في استشكال التّأصيل الفلسفيّ للمقاربات الدّيداكتيكيّة_ البيداغوجيّة لتدريس الفلسفة للأطفال

يوسف طرشون متفقد أول اختصاص فلسفة

“Maturité de l’homme : retrouver le sérieux  qu’il mettait au jeu, étant enfant.” 

Friedirich Nietzsche ;  Par-delà le bien et le mal.                        

                              

تقديم:

     لا ريب أنّ الانخراط في المشروع التّنويري الحداثيّ قد فتح أمام الفلسفة أفق دمقرطة ممارستها قطعا مع الإرث الأفلاطونيّ الذي كرّس نخبويّتها. وعلى الرّغم من تمسّك بعض المعاصرين من الفلاسفة بضرورة المحافظة على هذه “النّبتة النّادرة والتي، كما يقول نيتشة، يجب أن تظلّ كذلك” إلاّ أنّ مسار دمقرطة ممارسة فعل التّفلسف وتعميم تدريسه قد ذهب أشواطا لا يعتقد بعدها إمكان التّراجع عنه.

     ومع ذلك لا يزال الجدل اليوم، بل أكثر من أيّ وقت مضى، يتزايد بشأن مسألة تدريس الفلسفة باعتبارها مادّة للتّعلّم والتّعليم. ولئن حسم التّداول مؤسّساتيّا بشأن إمكان ذلك الفعل التّربويّ على المستوى الإجرائيّ، وهو ما يمكن الاطّلاع عليه في مختلف المناهج التّربويّة عالميّا، إلاّ أنّ النّظر في شأن شروط ذلك الإمكان من حيث الأدوات البيداغوجيّة والاستراتيجيّات الدّيداكتيكيّة والمقاربات النّظريّة للتّعلّم والغائيّات التّربويّة التي يرتئيها، بقي موضع نقاش تقاطعت فيه فواعل تجاوزت محض السّؤال التّربويّ البيداغوجيّ لتشمل استشكال الرّهان السياسيّ ومساءلة الأفق المجتمعي الإنسانيّ. ولعلّ في تنوّع واختلاف الممارسات التّربويّة في تدريس الفلسفة ما يؤكّد الاحراجات الحقيقيّة المقترنة بمحاولات رسم الاستراتيجيّات الأكثر ملاءمة ونجاعة لتعلّميّة الفلسفة وتعليمها.

   لقد فتح همّ الدّمقرطة ذاك أفق ارتباط فعل التّفلسف لا فقط بمختلف الفئات والطّبقات الاجتماعيّة بل كذلك بمختلف الفئات العمريّة مع ما يقترن بذلك من إشكاليّات في تخيّر الأدوات البيداغوجيّة الملائمة لمختلف تلك التّشكيلات الاجتماعيّة والعمريّة المتباينة علاوة على إكراهات التّأطير المؤسّساتي السّلطوي لتلك الممارسات التّعليميّة لارتباطها العضوي بالفضاء العموميّ.

   وإذا كان شأن الفلسفة اللّقاء بالإنسان ذكرا أو أنثى، كهلا أو طفلا حيثما كانوا فلا بدّ من فتح أبواب الأكاديميّة الأفلاطونيّة على أغورا  Agoraسقراط ولوقيون  Lyceeأرسطو ورواقStoa  الرواقيّين وحديقة الكلبيّين ومعابد روما وكنائس أوغسطين ومساجد الكوفة وقرطبة وو… لم تكن الفلسفة يوما لترضى سجن الأكاديميّة مكانا ولا ديالكتيك أفلاطون منهجا ومنهاجا أوحدا.

    إلاّ أنّ العودة إلى الكهف قد أخذت أشكالا عديدة لا سيّما في الأربعين سنة الأخيرة وتعيّنت في ما يسمّى الممارسات الفلسفيّة الجديدة(NPP)  كالورشات الفلسفيّة (AP) وورشات التفكير في الوضع الانسانيّ (ARCH) وجماعة البحث الفلسفيّ (CRP) والنقاش ذو المغزى الفلسفي (DVP) والفلسفة للأطفال (PPE) انفتاحا على فضاءات فلسفيّة جديدة: المقهى، دور الرّعاية الصّحّيّة، مراكز الايواء والسجون والاصلاحيّات، مدارس المهن، دور الثّقافة، الجامعة الشّعبيّة، محاضن الأطفال، المدارس الابتدائيّة .. وذلك رغم مقاومة شديدة لا سيّما من بعض الجامعيّين والأكاديميّين بتعلّة مخاطر انحطاط هذه الممارسات بالفلسفة إلى لامعقوليّة الدّوكسا Doxa الذي يفترض أن يتعلّق التّفلسف الحقيقيّ بالقطع معها ومع كلّ الأفكار المسبقة العالقة بها بالإضافة إلى ما يستوجبه  ذلك من تمسّك بالفضاء الأكاديمي المتخصّص والخيارات الدّيداكتيكيّة التّقليديّة.

