الدكتور مصطفى الجويلي: بلاغ البنك المركزي يفضح استقلاليته المزعومة

بلاغ البنك المركزي يفضح استقلاليته المزعومة

 مصطفى الجويلي

في بلاغ صادر عن مجلس إدارته بتاريخ 27 أكتوبر 2020، أعلن البنك المركزي رفضه التمويل المباشر لميزانية الدولة وجاء في  البلاغ أن « البنك المركزي سيظل ملتزماً بالمهمة التي كرسها له المشرع وهي الحفاظ على استقرار الأسعار والإسهام في تحقيق الاستقرار المالي طبقا للقانون المتعلق بضبط النظام الأساسي للبنك المركزي التونسي» ([1]) .   يأتي هذا الرفض في الوقت الذي تخلت فيه اغلب البنوك المركزية في العالم ( و لو ظرفيا) عن « استقلالياتها» و سارعت لإقراض الحكومات بل حتى المؤسسات الخاصة في بعض الأحيان في محاولة لتجاوز ما خلفته أزمة الكورونا من انعكاسات.

ليس من باب الصدفة أن يصدر البنك المركزي هذا البلاغ أياما بعد نشر مجلة Global Finance بتاريخ 7 أكتوبر 2020 لتقريرها السنوي حول محافظي و رؤساء البنوك المركزية ([2]) و الذي أسند العلامة C  أي الدرجة الخامسة في سلم التصنيف المعتمد (A, A , B, B, C , D , F ( لمحافظ البنك المركزي التونسي. و يعتمد هذا التصنيف على جملة من المعايير من أهمها « اعتماد سياسة نقدية سليمة حسب الظروف الاقتصادية لكل بلد » طبعا، من وجهة نظر المؤسسات المالية العالمية و وكالات التصنيف الائتماني. أما بالنسبة لتونس فان المؤاخذات تتعلق أولا بحجم التدخلات الاقتصادية الاستثنائية لمجابهة أزمة الكورونا ( 850 مليون دولار منها 410 مليون دولار قروض و مساعدات لفائدة المؤسسات) الذي اعتبره التقرير ضئيلا و لا يؤمن أرباحا كافية للقطاع البنكي. ثانيا، والأهم، انتقد التقرير السياسة النقدية في تونس  ذلك  أن «البنك المركزي التونسي رفع في نسبة الفائدة المديرية بمائة نقطة قاعدية لتصل إلى 7،75 %  في فيفري 2019 لمقاومة التضخم  إلا انه تراجع في مارس 2020 ليخفض نسبة الفائدة المديرية بمائة نقطة قاعدية (6،75 %) لمجابهة انعكاسات أزمة الكورونا». بلغة أخرى و حسب “غلوبال فايننس” يقاس نجاح أي بنك مركزي بمدى ما يؤمنه من أرباح للبنوك و مدى ترفيعه المستمر في نسبة الفائدة كآلية لمقاومة التضخم.

لم يكن بلاغ البنك المركزي التونسي إذن إلا ردا على تقرير “غلوبال فايننس” و درجة التصنيف التي أسندت لمحافظه. لذلك فان تأكيد البلاغ على تمسك البنك المركزي بـ “استقلاليته” و التزامه بالمهام التي ضبطها قانونه الأساسي ليس إلا رسالة موجهة إلى دوائر الرأسمال العالمي عبر فيها مجلس الإدارة عن “حسن نواياه” و “انضباطه” للمؤسسات المالية العالمية و استعداده لتنفيذ كل املاءاتها.

بتاريخ 11 أفريل 2016 صادقت الأغلبية البرلمانية اليمينية على القانون الأساسي للبنك المركزي تلبية لضغوطات صندوق النقد الدولي الذي اشترط المصادقة على هذا القانون مقابل منحه قرضا بقيمة 2،5 مليار دينار. جاء هذا القانون ليثبت مبدأ “استقلالية” البنك المركزي و يحصر مهمته الرئيسية في الحفاظ على استقرار الأسعار ( إلغاء دوره في مجابهة العجز التجاري و الدفاع عن قيمة الدينار).  هذا بالإضافة إلى ما جاء في الفصل 25 إذ  «لا يمكن للبنك المركزي أن يمنح لفائدة الخزينة العامة تسهيلات في شكل كشوفات أو قروض أو أن يقتني بصفة مباشرة سندات تصدرها الدولة». وهو ما يعني حرمان الدولة من إقراض نفسها و استعمال مواردها الذاتية ( البنك المركزي مؤسسة تابعة للدولة التي تمتلك رأس ماله) و إجبارها على التوجه حصرا إلى البنوك التجارية و هيئات النقد و الأسواق المالية العالمية للاقتراض المباشر أو عن طريق بيع سندات الخزينة.

