المؤسسات العمومية والتشغيل: شركة فسفاط قفصة والمجمع الكيميائي التونسي نموذجا

الاستاذ: حسين الرحيلي

 

دراسة نشرت بمجلة الدرب العدد السادس نوفمبر2020

كلما اشتدت أزمة المالية العمومية، و ارتفعت وتيرة المطالب الشعبية بالشغل  والصحة والتعليم وتحسين الخدمات العامة، إلا وطفحت للسطح أوضاع المؤسسات العمومية و الترويج لكون أوضاعها هي التي تتسبب في انخرام التوازنات المالية العمومية من جهة، أو أن الدولة ليس من مصلحتها الحفاظ على القطاع العام وخاصة الناشط في القطاعات التنافسية والخدماتية. كل ذلك في إطار برنامج مافيوزي مدعوما بخيارات المؤسسات المالية المانحة للقروض و خاصة صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، يسعى إلى بيع ما تبقى بعد أن فرط نظام بن علي في جل ما تملك الدولة سواء لمافيات العائلة الحاكمة أو للشركات الأجنبية التي لا تتوانى في تحويل مرابيحها بالعملة الصعبة إلى بلدها الأم مهما كان وضع البلاد صعبا مثل الأوضاع التي نعيشها اليوم. كما ينبني هذا التصور على أن مؤسسات القطاع العام لو بيعت ستوفر مالا للمنظومة الحاكمة لمواصلة إهداره في إطار اقتسام كعكة الحكم بين أحزاب لا رابطة بينها إلا المصالح الحزبية و الشخصية أو لخدمة أجندات خارجية مافيوزية أو ظلامية.

وأمام كل هذه التحديات التي تواجه مؤسسات و منشآت القطاع العام وخاصة الشركات العاملة في القطاع التنافسي، فهل أن هذه المؤسسات بطبيعتها مفلسة لأنها ملك عمومي كما يروج عرابة السلطة؟ أم أن المعركة في عمقها مرتبطة بغياب الحوكمة والتصرف المحكم للموارد البشرية والمادية لهذه المؤسسات؟ و بالتالي كيف يمكن أن نحمي مؤسسات القطاع العام، ونجعلها في نفس الوقت مؤسسات رابحة و تدر على الدولة موارد مالية هامة،  تقوم بدورها في مجال التنشيط الاقتصادي والتنمية الفعلية، لا بقرة حلوب لمن هم في السلطة فقط. وسنخصص هذا المقال لأهم شركة في البلاد و التي تقوم باستغلال وتحويل أهم ثروة طبيعية وطنية – الفسفاط- ونعني بها ” شركة فسفاط قفصة

  1. الفسفاط ارث وطني

الفسفاط، الثروة، الحوض المنجمي، حراك الحوض المنجمي 2008 ، كلها عناوين تؤدي إلى نفس السؤال: لماذا تتواصل مأساة الحوض المنجمي، و لماذا يتواصل نفس أسلوب التعامل معه من طرف الجميع مثلما تعامل معه نظام بن علي، و لماذا لا يطرح موضوع التنمية بالحوض المنجمي إلا عندما تتعطل ماكينة الإنتاج و مصدر الثروة الفسفاطية . أم اتفق الجميع أي كل الحكومات التي تعاقبت على السلطة في تونس منذ 1956 إلى الآن، على اعتبار الحوض المنجمي بقرة حلوب مطالبة بإعطاء الثروة و عدم المطالبة بجزء منها، وكل مطالبة بتحقيق التنمية، تدرج في خانة تعطيل الإنتاج والإضرار بالاقتصاد وبغيرها من النعوت والشعارات التي أصبحت الشعارات الأساسية لكل الحكومات و إعلامها.   ولكن ماذا يعني الفسفاط لتونس، و ماذا تعني شركة فسفاط قفصة للحوض المنجمي  و للبلاد  ككل؟