     ويبدو أنّ اعتراض بعض الأكادميّين اليوم على الممارسات الفلسفيّة الجديدة ولا سيّما الفلسفة للأطفال لا يعدو إلاّ أن يكون ضربا من “الرّيبيّة” السكولاستيكيّة التي لا ترى في “المقهى الفلسفيّ” مثلا سوى ضرب من العرض التّجاري المحكوم ب”دوكسيولوجيا”  (doxologie)سفسطائيّة فجّة. كما لا ترى في تدريس الفلسفة للأطفال في المدارس الابتدائيّة سوى “ديماغوجيا بيداغوجويّة(démagogie pédagogiste) ” محمّلة بغائيّات سياسويّة إيديولوجيّة تعبث بالفلسفة دون احترام لمتطلّبات المادّة وخصوصيّاتها. ليس هذا الموقف في رأي شاتلي Châtelet   سوى ردّ فعل ارتكاسيّ يعبّر عن تكتّليّة “الفلسفة المدرسيّة والجامعيّة” أوعن ذهنيّة “سقراط الموظّف”، حسب عبارة  Thuillet، الذي يدافع عن مجال وجوده الحيويّ ضدّ الغزاة الذين يعتدون،في رأيه، على الثّقافة الفلسفيّة الأصيلة التي لا قوام لها إلاّ بالقطع مع أوهام السّاحة العامّة وتجاوز صبيانيّات الرّأي السّائد وشعوذات الجمهور وممارسات الجدل السفسطائيّ العقيم.  

      ويشغل تدريس الفلسفة للأطفال، من بين كلّ تلك الممارسات، مركز الاهتمام بالنّظر إلى ارتباطه بالمقتضى التّربوي لأوسع قاعدة مستهدفة من الفئات الاجتماعيّة وبسبب تشابكه الرّسميّ مع عناصر البرامج التّعليميّة لكثير من الدّول. ولعلّ تلك الاعتبارات هي التي تجعله الأقرب إلى المنشغلين بالشّأن البيداغوجيّ لا سيّما في سياق الممارسة التّربويّة الممأسسة كأمر واقع أو كشأن مأمول على الأقلّ كمشروع في سياق أفق الإصلاح التّربويّ (تجدر الإشارة في هذا السّياق إلى تجربة “نوادي الفلسفة” في الأقسام النّهائيّة من التّعليم الثّانوي ومشروع إدماج حصّة “الايقاظ الفكريّ” ضمن منهاج التّعليم الابتدائيّ).

    غير أنّ مقاربة هذه الممارسة الفلسفيّة الجديدة لا يمكن أن تختزل في البحث التقنويّ في الأدوات الدّيداكتيكيّة والأهداف الإستراتيجيّة المباشرة والوسائل البيداغوجيّة الملائمة لتدريس الفلسفة للأطفال (ما سيكون موضوع القسم الثاني من هذا البحث). ذلك أنّ الجدل لا يزال قائما حول مشروعيّتها وشروط إمكانها لا سيّما من وجهة نظر علماء نفس الطّفل ومنظّري البيداغوجيا بل، ولعلّه الأمر الأكثر إحراجا، من زاوية رأي المتفلسفة أنفسهم. وهذا ما يستوجب، قبل التّناول التّعليميّ-التّعلّميّ لممارسة تدريس الفلسفة للأطفال، الاستشكال الفلسفيّ لعلاقة الفلسفة بالطّفل ومنزلة الطّفولة من التّفلسف وحاجة الفلسفة للطّفولة وحاجة هذه الأخيرة لها.

القسم الأوّل:

                              في التّأصيل النّظريّ للرّهان البيداغوجيّ

                              على تدريس الفلسفة للأطفال

   *1-الطّفل ذلك المجهول:

    إنّه لمن نافل القول تأكيد ارتباط الفعل التّربويّ البيداغوجيّ في المخيال السّائد بالطّفل ((paidikos أساسا، وهو ما يحيل عليه الاشتقاق اللّغوي في الأصل اليوناني، ممّا يعني أنّ فعل التّربية إنّما يتقصّد الطّفل لا الانسان من حيث هو كذلك وبالتّالي فهو يستبطن تمثّلا مسكوتا عنه لمنزلة الطّفولة من الانسانيّة. يقول مرلوبنتي Merleau-Ponty “ليست البيداغوجيا سوى التّوصيف للصّورة التي يصطنعها الكهل عن الطّفل”. ومن ثمّة فإنّ النّظر في علاقة الفلسفة بالطّفل من زاوية بيداغوجيا تدريسها له يطرح ضرورة استشكال صورة الطّفل من منظور الفيلسوف عموما وفلسفة التّربية على وجه التّخصيص.

