأرباح يدفع بمثل هذه الشركات إلى الاستثمار في البحث العلمي والإشهار للتأثير في مسارات الاستهلاك الصناعي(طاقة جديدة، مواد أولية غير تقليدية)والعائلي، و هو ما يسمح لها بالاستحواذ المبكّر على المواقع المتوفر بها تلك المواد. لقد امتازت الرأسمالية في مراحلها الأولى، زمن المنافسة، بتصدير السلع. لكن ما يميزها اليوم،في فترة الاحتكار والعولمة، هو تصدير رؤوس الأموال. و هذه الأخير أصبحت بدورها وسيلة للتشجيع على تصدير السلع، مع منحى نحو تسويق المواد المحولة على حساب المواد الأولية،لأنّ مردود المواد الأولية في ارتفاع مستمر وهو ما قد يدفع لانخفاض أسعارها بنسبة أعلى من نسبة انحدار أسعار المواد المحولة ممّا يؤدي إلى تدهور شروط التبادل. والمواضع التي يقصد رأس المال الاستثمار فيها،وهي التالية:(i)استثمار في البنوك لكسب الريع المالي؛(ii) استحواذ على مصادر المواد الأولية،منها العقارات الفلاحية الخصبة لإنتاج مواد غذائية، وغيرها لإنتاج مواد غير غذائية لكسب الريع العقاري؛(iii)استعباد قوة العمل(الأجور المنخفضة)؛(iv)تطويع وسائل النقل(تفضيل الشاحنات الخاصة على حساب نقل القطارات)؛(v)احتكار الأسواق(تغيير بنية المواد الغذائية بتفضيل المصنعة/المصبّرة على المواد الخام).

أما عن الآليات التي سيستعملها فهي أربعة:(i)ضمان عقود الاستهلاك(المساهمة في رأس مال الفضاءات التجارية الكبرى أو التعاقد معها)؛ (ii) تخفيض الأسعار(آلات،وسائل النقل،المدخلات المنتجة في وحدات مساهمين في رأس مالها)؛(iii) تشدّد في شروط التمويل(عقود إنتاج تجمع المستثمر والبنك والمزود والموزع)؛(iv) تفعيل المقاطعة(عدم تزويد السوق). فالمقصود بحرية التبادل وأهدافها سبق أن كشفها كارل ماركس،في عدّة مراجع،قائلا أنّ”حرية التبادل لا تعني سوى حرية رأس المال، وهو ما يزيد في الشرخ الحاصل عند توزيع فائض الانتاج وفائض القيمة بين الطبقات وبين الأمم”[x]

كما سبق الذكر،أن إعادة هيكلة مجمع البنوك العمومية وفق التمشي المذكور أعلاه ووفق الأهداف المرجوّة، يمكن للمرء تصور السيناريو التالي،بعضه بالتوازي وبعضه الآخر بالتتالي:(i)

فتح باب المساهمة للمستثمرين الأجانب، ذوات طبيعية أو معنوية،دون أي تمييز بينهم وبين أمثالهم من التونسيين.قد يفوق نصيب أسهم الأجانب مجموع الأسهم المحلية؛(ii) سيطرة الأجانب على قرارات مجلس إدارة مجمع البنوك أو البنك الوطني الفلاحي أو الديوان حسب تتيحه إجراءات”الحوكمة”الموافقة لمبدأ استقلالية مجلس المؤسسة العمومية أو الشركات خفية الإسم. حتى وإن أُبقي على مؤسسة البنك الوطني الفلاحي، فإنّ خوصصة ديوان الحبوب سيغيّر من بنية رأس مال البنك الوطني الفلاحي وبالتالي سيؤثر سلبا في مستوى مساهمته عند تحديد”البرنامج وفق الأهداف”، حيث ستزداد أهمية بقية المساهمين الخواص(التعاونيات والشركات الناشطة في مجال منظومة الحبوب)؛(iii) اعتماد مقاييس المردودية المالية والقدرة التنافسية للمشاريع، عند إسناد مقررات الاستثمار أو القروض الموسمية ومتوسطة المدى؛(iv) التمسّك بطلب الرّهون العقارية والتشدد في تحديد قيمتها المالية،مما سيرفّع من منسوب العزوف عن القرض البنكي وسيتقلّص بالتالي من النشاط الفلاحي، عموما وزراعة الحبوب بالخصوص نظرا لغلاء أسعار وسائل الانتاج اللازمة(جرار، حصّادة، رابطة الأعلاف الخشنة ومجرورات أخرى)،وهو ما سيؤثر سلبا على كلفة إنتاج المزارعين الذين يعمدون إلى كراء مثل هذه الوسائل؛ (v)تنشيط سوق العقارات الفلاحية حيث ستعرض الأراضي للكراء أو الشراكة أو البيع، خاصة القطع القزمية والصغيرة منها، وقد تشهد انخفاض كبير لقيمتها المالية، نظرا لمنسوب العرض، و قد ترتفع فيما بعد بفعل المضاربة للاستحواذ على الأراضي الفلاحية والموارد المائية لزراعات أخرى؛ (vi) ستتحول خارطة الأنشطة الفلاحية بالعزوف على زراعة الحبوب لصالح زراعات أخرى غير غذائية(لاستخراج الطاقة النباتية أو مستحضرات أدوية…)؛(vii) ستنهار بقية حلقات منظومة الحبوب بما في ذلك وحدات التحويل الغذائي