الفسفاط في تونس تاريخ بأكمله، حيث تم اكتشافه لأول مرة سنة 1883 بمنطقة الثالجة بالمتلوي. ثم تواصلت الأبحاث والاستكشافات من طرف المستعمر ليقع اكتشاف الفسفاط القابل للاستخراج بمناطق الحوض المنجمي سنة 1885، فتأسست تبعا لذلك شركة متخصصة في استخراجه و نقله إلى الموانئ للتصدير سنة 1897 سميت ” شركة صفاقس- قفصة”. منذ ذلك التاريخ إلى اليوم، و الحوض المجمي يضخ آلاف الأطنان من الفسفاط و لمدة تتجاوز131 عاما، مما يجعلنا نؤكد على أن الفسفاط لم يكن مجرد ثروة فقط، بل صانعا لتاريخ هذا البلد لأكثر من قرن من الزمن، وهو ما يجعل من شركة فسفاط قفصة إرثا وطنيا جامعا لكل البلاد، حيث أن آثار  الفسفاط التنموية والاقتصادية والاجتماعية التي لم تشمل مناطق الاستغلال، قد شملت باقي مدن تونس التي تستغل الفسفاط  ومشتقاته في مجالات الفلاحة و الصناعة و الخدمات و التصدير و التحويل.

خلال سنة 1963، تقرر  فصل الاستغلال عن النقل لمادة الفسفاط، فتكونت شركة فسفاط قفصة والشركة الوطنية للسكك الحديدية، تتكفل الأولى باستخراج الفسفاط ومعالجته، و تختص الثانية في النقل الحديدي  للبضائع والأشخاص بشكل عام و نقل الفسفاط بشكل خاص. و بمرور الزمن، تطور استخراج الفسفاط وتطورت معه شركة فسفاط قفصة ليصل رأس مالها إلى مستوى 228 مليون دينار، مما يمثل الأهمية المحورية لنشاط استخراج الفسفاط و مردود يته العالية على الاقتصاد الوطني بشكل مباشر من خلال العملة الصعبة وبشكل غير مباشر من خلال تحريكه وتنشيطه لعدد من القطاعات مثل قطاع النقل و القطاع الفلاحي ( الأسمدة ) و نشاط التصدير بالموانئ.

  • شركة  فسفاط  قفصة الشركة الدولة؟

منذ تأسيس شركة فسفاط قفصة بتسمياتها المتعددة، كانت المشغل الوحيدة بمنطقة الحوض المنجمي، إن لم نقل أنها كانت تؤمن الشغل لمئات من العمال من مناطق متعددة من البلاد  و خاصة بنزرت والشمال الغربي والجنوب الشرقي، إضافة إلى الأشقاء من الجزائر  و المغرب وليبيا حتى أن أحياء “الطرابلسية ” و”السوافة ” و”المروك” لازالت شاهدة  على هذا التنوع إلى الآن بمناطق الحوض المنجمي.

إن هذا البعد الوطني و الذي وصل إلى حد البعد المغاربي لشركة فسفاط قفصة، يعبر بشكل واضح على أهمية هذه الشركة ومحورية دورها لا على المستوى الوطني فحسب، بل على المستوى المغاربي مما خلق واقعا متعددا ومتنوعا ومتداخلا بمناطق الحوض المنجمي و جعل أهالي المنطقة ينظرون إلى الثروة الفسفاطية كثروة وطنية لها أبعاد إقليمية، سهلت التواصل وعلاقات المصاهرة بين شعبنا العربي في كل من ليبيا و الجزائر و المغرب.

كما كانت شركة فسفاط قفصة، إضافة إلى دورها الاقتصادي كمشغل وحيد، تلعب دورا اجتماعيا محوريا، حيث كانت توفر وإلى حدود بداية الثمانينات الخدمات العامة من ماء صالح للشراب و كهرباء وأطباء الصحة و فضاءات للبيع توفر احتياجات العمال  بكامل مناطق الحوض المنجمي، إضافة إلى تامين النقل المجاني إلى حدود مدينة صفاقس، دون أن ننسى مساهمتها الفعلية في رعاية الجمعيات وخاصة الرياضية و رعاية  فرق المصائف والجولات والكشافة، والأنشطة الشبابية والثقافية بشكل عام من خلال دعمها ورعايتها لقاعات السينما ودعمها للعروض المسرحية. كما كانت ترعى المؤسسات التربوية و تساهم في معاليم الدراسة والإقامة لتلاميذ العمال بهدف دفعهم للعلم والمعرفة في إطار تصور شامل للدور الاجتماعي لهذه الشركة الدولة التي لعبت فعلا دور الدولة بمناطق الحوض المنجمي طيلة العقود الماضية. مما عمم شعور لدى كل متساكني الحوض المنحمي أن الكبانية هي الدولة و أن الدولة هي الكبانية“.