المدافعين عن هذا الفصل يعتبرون أن التسهيلات التي يقدمها البنك المركزي لخزينة الدولة ترافقها عملية “خلق للنقود” و تؤدي بالتالي إلى ارتفاع  “الكتلة النقدية” و ارتفاع نسب التضخم. إلا أن هذا التبرير يتناسى أن البنوك التجارية لا تقرض الدولة من خزائنها الخاصة بل تتقدم بدورها بسندات إلى البنك المركزي  ليمكنها من السيولة اللازمة وهو ما يؤدي  أيضا  إلى “خلق النقود” و ارتفاع  الكتلة النقدية. كل ما في الأمر أن عملية “خلق النقود” أصبحت الآن حكرا على البنوك التجارية التي تنتصب كوسيط في عملية الإقراض. عموما، بمقتضى هذا الفصل تجبر الدولة على الاقتراض لدى البنوك التجارية أو اللجوء إلى التداين الخارجي في حين يقوم البنك المركزي “المستقل” بالترفيع في سعر الفائدة لمقاومة التضخم و يغض الطرف عن التدهور المستمر لقيمة الدينار  و هو ما يؤدي إلى إثقال كاهل الميزانية بكلفة مديونية إضافية. تكفي الإشارة هنا أن تدهور قيمة الدينار  أدى إلى ارتفاع  حجم الديون بما قدره 21430 مليون دينار بين 2013 و 2018 و أن 18،8 % من بين 77 % كنسبة تداين سنة 2018  راجعة إلى تدهور قيمة الدينار)[3](. من ناحية أخرى بلغت فوائد البنوك التجارية الموظفة على القروض المسدات للدولة 1250 مليون دينار سنة  2018 ([4]) .   

في البيان المذكور أشار البنك المركزي إلى المستوى غير المسبوق لعجز الميزانية المقدر بـ 13،4% من الناتج المحلي الإجمالي لسنة 2020  في ظرف «يتسم بصعوبة الولوج للسوق المالية العالمية خاصة مع تدهور التصنيف السيادي لتونس وارتفاع  الكلفة بهذه السوق تبعا لشح السيولة من جراء تأثير الأزمة الصحية على مديونية الدول». كما نبه نفس البيان من مخاطر تكثيف اللجوء إلى التمويل الداخلي الذي «من شأنه أن يسلط مزيدًا من الضغوط على السيولة وبالتالي مزيدا من اللجوء إلى إعادة تمويل البنك المركزي» بالإضافة إلى «التأثيرات المباشرة وغير المباشرة على مستوى التضخم» و كذلك  «أثر المزاحمة المحتمل لتمويل القطاع الخاص». هذه التأكيدات الواردة في البيان تعني أن البنك المركزي الرافض للتمويل المباشر لميزانية الدولة (احتراما لقانونه الأساسي) غير مستعد أيضا لمسايرة الحكومة في سعيها للبحث عن تمويل خارجي و خاصة اللجوء إلى التداين الداخلي (يمكن أن نفهم هنا دعوة رئيس الحكومة مؤخرا البنوك إلى شراء سندات الخزينة و هي في الواقع دعوة إلى التمرد على قرارات البنك المركزي) أي أن البنك المركزي الذي سيعمق أكثر سياساته (الترفيع في سعر الفائدة، الدفع نحو تعويم الدينار…) سيسعى أيضا إلى تضييق إمكانيات  التداين الداخلي لتمويل عجز الميزانية. في هذه الوضعية و أمام ارتفاع نسبة عجز الميزانية لن تجد الحكومة من خيار سوى الضغط المفرط على النفقات عبر تجميد الانتدابات و تجميد الأجور و التخلي عن منظومة الدعم و خوصصة المؤسسات العمومية. هذا هو تحديدا الهدف المنشود للبنك المركزي و هذه هي بالضبط الإجراءات التي تعهد محافظ البنك المركزي و وزير المالية بتنفيذها في رسالة النوايا التي وجهاها إلى مديرة صندوق النقد الدولي([5]) بتاريخ 2 أفريل 2020.

في النهاية، أمام ضغوطات صندوق الدولي و سعيه لفرض ما يسمى “إصلاحات كبرى” تبدو الحكومات المتعاقبة عاجزة عن تنفيذها (رغم تبنيها لها)  تحسبا لما يمكن أن تفرزه من احتجاجات و سعيا من الأحزاب الحاكمة للحفاظ على أرصدتها الانتخابية. لم يبقى إذن للبنك المركزي سوى “إكراه” الحكومة على تنفيذ كل الاملاءات و ذلك برفض التمويل المباشر للميزانية و تضييق إمكانيات التداين الداخلي. هذا يعني أن “استقلالية” البنك المركزي ليست في الواقع إلا  تحويله بشكل جلي إلى أداة لتنفيذ سياسات دوائر الرأسمال الاستعماري العالمي و ضمان مصالح الكمبرادور المصرفي المرتهن به.         


[1]: بيان مجلس إدارة  البنك المركزي بتاريخ 27 أكتوبر 2020 https://www.bct.gov.tn/bct/siteprod/arabe/actualites_ar.jsp?id=762&la=AR

[2] :                         Global Finance « Central Banker Report Cards 2020»7october 2020,  https://www.gfmag.com/magazine/october-2020/central-banker-report-cards

[3]وزارة المالية ” تقرير حول الدين العمومي” ماي  2020http://www.finances.gov.tn/sites/default/files/2020- 05/rapport-de-la%20dette-15-mai%202020.pdf

[4]  :  البنك المركزي التونسي.  التقرير السنوي 2019.

[5]  :                                                     International Monetary Fund, Tunisia: Letter of Intent April 2020, https://www.imf.org/external/np/loi/2020/tun/04142020.pdf

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s