      إنّ “الطّفولة اختراع حديث” كما يؤكّد فيليب آرياس Philippe Ariés في كتابه “الطّفولة والحياة العائليّة في النّظام القديم“، ذلك أنّ الطّفل-الذّات “لم يولد” إلاّ في نهاية القرن الثّامن عشر حين أعلن جون جاك روسوJ.J. Rousseau  في كتابه “إيميل أو في التّربية” أنّه علينا “النّظر للإنسان (الكهل) في الإنسان (الكهل) والطّفل في الطّفل” فاتحا بذلك “مقل أناس لم يستيقضوا يوما إلاّ آن الظّهيرة، على الفجر” حسب عبارة تاين H.Taine في كتابه “أصول فرنسا المعاصرة”. ومتّهما التّربية بكونها “تضحية بحاضر (الطّفولة) من أجل مستقبل (الكهولة) غير مضمون”.

     لقد هيمنت، إلى أمد غير بعيد، الصّورة النّمطيّة السّلبيّة للطفل-الموضوع بل إنّها مستمرّة إلى اليوم، سواء بصفة واعية أو غير واعية، في أغلب الممارسات التّربويّة. هذه الصّورة التي تربط الطّفولة بالخطأ والخطيئة والقصور والعجز والشرّ والانفعاليّة بل تذهب حدّ تنزيل الطّفل محطّ اللاّإنسانيّة واللاّمواطنيّة والتوحّش. فليس الطّفل في أرقى التّوصيفات الرّاشدة تلك سوى مشروع إنسان بل هو “مرشّح إنسانيّة” “candidat à l’humanité”   كما يقول هنري فالون Henri Wallon. وهو عين توصيف هربرت سبنسر Herbert Spenser له ب”الانسان غير النّاجز/غيرالمكتملhomme non fait / non définitif”“؛ إنّه إنسان بالقوّة بالمعنى الأرسطيّ. وذلك وفقا للقاعدة المسلّم بها في كون الرّشد مشروطا بالنّضج وكون النّضج مشروطا بالبلوغ الذي هو القطيعة مع مرحلة الطّفولة. ولا تعيّن لهذا المشروع إلاّ بنفي الطّفل وإعدامه أي تجاوز الوضع الطّفوليّ واغتياله وهو دور التّربية المضمر الذي يتلخّص وظيفيّا في تحريرنا من هذا ال”حيوان” المحكوم بمجموعة من الانفعالات السّلبيّة الفوضويّة. فالتربية لا تفكّر في الطّفل إلا من زاوية أهدافها هي. 

    فهذا أفلاطون يشبّه الطّفل ب“الرّضيع المتعدّد الرّؤوس”، “nourrisson polycéphale الذي تتنازعه انفعالات متصارعة في غياب العقل مناط الانسانيّة. لقد دأب هذا الأخير على طرد “المتطفّلين” على أكاديميّته ولم يكن حضور الأطفال العرضيّ ثنايا بعض محاوراته، شأن: ليزيس Lysis وشارميدس  Charmide ومينون Ménon ومينكسان  Ménéxéne وبالاستر ..Palestre سوى حضور الوسيلة البيداغوجيّة لخدمة أغراض المحاورة .بل لقد نصّص أفلاطون بكثير من القطعيّة في سابع كتب جمهوريّته على أنّه من الواجب “منع الحديثي السنّ من ممارسة الدّيالكتيك ” وحجّته في ذلك “أنّ المراهقين الذين تذوّقوا الدّيالكتيك لأوّل مرّة يسيئون استعماله ويتخذونه ملهاة ولا يستخدمونه إلاّ للمغالطة فإذا ما قام أحد بتفنيد حججهم فإنّهم يحاكونه ويفنّدون حجج الآخرين على نفس النّحو شأنهم في ذلك شأن الجرو الذي يجد لذّة في جذب كلّ من يقترب منه وتمزيق ملابسه“.

     وهي عين المنزلة التي بوّأ أرسطو إيّاها “أشباه جراء” أفلاطون عندما خصّص لطفله نيقوماخوس Nicomaque مصنّفا في الأخلاق ليستنقذه من طبيعته الطّفوليّة اللاّأخلاقيّة ويرتقي به مدارج الكمال الايتيقيّ الإنسانيّ. فسياسيّا يعرّف الطّفل سلبا باعتباره “الما ليس مواطنا بعد” لتمييزه عن المواطن وعن اللاّمواطن، إنّه أنطولوجيّا محض إمكان وظيفة التّربية نقله من الوجود بالقوّة إلى الوجود بالفعل. إذ “لمّا لم يكن الطّفل كائنا مكتملا، كما يؤكد أرسطو في الكتاب الأوّل من مصنّف السياسة، فإنّ فضيلته لا يمكن أن ترتبط بشخصه بل بالغاية التي تحدّده” وهاهنا تكمن وظيفة التّربية. ولعلّ تلك الطّرفة الشهيرة التي رواها بلوتارك Plutarque  في رسالته “في أنّ الحكمة يمكن أن تتعلّم وتعلّم“، تكشف لنا منزلة الطّفل من العقل والمسؤوليّة في نظر القدامى. حيث صفع ديوجين Diogène مربّي الطّفل الذي كان يعبث على مائدة الطّعام عوض معاقبة الطّفل.