وبناء على ما تقدم ذكره، يتبين بشكل جلي أن شركة فسفاط قفصة بالحوض المنجمي ليست مجرد شركة بل تحولت إلى دولة داخل الدولة سواء من خلال دورها الاقتصادي الرئيسي كمشغل وحيد، أو من خلال حلولها مكان الدولة بكل المجالات الخدماتية.

  • تخلي الشركة عن دورها الفراغ و التهميش:

في إطار برنامج الإصلاح الهيكلي الذي فرضته الدوائر الامبريالية ممثل في صندوق النقد الدولي على النظام البورقيبي المتهاوي آن ذاك، فرضت السلطة ومنذ 1986 برنامج هيكلة شركة فسفاط قفصة من خلال إحداث برنامج التقاعد المبكر والذي افرز تسريح حوالي 5000 عامل من الشركة في فترة خمس سنوات، وأغلق باب الانتداب رسميا وتخلت الشركة نهائيا عن دورها التشغيلي في حوض قائم على استخراج الفسفاط لأكثر من قرن من الزمن. كما أدخلت تغييرات هيكلية وجذرية على طرق الاستغلال التي تحولت من استخراج الفسفاط من المناجم الجوفية التي كانت تتطلب إعداد كبيرة من العمال وبطرق تقليدية، نظرا للظروف الخاصة للاستغلال الجوفي أو الباطني، إلى طريقة استخراج سطحية في مقاطع مكشوفة وباستعمال تقنيات وتجهيزات متطورة وضخمة، مما قلص فعليا الحاجة لليد العاملة التقليدية وحصرها في يد عاملة متخصصة وقليلة العدد.

كما كان لهذا البرنامج الهيكلي تداعيات كبيرة على الجانب الاجتماعي والتنموي بشكل عام على مناطق الحوض المنجمي المهمشة أصلا من خلال غياب شبه كلي للدولة. فتخلت طبقا لتوصيات برنامج الإصلاح الهيكلي شركة فسفاط قفصة عن كل الأدوار والمهام و خاصة في مجال التشغيل والخدمات العامة و الدعم والرعاية الصحية  الاجتماعية حتى لعمالها أو متقاعديها الذين افنوا العمر في العمل في الداموس.

كان لهذا الانسحاب الكامل لشركة فسفاط قفصة من كل أدوارها الاجتماعية والتنموية، أن افرز فراغا رهيبا بالمنطقة زاده غياب الدولة وتدني الخدمات العامة وتدهور شبه كامل للبنى التحتية وتفشي البطالة في صفوف كل الشرائح و المستويات وخاصة لدى الشباب سوء وبؤسا، وتحولت مناطق الحوض المنجمي بداية سنوات التسعينات إلى مواقع للمتقاعدين المسرحين من المناجم و كتل من المعطلين يعيشون عالة على أوليائهم يتقاسمون معهم أجور ضعيفة أو جرايات تقاعد لا تكفي للعلاج لمتقاعدين أنهكتهم الأمراض المهنية  و التلوث والماء الغير صالح للشراب و انسداد الأفق . وتحولت المنطقة ككل إلى مجرد حوض لاستغلال الفسفاط و معالجته و إخراجه مع عائداته لمناطق أخرى، مع تركيز منظومة فاسدة حول هذه الشركة لتتحول الى بقرة حلوب.