لا استغراب من استغراب البعض من هذا سيناريو !لكن الاطلاع على تجارب بعض البلدان بالقارات الأخرى قد ترفع عنهم غشاوة الاستغراب. فمساحة الأراضي الفلاحية التي وقع الاستحواذ عليها منذ سنة 2008 ما فتأت تتوسع، إذ بلغت مساحة الأراضي الفلاحية التي وقع الاستحواذ عليها بالبلدان “السائرة في طريق النمو”ما يقارب مساحة لندن كلّ 6 أيام خلال 2000-2010”[xi]، أي 81,744 مليون هك]52 أسبوعx1572 كلم2(مساحة لندن)x10سنوات=817440 كلم2[،وما يفوق 203 مليون هك ببلدان جنوب الصحراء بإفريقيا خلال 2002-2012،أي قرابة ½ مساحة بلدان الاتحاد الأوروبي(4 مرات مساحة فرنسا) ومعلوم دور البنك العالمي في تسهيل هذا المسار الاستحواذي، إذ”أنّ للبنك العالمي دور أساسي في مجال سوق الأراضي من خلال:(i)مصدر دعم مالي مباشر للاستثمارات العقارية (ii) مستشار للحكومات بالبلدان”السائرة في طريق النمو”؛(iii) مؤسسة مكلفة بصياغة المعايير المتبعة من طرف المستثمرين” (.وما الهدف من مراجعة الوضع القانوني لـ”الأراضي الاشتراكية”بتونس(3 مليون هك)وتوزيعها كملكيات خاصة بتعلّة إدماجها الاقتصادي إلاّ خطوة للتسريع من نسق تداولها بسوق العقارات من أجل تكثيف ملكية رصيد العقارات الفلاحية لفائدة فئة صغيرة من الخواص(محليين و/أو أجانب)،وهو تمشي متناغم مع مقاربة البنك العالمي الداعي إلى”إصلاح زراعي تحت فعل السوق”عوض”الإصلاح الزراعي تحت إمرة الدولة”.للتأكيد ينهي البنك العالمي تقريره بإملاء ما يجب تنفيذه:”على تونس التوجه إلى بدائل ممكنة لضمان الأمن الغذائي بدون تعطيل تنمية القطاع الفلاحي…والمقاربة المجدية تكمن في تكثيف التدخلات الحكومية على السياسيات الأفقية التي لا تحفز نشاط زراعي على حساب آخر،لكن تدعم الفلاحين من خلال تسهيل الحصول على التمويل ومقاومة المخاطر،والحصول على المدخلات ذات النوعية الجيدة،وتحسين الخدمات والتسويق…”.وهو الداعي إلى:”إحداث إطار تشريعي يسهل تسويق العقارات الفلاحية وتسهيل الإجراءات للحصول على مقاسم،خصوصا بالأراضي الدولية”.وقد بادرت الدولة بخوصصة استغلال أراضيها منذ نهاية السبعينات وازداد النسق منذ أوائل الثمانينات، بإسناد حق استغلالها على وجه الكراء لشركات الإحياء والفنيين، و إن اختلفت مقاييس الإسناد وشروط كراس الشروط.

