ملاحظات حول ردود الافعال في علاقة بخطاب الرئيس الفرنسي.

الدكتور مصطفي الجويلي

البرجوازية الفرنسية تعيش أزمة متعددة الأبعاد. أولا “فائض المهاجرين” الذي خلقته هذه البرجوازية نفسها عندما كانت إلى حدود أواخر سبعينات القرن الماضي في حاجة إلى يد عاملة رخيصة و غير مؤهلة لأشغال البنية التحتية (شبكة المترو خاصة) و صناعة السيارات و التجهيزات المنزلية و غيرها. هذا الفائض أصبح اليوم بحكم التحولات التكنولوجية و الاقتصادية غير مرغوب فيه لعدم نفعيّته من وجهة نظر رأس المال و أصبح يمثل عبئا و الأهم أن هذه البرجوازية في حاجة إلى هؤلاء المهاجرين في بلدانهم الأصلية كجيش احتياطي من المعطلين يسمح للشركات الفرنسية المنتصبة في هذه البلدان من الضغط المتواصل على الأجور.

البعد الأخر يتمثل في تراجع وزن البرجوازية الفرنسية داخل الاتحاد الأوروبي لصالح نظيرتها الألمانية و في باقي أوروبا (أوروبا الشرقية) أمام المد الأمريكي و الروسي و في باقي العالم أمام المد الصيني و التركي بدرجة ثانية. هذا التراجع انعكس سلبا على ما كانت تنهبه من ثروات هذه البلدان و الذي كانت توظف جزء منه لشراء السلم الاجتماعي داخل فضائها القومي (فرنسا).

في هذا السياق تأتي التصريحات المستفزة لماكرون و بعض رموز اليمين الفرنسي القائمة على شيطنة الأخر العربي/ المسلم / المهاجر و الذي يهدف إلى إيجاد مسوغات “قانونية / شرعية ” (الإرهاب ، التطرف، عدم احترام قيم الجمهورية …) للتقليل من عدد المهاجرين و ترحيل جزء منهم إلى بلدانهم الأصلية و من ناحية أخرى شحن شرائح واسعة من الفرنسيين ضد المهاجرين وهي سياسة اعتمدها اليمين الفرنسي كل ما تفاقمت الأزمة الاجتماعية في فرنسا فيقدم المهاجرين كسبب للبطالة و تدهور الأجور و تفشي الإجرام …..

في المقابل “الإسلام السياسي” و اليمين الديني عموما في تونس كما في بلدان أخرى يوظف ما حدث عبر استنهاض الوازع الديني تحت شعارات ” الإسلام في خطر” و “نصرة رسول الله” و يشهر “العداء لفرنسا” و هو بذلك يحاول استرجاع ما فقده من شعبيته و يسعى إلى إحكام هيمنته باسم الدين و تحويل وجهة الصراع الحقيقي لخدمة أجندات استعمارية مغايرة.

في الواقع لا يختلف الإسلام السياسي عن اليمين الفرنسي فكلاهما يوظف الدين و لكن كل حسب أجندته و المصالح المرتبط بها. هذا الشحن المتبادل قد يفتح مسارا من العنف يكون “المهاجرون” ضحيته الأولى. جمهور عريض من “الحداثيين” و بعض اليساريين دفعتهم فوبيا النهضة و العداء للإسلام السياسي للارتماء في أحضان ماكرون بتعلة الدفاع عن اللائكية و حرية التعبير و الضمير و …… هؤلاء تناسوا فرنسا القوة الاستعمارية التي تنهب ثروات قارة بأكملها لأكثر من قرن و الداعمة لكل الاغتيالات و الانقلابات ( سانكرا، لوممبا، كوامي …..)، فرنسا التي دعمت المجاميع الإرهابية في ليبيا………فرنسا اللائكية التي يجرّم قانونها أيّ تشكيك في “المحرقة اليهوديّة” و تعتبر”معاداة الصهيونية نوع من معاداة الساميّة”. فرنسا ، أو بالأحرى البرجوازية الفرنسية التي تكيف اللائكية و حرية التعبير حسب ما تقتضيه مصالحها وهو ما عبر عنه وزير خارجية فنلندا بقوله ” “لم أعد أفهم أي شيء: حين نسخر من السود نسمي ذلك عنصرية، وحين نسخر من اليهود نسمي ذلك معاداة السامية، وحين نسخر من النساء نسمي ذلك تحيزا جنسيا، وحين نسخر من المسلمين نسمي ذلك حرية تعبير”.أصدقائنا يتهكمون على بعض ردود الفعل مثل الحملات الفايسبوكية ( إلا رسول الله) و الدعوة لمقاطعة البضائع الفرنسية و هي ردود فعل منطقية لشعب يفقر و تنهب ثرواته و لم يعد يمتلك، في غياب التأطير السياسي (وهي مهمة الثوريين) سوى معتقداته و بعض وسائل الاحتجاج البسيطة ( المقاطعة).

التهكم على ردود الفعل هذه يسهل في نهاية الامر احتوائها و توظيفها من طرف اليمين الديني. هذا التهكم مرده القصور السياسي و المعرفي الذي يرى التخلف في الهوية و الموروث الثقافي لا في الاستعمار و الحيف الطبقي. لذلك تتنامى النزعات الليبرالية في كل مرة تبرز فيها صراعات الهوية المفتعلة.

صراعنا الرئيسي مع الاستعمار و وكلائه المحليين من الحداثيين و المتسترين بالدين. و لن نؤسس لمشروع تحرري بمعزل عن الشعب. لذلك من لا يحترم معتقدات شعبه، يبني بينه و بين نفسه حاجزا و يحكم على نفسه بالعزلة و العجز عن بناء أي مشروع.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s