وتحولت الثروة إلى نقمة من خلال استغلال مفرط للماء لغسل الفسفاط، والذي يصل إلى حوالي 25 مليون م3 سنويا، إي حوالي أربع مرات الكمية المخصصة للماء الصالح للشراب لكامل سكان ولاية قفصة، هذا دون أن ننسى ما تفرزه مغاسل الفسفاط من مياه ملوثة تقدر سنويا بحوالي 12 مليون م3 تصرف في المحيط الطبيعي وتلوث المياه و التربة. كما يتسبب استخراج الفسفاط ومعالجته في تلوث للهواء وتراكم أكوام من النفايات الفسفاطية بالمناطق السكنية والأحياء مما جعلها مصدرا متواصلا للتلوث، وتدهور للمناظر الجمالية العامة وتحويل الجبال إلى أكوام من الحجارة والحصى  والأتربة، مما عمق مظاهر التصحر والانجراف وتحولت مجاري المياه عن مواقعها الأصلية مما تسبب في الفيضانات الكبيرة بالمناطق السكنية، ولعل آخرها فيضانات الرديف سنة 2009 الذي خلفت أضرارا بشرية و مادية لازالت إلى الآن ظاهرة للعيان.

لكن ورغم كل هذه التأثيرات السلبية،  وأمام تطور عائدات الفسفاط المباشرة والتي وصلت سنة 2010 إلى حدود 2100 مليون دينار، فان منظومة بن علي لم تفكر حتى في معالجة التلوث أو تحسين ابسط خدمات الصحة والتعليم أو تعبيد طريق بالمناطق العمرانية بالحوض المنجمي، إلى درجة أن الذي يزور هذه المناطق لا يتصور أنها تضخ كل هذه المليارات لخزينة الدولة سنويا. لمزيد إحكام استغلال موارد الفسفاط، قام بن علي سنة 1994 بضم شركة فسفاط قفصة و المجمع الكيميائي التونسي في شركة واحدة لها رئيس مدير عام واحد ليطبق تعليمات النهب  والاستيلاء على الثروة مباشرة.

ولكن كيف تطورت القدرة التشغيلية للشركة فسفاط قفصة والمجمع الكيميائي خلال كل هذه الفترة ؟ وما هي تداعيات الانتدابات العشوائية التي حصلت خلال سنتي 2012 و2013 إبان حكم الترويكا تحت يافطة العفو التشريعي العام؟

  • التشغيل بشركة فسفاط قفصة والمجمع الكيميائي:
    • التشغيل بشركة فسفاط قفصة:

لقد مثلت أحداث الحوض المنجمي بالرديف  سنة 2008،  والتي سرعان ما اتسعت لباقي المدن الحوض ردة الفعل الطبيعية على تراكم  التهميش والفقر والبطالة الذي اتسعت دائرتها لتشمل كل الشرائح والمستويات التعليمية. ولقد ارتبط ذلك بغياب تام للانتدابات بشركة فسفاط قفصة منذ 1986 و غياب الدولة المتواصل والذي افرز تدني شامل للخدمات العامة وللبنى التحتية ومرافق الحياة الضرورية.  ولئن كان التزوير والفساد والرشاوى التي شابت مناظرة لانتداب عمال بشركة فسفاط قفصة السبب المباشر لهذه الأحداث، فإنها سرعان ما عبرت بعمق عن أن أسباب اقتصادية واجتماعية وتنموية وأن الشعارات التي رفعت في مسيرات ضخمة ومتواصلة اختزلت مأساة الحوض المنجمي برمته ، ولخصت مطالبه الملحة.

بالرجوع إلى المعطيات المتعلقة بالتشغيل وتطور أعوان شركة فسفاط قفصة منذ الثمانينات/ فانه يمكننا القول أن  عدد الأعوان تراجع  خلال 10 سنوات بحوالي الثلثين. ولا يمكن تقديم تطور عدد أعوان الشركة قبل معرفة المهام والأنشطة التي تقوم بها شركة فسفاط قفصة في مجال استغلال الفسفاط.

يتمحور نشاط شركة فسفاط قفصة حول  استخراج الفسفاط من المقاطع السطحية، نقل الفسفاط بواسطة الشاحنات أو الابسطة المتحركة من المقاطع إلى المغاسل و غسل الفسفاط وتثمينه لإنتاج الفسفاط التجاري القابل للتحويل بمصانع المجمع الكيميائي أو التصدير للخارج. و تقوم شركة فسفاط قفصة بأنشطتها في الحوض المنجمي من خلال: إقليم المتلوي كاف الشفاير، إقليم المتلوي كاف الدور، إقليم المظيلة، إقليم  أم العرائس و إقليم الرديف.  وتحتوي الأقاليم علي 8 مناجم سطحية و 11 مغسلة للفسفاط.