بالمحصلة سيقع تقزيم نشاط انتاج الحبوب بالبلاد وسيفتح باب توريدها على مصراعيه. أي أن الخوصصة الجزئية أو التامة لديوان الحبوب سينتفع بها التجار الموردين دون سواهم. و قد بدأ التطبيل لخوصصة المؤسسات العمومية منذ فترة طويلة، و استعمل المطبلين لهذا المطبّ ترسانة من المآخذات والنواقص، من قبيل”سوء الحوكمة” و “تبذير المواد وسوء استعمالها” و “كلفة دعم عالية” و”فساد إداري” (توريد حبوب مسرطنة أو مسوّسة أو متعفّنة)، و “تلاعب بالفارق بين الكميات المجمعة(تصاريح عالية للحصول على منح مرتفعة) و الكميات المخزنة (تصاريح بضعفها ليسهل تحويلها دون مراقبة و/أو بيع جزء منها في السوق الموازية)…الخ. يمكن إذن أن نستخلص أنّ المستهدف ليس ديوان الحبوب لوحده بل كذلك الاراضي الدولية والشركة التونسية لتوزيع المياه والبنك الفلاحي العمومي ومؤسسة السكك الحديدية والنسيج الصناعي لتحويل الحبوب ومشتقاتها.إذن يظهر أن مسألة الهجمة على المؤسسات العمومية شأن عام لا يجب مقاربتها وفق مبدأ”حالة بحالة”بل بمنوال تنموي بديل مفصّل يجمع حوله طيف كبير من المجتمع المدني(أحزاب ومنظمات وجمعيات شخصيات).

ما العمل؟

قبل المحاولة على الإجابة على هذا السؤال لساءل أن يسأل، هل لازالت هناك مكانة للضيعات القزمية والصغرى في المجال الفلاحي(75% تحوزون على 25%)،كما يرى البعض من المفكرين والخبراء؟فالمنوال الحالي لم يعد يعطي أهمية لهذه الضيعات. فالإرشاد الفلاحي والتمويل البنكي موجه لكبار الملاكين، و هناك تلاعب بالإجراءات من أجل إفادة كبار الملاكين بالمنح والحوافز المرصودة لتأسيس تعاضديات الخدمات الفلاحية والشركات التعاونية للخدمات الفلاحية…الخ. و من المؤشرات الدالة على قرب نهاية هذه الضيعات يمكن اعتماد المؤشرات التالية:(i) معدل الدخل السنوي لضيعة فلاحية، تقلّ مساحتها عن 12 هك، نموذجية من الناحية الفنية، يعادل الدخل السنوي لعامل فلاحي عادي؛ (ii) تنامي الأدفاق المالية من خارج الضيعة؛(iii) عزوف الفئة الشبابية الريفية عن النشاط الفلاحي مما سيرفّع  من جيش العاطلين، خاصة في ظلّ الركود الاقتصادي. و لن يبقى أمام هذا”الجيش”سوى الهجرة السرية أو الثورة على الأوضاع؛(iv) الجهات ذات الطابع الفلاحي تقبع في أسفل سلم الترتيب وفق مؤشر التنمية الجهوية؛(v) تنامي ظاهرة بيع الأراضي الفلاحية، حتى المتوسطة منها، لفائدة شريحة مدينية الأصل، من الناشطين في قطاع المهن الحرة ومن كبار موظفي الدولة؛(vi) تداعيات سلبية للتحولات العمرانية والطبيعية على إنتاج الحبوب،في ظلّ الاعتماد على المنوال الحالي،حيث سيتدحرج بما قدره 14,32%.

قد لا يستدعي الأمر غير المحافظة على ما هو قائم مع بعض الرّتوش الإصلاحية. لكن التناقضات القائمة والمقاربات القطاعية والمنظومية غير مجدية، والأزمات سوف تتكاثر وتيرتها ويعلو مقاماتها. فالمنوال الحالي،كجزء من الاقتصاد الرأسمالي في مرحلته القصوى،لم يعد يفي بالحاجة وهو في حالة صراع نتيجة الصراع الطبقي الذي يحكمه. فمسألة خوصصة المؤسسات العمومية، و التفويت في رصيد العقارات الفلاحية العمومية، و تكثيف الملكية العقارية الفلاحية باتت تستدعي بإلحاح الإجابة على جملة من الأسئلة التي تحيل إلى مراجعة فكرية ونظرية وسياسية حول التداعيات الممكنة لخوصصة المؤسسات العمومية وكلّ منظومة إنتاج الحبوب، بالخصوص تغيير خارطة الزراعات.