وأمام هذه الأنشطة المتعددة، فان عدد الأعوان بشركة فسفاط قفصة بقي مرتبط لا فقط باتساع وتطور حجم الاستغلال، بل تأثر كذلك بالتحول الجذري من الاستغلال الجوفي الذي يتطلب يد عاملة كبيرة ووسائل إنتاج تقليدية، إلى الاستغلال السطحي الذي يتطلب تجهيزات عملاقة ويد عاملة متخصصة و لكنها اقل عددا. لذلك تراجع عدد أعوان شركة فسفاط قفصة من 14000 عون سنة 1980 إلى حوالي 4898 عون سنة 2010 ، مما تسبب في ارتفاع مهول للبطالة في الجهة منذ بداية الإصلاح الهيكلي سنة 1986  إلى الآن، حيث تعد نسبة البطالة في قفصة الأرفع وطنيا بحوالي 27 بالمائة، وبحوالي 40 بالمائة بمنطقة الحوض المنجمي و 46 بالمائة بالنسبة لحاملي الشهائد الجامعية. إلا أنه بعد 14 جانفي وخاصة سنتي 2012 و 2013 ، ورغم تراجع كل مؤشرات الإنتاج، إلا أن الإحصائيات المبينة بالجدول التالي تثبت ارتفاع عدد الأعوان بالشركة، إن لم نقل انه تضاعف بدون أسباب مرتبطة بالزيادة في الإنتاج أو بالحاجة الحقيقية للشركة.

انطلاقا من هذا الجدول و السم البياني، يتبين  أن التشغيل بشركة فسفاط قفصة  قد شهد تراجعات بالجملة منذ أواسط الثمانينات إلى حدود 2010، حيث انخفض عدد أعوان الشركة من 14 ألف سنة 1980 إلى حدود 5484 سنة 2008 ، ليستقر في حدود 4898 سنة 2010 . كما وجب التأكيد على أن الشركة تشغل ثلاث أنواع من العملة: اعوان تنفيذ و أعوان تسيير و إطارات.  و نظرا للتحولات الهيكلية التي أدخلت على أساليب الاستغلال وتطور المكننة المستعملة، نلاحظ أن عدد أعوان التنفيذ لا يمثل إلى 702 عون من جملة حوالي 5000، مما يؤكد ان حاجة الشركة للإطارات واليد العاملة المتخصصة أصبحت هي القاعدة.

ولكن ومنذ 2011 ، وانطلاقا من تصاعد المطالب بالتشغيل بالشركة باعتبارها المشغل الوحيد بالمنطقة ككل، فان عدد أعوان، تطور إلى حدود 5588 سنة 2011 ليصل سنة 2013 إلى حوالي 7398 عون، أي أن عدد العمال بالشركة ما بين 2010 و2013 قد تضاعف تقريبا، مع تراجع حاد في الإنتاج إلى حوالي النصف.كما أن عدد أعوان التنفيذ الذين لم يتجاوز عددهم سنة2010 حوالي 700 عون، وصل عددهم سنة 2013 إلى حوالي 3451 أي تضاعف 5 مرات.

فهل أن هذا الارتفاع المهول لعدد أعوان التنفيذ متطابق مع نشاط الشركة؟ طبعا لا. ولكن عندما تتحول الدولة إلى غنيمة، فان شركات القطاع العام تتحول إلى بقرة حلوب تدمج بها آلاف المتمتعين بالعفو التشريعي العام حتى ولو كان ذلك على حساب مردودية الشركة وإنتاجيتها وتوازناتها المالية الكبرى.  كما تراجع عدد الإطارات العليا والمتوسطة، رغم أن هذا الصنف من الأعوان هم المحرك الأساسي للعمل بالشركة. ولكن ليس لنا متمتعين بالعفو العام من أصحاب الكفاءات، وبالتالي فالمهم حل مشكلة أتباع من هم في السلطة قبل التفكير في مستقبل الشركة الوطن مثل شركة فسفاط قفصة.

لكن و منذ 2015 بدا عدد أعوان الشركة في تراجع وذلك لسببين: غلق باب الانتداب بالمؤسسات العمومية تطبيقا للإملاءات صندوق النقد الدولي كما لم يعد من أتباع من هم في السلطة معطلا عن العمل. كما أن هذا التراجع مرتبط بموجات التقاعد الاختياري و القانوني خلال سنتي 2017 و2018 بدون القيام بتعويض من خرجوا في التقاعد سنويا. مما سيؤثر على المدى المتوسط على القدرة الإنتاجية للشركة التي دخلت مرحلة استنزاف لمواردها البشرية وطاقاتها، إضافة إلى استنزاف لمواردها المالية التي تعمقت بفعل الانتدابات الزبونية من طرف حكومة الترويكا من ناحية، وتراجع حاد في الإنتاج، وبالتالي في رقم المعاملات من ناحية اخرى.

  • شركات أخرى صلب شركة فسفاط قفصة

منذ 2008 تاريخ أحداث الحوض المنجي بالرديف، ولامتصاص غضب السكان، وفي إطار سياسة المسكنات التي كان نظام بن علي ينتهجها، تم إحداث:

–  شركات البيئة سنة 2009 بمدن الحوض المنجمي، وهي عبارة عن شركات وهمية بدون مهام أو أهداف أو هيكلة، تقدم أجور لعمال ليس لهم عمل. وصل عدد عمال هذه الشركات حاليا حوالي 11 ألف عون

– الشركة المنجمية لنقل الفسفاط، ولا نعلم لماذا أحدثت هذه الشركة رغم كونها تستغل معدات ووسائل نقل شركة فسفاط قفصة.  تشغل هذه الشركة حوالي 1700 عون بكامل مدن الحوض المنجمي. 

هذه الشركات هي شركات داخل شركة فسفاط قفصة، وأجور عمالها من ميزانية الشركة الأم. وبالتالي فان عدد أعوان شركة فسفاط قفصة والشركات التي بداخلها يقدر بحوالي 18500،   أي أن عدد العمال تضاعف حوالي 3،8 مرات منذ 2009 . فهل تضاعف الإنتاج أربع مرات منذ 2009 ؟

  • 4.1.    المجمع الكيميائي التونسي

يرجع تاريخ إحداث أول مؤسسة صناعية لتثمين الفسفاط التجاري إلى سنة 1952 من خلال دخول شركة SIAPE بصفاقس، وأحدث المجمع الكيميائي التونسي سنة 1972 من خلال انجاز ICM . ثم تتالت الوحدات الصناعية المتعلقة بتحويل الفسفاط التجاري ليصل عددها إلى 10 وحدات موزعة على أربعة مناطق بكل من قابس وصفاقس والصخيرة و المظيلة. من خلال هذه الوحدات أصبحت تونس تحتل المرتبة الثانية عالميا في تحويل الفسفاط من خلال تثمين 85 بالمائة من إنتاجها الوطني.

ينتج المجمع الكيميائي التونسي: الحامض الفسفوري،  ثلاثي الفسفاط الرفيع ( المرتبة الاولى عالميا )، ثاني امونيترات الفسفاطDAP، ثاني الفسفاط الكلسيDCP، الامونيتر الفلاحي و الامونيترات ويصدر المجمع منتوجاته إلى أكثر من 50 دولة في العالم . ونظرا لان المجمع الكيميائي وشركة فسفاط قفصة يمثلان نفس الشركة ولهما نفس الرئيس المدير العام، فان ما حصل للأولى حصل للمجمع الكيميائي على مستوى التشغيل  والتصرف.  

نسبة التاطيرالجملةأعوان تنفيذأعوان تسييرإطارات متوسطةإطارات عليا
14.8548490237693075072008
15.4503677134852984822009
15.3489870233832934602010
12.95588181930472894332011
15.44702172522492954332012
9.47398345132492993992013
8.97036308432902893732014
9.326682300630662633472015
9.216619299230462533272016
7.86320297228502232752017
7.056098293827301852452018
  • الموارد البشرية بالمجمع الكيميائي التونسي