في إطار البحث عن مخارج للمسألة الزراعية ومنظومة الحبوب كجزء هام من المفروض الإجابة عن الأسئلة التالية: ألا يعدّ تسريح الآلاف من أصحاب الأراضي القزمية والصغرى تحت تأثير مسار تكثيف وسائل الإنتاج (الأرض) وتحرير الآلاف من العمال الفلاحيين والفلاحين غير المالكين عند إدخال التقنيات الحديثة(بذور جديدة، روبوهات، آلات عصرية) نهجا لتثوير علاقات الإنتاج؟ ما الفعل مع فائض قوة العمل التي ستصرفها الأرياف بسبب المكننة والتقنيات العصرية؟ ما هي السبل الممكنة أمام الآلاف التي سيقع تسريحها من مجال زراعة الحبوب وتوابعه، بما في ذلك من سيقع الاستغناء عنهم بعد الفتك بمراكز تجميع الحبوب ووحدات الطحن والتحويل الصناعي للحبوب؟ ألا يستدعي مسار تثوير علاقات الانتاج تطوير مجال إنتاج وسائل الإنتاج؟ هل يمكن الحديث عن سيادة غذائية دون التمكّن من ناصية صناعة وسائل الإنتاج؟ هل سيكتفي رأس المال بالسوق التقليدية من خلال المحافظة عن ذات الفئات المستهلكة أم سيعوضها بأخرى(صناعيين بالأساس).عندئذ كيف ستكون ماهية العلاقة بين مجال الإنتاج الأولي ومجال الثاني المصنع؟ وإذا تحول الإنتاج وفائض الإنتاج إلى الخارج دون تلبية الحاجيات الداخلية(عائلية وصناعية)هل يُعدّ ذلك خيارا صائبا؟ أي جدوى مالية للأنشطة الفلاحة في ظلّ تآكل المقدرة الشرائية لأغلبية شرائح المجتمع؟

تبرز الأسئلة في طياتها جملة من التناقضات التي تحكم المنوال التنموي الحالي،وهي جزء من جملة التناقضات التي يعيشها أنماط الإنتاج التي تعتمد الملكية الخاصة لوسائل الانتاج (نمط إقطاعي ورأسمالي).ويبدو أن الطابع الوحشي لرأس المال المالي لم يعد في حاجة لفئة الضيعات القزمية والصغرى، خاصة في ظلّ التطور التكنولوجي الحاصل وفي ظلّ المهام الجديدة الموكلة للاراضي الفلاحية(خارطة زراعية جديدة/محروقات نباتية،زراعات طبية…الخ). لذلك فقد انتهى دور الضيعات القزمية والصغرى، و هي مستهدفة بالمشروع الشامل(الخوصصة والاحتكار)من خلال بعث الحركية في سوق العقارات الفلاحية بغرض تكثيف هذا الرصيد،بحيث تتحول هذه الملكيات إلى أيدي كبار الملاكين (شخصية طبيعية أو معنوية)، و هو حافز من حوافز الاقتصاد الريعي.

في ظلّ التحولات السائرة، يمكن للمرء أن يتصور نموذج لضيعة فلاحية مختصة في إنتاج مواد غير غذائية باعتماد المستجدّ من التقنيات الحديثة(روبوهات) والتحكم في عملية الانتاج عن بُعد من خلال تطبيقات تخضع هي نفسها لقانون”حقّ الملكية الفكرية”، و يتمّ توجيه منتوج هذه الضيعة كمادة أولية لاستخراج وصناعة مواد غير غذائية. و تبقى البلاد بهذا الأنموذج أمام ضرورة توريد حاجياتها الغذائية وبالتالي أمام ضرورة توفير العملة الصعبة !من أين لها ذلك والحكومات والأحزاب الليبرالية على أهبة للتفريط في كلّ المؤسسات العمومية ومصادر الثروة (باطن وسطح الأراضي والبحر والفضاء)؟ من الواضح أنّ التداين الخارجي هو العنصر الذي سيعتمده هؤلاء .و هذا التداين له شروط وحدود،فهو كالثقب الأسود له جاذبية هائلة لكنه يحطّم ويفتّت ويقضي على كلّ من يدور في فلكه.إذن الأمر لا يستدعي الدوران في هذا الثقب الأسود،بل يستدعي خطة تراعي السيادة الوطنية، و السيادة الغذائية إحدى صواريها. إنّ الدور التاريخي للضيعات القزمية والصغرى قد انتهى، عكس ما يروّج له الشعبويون (منظمات، جمعيات، أحزاب) ولم يعد لها دور اقتصادي/اجتماعي. حتى العقيدة التقليدية حول الأرض بدأت في التلاشي، فقدسية ملكيتها وتوارثها وتقاسمها واستصلاحها لم تعد محترمة كما سبق،والمؤشر على ذلك حجم المعاملات العقارية السارية (كراء، شراكة، بيع).