تطور عدد أعوان المجمع الكيميائي التونسي من 4435 عون سنة 2010 إلى حدود 6920 عون سنة 2011 ليصل سنة 2013 إلى حوالي 7438 عون.  وبالتالي نلاحظ هذا التطور الكبير لعدد الأعوان في فترة زمنية محددة ولكنها مرتبطة لا بالزيادة في الإنتاج والربح بل في تراجع في الإنتاج وتراجع في الأرباح وخسارة للأسواق العالمية. و يوضح الجدول التالي بشكل كامل تطور الموارد البشرية بشركة المجمع الكيميائي التونسي. ولكن وجب التأكيد على أن هذا العدد الذي تضاعف تقريبا ما بين 2010 و 2015 ، قد  أضيف إليه حوالي 4200 عون في إطار ما يسمى شركات البيئة بقابس. وبالتالي فان عدد الأعوان الذين يتقاضون أجورهم من ميزانية المجمع الكيميائي التونسي يقدر بحوالي 11 ألف عون

 إطاراتأعوانالجملةنسبة التأطير
2010279415644356.30
2011430649069206.21
2012406653369395.85
2013435700374385.85
2014396657769465.31
2015318617864964.9
2016248597762253.9
2017250597762273.95
2018202565058523.45

وهو ما يعني أن عدد الأعوان و باحتساب شركات البيئة قد تضاعف مرتان ونصف ما بين 2010 و 2015 . و بالتالي فان كتلة الأجور بالمجمع و باحتساب الزيادات فيها قد تضاعفت ثلاث مرات. فهل تضاعف الإنتاج بهذا القدر حتى يمكن المحافظة على التوازنات المالية للمجمع الذي يعمل في قطاع تنافسي شرس على المستوى الدولي؟

تراجع عدد الاعوان بداية من سنة 2016 يعود أساسا لنفس الأسباب التي تم ذكرها سابقا حول شركة فسفاط قفصة. باعتبار أن الشركتين قد مورست عليها نفس السياسات المافيوزية الممنهجة لتخريبهما واستنزاف مقدراتهما، كل ذلك لإعدادهما للخصخصة، خاصة وان الشركاء الاستراتيجيين من قطر وتركيا جازين للانقضاض على هذه الغنائم.

  • 4.3.              خلاصة

 وانطلاقا مما سبق ذكره، فان شركة فسفاط قفصة والمجمع الكيميائي التونسي باعتبارهما شركة واحدة منذ 1994،قد وصل عدد أعوانها بشكل مباشر أو غير مباشر إلى 29 ألف حاليا، أي أن العدد قد تضاعف 4 مرات ما بين 2010 و2015، وهو ما جعل كتلة الأجور الجملية لسنة 2017 تصل إلى 500 مليون دينار مع تراجع حاد للإنتاج وتواصل خسارة أسواق عالمية هامة للشركة. كما دخلت البلاد وفق هذا التمشي، ولأول مرة في تاريخها في مرحلة استيراد الفسفاط التجاري من الجزائر، ليضمن المجمع الكيمائي التونسي احتياطي استراتيجي لاستمرار مسارات انتاجه. وهو المدخل الأول للشروع في فتح الأسواق العالمية للمواد الفسفاطية لنمر في المرحلة القادمة في بيع ثروة الفسفاط للشركات العالمية أو الشركات التي لها و لدولها مدافعين عن مصالحها في هذا الوطن المستباح. فهل يمكن أن نتصور استدامة الشركة على هذا النحو؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ و كيف يمكننا أن نحمي هذا الإرث الوطني والثروة الوطنية؟

  • من يتحمل المسؤولية

منذ الاستعمار المباشر، تم التعامل مع الحوض المنجمي كبقرة حلوب، يستغل فسفاطها دون تقديم خدمات وبنى تحتية ورفاه اجتماعي يتناسب مع طبيعة الثروة الطبيعية. وتواصل نفس التمشي من طرف النظام سواء نظام بورقيبة أو بن علي باعتبارهما يمثلان نفس الخط و نفس التصور.  لكن بعد 14 جانفي ، حلم أهالي الحوض المنجمي بتغير في المقاربة، وأن الحكومات التي افرزها “الصندوق” ستكون عادلة ومنصفة لاهالي الفسفاط. ولكن التاريخ والممارسة الفعلية لهذه الحكومات كانت اخطر، من خلال استغلال شركة فسفاط قفصة والمجمع الكيميائي التونسي لتشغيل أتباعها وزبانيتها والسابحين في فلكها في إطار سيناريو كبير تجسد في سياسة الإغراق بالانتدابات والهروب إلى الأمام مما عمق الأزمة وانعدام الثقة بين سكان الحوض المنجمي  والسلطة.

انعدام الثقة يرجع إلى ما قبل 14 جانفي من خلال تركيز منظومة من الفساد والرشوة والزبونية وبيع المواقع  وشرائها، إضافة إلى الدور القذر الذي لعبته بعض هياكل الاتحاد العام التونسي للشغل على المستوى المركزي والجهوي والمحلي، خلال فترة نظام بورقيبة وخاصة زمن بن علي.   بالتالي، فلا يمكن لشركة  دفعت للعب دور الدولة لعقود أن تتخلى عن دورها و تترك الفراغ . ذلك هو التوصيف الحقيقي لما يحصل لشركة فسفاط قفصة والمجمع الكيميائي  التونسي فالمشكل إذن هيكلي ومتعدد الأبعاد وليس فقط مرتبط بالتشغيل. فكيف يمكننا أن نحمي هذه المؤسسة العمومية – الدولة، ونحمي ثروة وطنية مثلت ولازالت تاريخ وطن؟

  • كيف نحمي هذه المنشآت ؟

لا يمكن حماية الشركتان إلا في إطار نمط تنموي جديد، تتحمل فيه الدولة مسؤوليتها في تنمية المناطق المنجمية  ومناطق تحويل الفسفاط بشكل عام وهو ما يتطلب إجابة سياسية على سؤال محوري: ماذا نريد من المؤسسات والمنشآت العمومية العاملة خاصة في القطاعات التنافسية؟ وحتى تبقى المؤسسات منتجة و تضخ مرابيح لميزانية الدولة وجب:

  • التعامل معها على أساس شركات إنتاجية اقتصادية في مجال تنافسي،
  • لا تقوم بالدور الاجتماعي للدولة مثلما تقوم به منذ 60 عاما شركة فسفاط قفصة
  • رسم سياسة تشغيلية مطابقة مع الإنتاج والكلفة والقدرىة التنافسية
  • تمكينها من منظومة تسيير مستقلة وميسرة تجعلها قادرة على منافسة القطاع الخاص
  •         عدم توظيفها ومواردها لصالح من يحكم بمنطق الغنيمة كما كان ولازال معمولا به إلى الآن
  • العمل على جعل مناطق الإنتاج في مستوى طبيعة الثروة المستغلة من حيث البنى التحتية والخدمات والرفاه الاجتماعي مما يسهل نشاط الشركة ويجنبها منطق الابتزاز
  • التوظيف الرشيد لموارد الفسفاط في التنمية العادلة خاصة بمناطق الحوض المنجمي
  • بناء الثقة بين السلطة والسكان بشكل يقوي الحاضنة الاجتماعية للشركة
  • تركيز منظومة متكاملة للحوكمة والشفافية في التصرف والتسيير والتشغيل بشكل يجعل الكل له نفس المعلومة وبالتالي بناء الثقة المتبادلة بين جميع مكونات المنطقة من شركة وسكان وعمال وسلطة
  • إيجاد بدائل اقتصادية وتنموية بديلة وموازية لاستغلال، وتحويل الفسفاط لتخفيف العبء التشغيلي على شركة الفسفاط والمجمع الكيميائي
  • تحييد شركة الفسفاط والمجمع الكيميائي عن الصراعات النقابية والسياسية والتوظيف الجهوي، باعتبار أن الفسفاط ثروة كل التونسيين
  • إعادة النظر بشكل كلي في كل الجرائم الممنهجة التي تمت بعد 14 جانفي وخاصة في مجال إغراق المؤسستين بالانتدابات العشوائية والتي اتخذت إشكالا متعددة، لا يمكن إن تواصلت، إلا أن تفلسها وتدمر الثروة بكاملها بعد 131 سنة من الاستغلال.

لا يمكن أن نحقق هذه الأهداف، إلا بحكومة وطنية قلبا وقالبا، وذات تصور وطني للتنمية وللمؤسسات العمومية المنتجة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s