لقد استنكر عديد المفكرين التمشي الداعي بتشتيت صغار الملاكين لأنّه”دعوة إلى مزيد من عزلة المزارعين وتأخير للتطور الاقتصادي،من دون حماية المهمّشين منهم ضدّ كل أنواع الاستغلال والتبعية وتدهور الحياة المعيشية”[xii] و يبدو أنّ المشروع البديل يجب أن يكسر طوق أشكال الملكية التقليدية وطرق الإنتاج والتصرف فيها وكيفية توزيع الثروات المنتجة بطرق عادلة تراعي المصلحة العامة. و في المرحلة الحالية، في ظلّ موازين القوى القائمة محليا وإقليميا وعالميا، يكمن الحلّ فيما قاله Polayni بأنّ”التفكير في نشاط مستقل للسوق،بدون تدخل الدولة،خطأ سياسي”وما أكّد عليهBradner  وB. Spencer”ضرورة تدخل الدولة في ظلّ وضع يتسم بالتنافس غير المتكافئ من أجل دعم المؤسسات الوطنية…ودعم الدولة يجب أن يتكثّف في اتجاه المؤسسات الوطنية التي تستثمر أكثر من غيرها في مجالات المعرفة والبحث العلمي”. ويعتبر F. List أنّ”محدودية النظرية(نظرية الميزة التفاضلية) تكمن في عدم الأخذ بعين الاعتبار مستوى التطور اللاّمتكافئ بين الأمم(الدول)”…هناك تطور غير متكافئ بالتالي حرية التبادل لا يمكن إلا من استفحال هذه الحالة…بالتالي هناك ضرورة لتدخل الدولة لحماية صناعاتها الناشئة والرفع من درجة تطور البلاد” إنّ شأن مؤسسة ديوان الحبوب، مهما كان شكلها القانوني وطرق التصرف والتسيير،سيبقى شأن داخلي يهمّ العمال والإطارات العاملة به،مادمنا نعتمد على المقاربة المنظومية البحتة ووفق التمشي”حالة بحالة”. والحقيقة، كما بينا أعلاه،أنّ شأن ديوان الحبوب شأن عام باعتبار الخطة موازية التي ترنو إلى القضاء على زراعة الحبوب في تونس واندثار النشاط. أن يبقى الديوان مجرّد مورّد للحبوب ومجرّد مساهم في الصف الثاني من المنظومة التي ستسهر على مسائل الصحة النباتية وسلاسل الإنتاج فتلك هي الخطوة النهاية لدفن المؤسسة.لذلك فمعالجة موضوع مؤسسة ديوان الحبوب تتجاوز الإطار الضيق والتمشي المتّبع،بل يتطلب خوض صراع أشمل يهمّ كلّ المجالات الاقتصادية والاجتماعية ويهمّ بالتالي كلّ الشرائح والفئات الاجتماعية. لهذا لا يجب إتباع نهج المقاربة الشعبوية والمحافظة المنجرّة وراء الشعارات الداعية إلى تعطيل وإيقاف تهديم البنيان التقليدي الذي يقوم به الرأسمالية، لكن دون الانخراط في الخيارات الليبرالية الهادفة إلى تفكيك التقليدي من أجل الاستحواذ على ثروات الشعوب. و هذا ما يستوجب التفكير من أجل تفصيل الخيارات البديلة دون السقوط في هذا المطبّ أو ذاك، و هو مجهود مطلوب من أجل التمايز الفكري والسياسي ويعبّد الطريق للاستقطاب السياسي


[ii]  : Banque Mondiale (2014) «  la révolution inachevée : Libérer le potentiel de l’agriculture afin de dynamiser la croissance dans les régions de l’intérieur

الهادي الرياحي «الفلاحة العائلية والتعدد النشاطي داخل الأرياف التونسية: مجاز الباب وقبلاط نموذجا»

[iii]  : هانس بيترمان وهارلد شومان « فخّ العولمة : الاعتداء على الديمقراطية والرفاهية»

[iv]  : وزراة الفلاحة (2006) « استقصاء حول هيكلة المستغلات الفلاحية 2004-2005 »

[v]  : معطيات ديوان الجبوب

[vi]   Rastoin, J-L. et and Benabderrazak E. (2014) « Céréales et Oléoprotéagineux au Maghreb : pour un co-développement de filières territorialisées». IPEMed 

[vii]  : هانس بيترمان وهارلد شومان،  المصدر السابق

[viii]  : قانون تشجيع الاستثمار، 2016

[ix]  : التقرير التأليفي حول إصلاح المؤسسات والمنشآت العمومية

[x]  : كارل ماركس « خطاب حول مسألة التبادل الحر»

[xi]  : OXFAM «  Notre Terre , Notre vie »

[xii]  : ALIMENTERRE_CADTM Belgique sept 2015

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s