    لم يكن موقف مفكّري العصر الوسيط لينأى عن تصوّر قدماء الفلاسفة بشأن الطّفولة لا سيّما تحت تأثير الديانتين المسيحيّة والإسلاميّة. فهذا القدّيس أوغسطين  Saint Augustinيعتبر الطّفولة صنوا للخطيئة الأولى حيث يقول في “اعترافاته” “بقدر صغر الطّفل بقدر عظمة خطيئته” ممّا جعل بوسوويه  Bossuetيسم الطّفولة ب “الظّلمة والبهيميّة والإثم” ويتحدّث عن الطّفل الشّيطان. وحتى في فجر الحداثة مع ديكارت Descartes فلقد اقترنت الطّفولة بمفهوم الخطأ والقصور و”عدم القدرة على قيادة الحسّ السليم“.

   إنّ التّحرّر من هذه الصّورة النّمطيّة السّلبيّة للطّفل والتّخلص تبعا لذلك من المقاربة الوظيفيّة للتّربيّة كتجاوز للطّفولة (أن نذهب نحن إلى الطّفل لا أن نجرّه إلينا) هو شرط الإمكان الضّروريّ لإمكانية الانفتاح على بيداغوجيا تدريس الفلسفة للأطفال وفق التّمشّي البنائيّ الاجتماعيّ الذي ينزّل الطّفل-المتعلّم منزلة الفاعل في عمليّة بناء المعارف. ويبدو أنّ الخطوات الـتّأسيسيّة في ذاك الاتجاه إنّما تأصّلت في تحوّل الطّفولة إلى بنية مستقلّة بذاتها لا تتحدّد قياسا لمفهوم الرّاشد أو معنى الانسان المكتمل. وبالتالي فإنّ استنقاذ الطّفل يستوجب الاقتدار على الإقامة داخل الطّفولة البنية أي داخل “الطّفل-الحدث” (l’enfant fait) وفق الاستعارة النيتشويّة وأن نكون قادرين على “رؤية الأشياء بأعين الطّفل”: أن نقيم “داخل الطّفل”.

*2-الوضع الطّفوليّ كشرط الإمكان التّرنسندنتالي للتّفلسف:

     لقد تفطّن العديد من الفلاسفة إلى أنّ الطّفولة هي شرط الإمكان التّرنسندنتالي للتّفلسف باعتبارها لحظة البدء، لحظة الخواء، لحظة البراءة، لحظة إمكان الاندهاش باعتباره مشروطا ب”صفر المعنى” الذي يفتح أفق الاقبال على العالم حيث لم تتشكّل بعد بنى التّلقّي بتوسّط الأحكام المسبقة التي تصبح عوائق دون ملاقاة الوجود البكر وبالتّالي دون التّفلسف. ألم يميّز كارل يسبرس بين نشأة الفلسفة وأصلها ((Origine et avènement ليؤكّد أنّ الأصل مرتبط ب”ظاهرة بسيكولوجيّة متجدّدة” تقترن بالدّهشة، في استحضار صريح للموقف الأرسطيّ، تلك الدّهشة التي تمثّل وضعيّة الطّفولة أجلى أشكال تعيّنها. وهي حالة لا تتّصل بسنّ معيّنة بل هي “وضعيّة” اجتهد ميرلوبنتي في محاولة توصيفها فينومينولوجيّا باعتبارها الوضع البدئيّ للتفكير، “المعين الأوّل” حسب العبارة السّارتريّة، الذي نصل إليه بتوسّط الارتداد التّرنسندنتالي عبر مسار التّطهّر من البنيات الكبرى التي نمّطت الوعي منذ الولادة وخلال الطّفولة كالمقولات اللّغويّة والتّشكيلات العلائقيّة للإنسان بالعالم ونماذج تمثّل الأشياء وأنماط استقبال الآخر. إنّها وضعيّة ماقبل-لغويّة تضع الذّات خارج العالم وخارج الفكر كشرط للتّفكير-التّفلسف المتحرّر من سلطة الأب. ولئن كانت هذه الوضعيّة مطلبا عزيز المنال بالنّسبة للكهل الذي وقع بعد في “شراك النّحو والصّرف”، حسب عبارة Michel Foucoult، وتلبّس وعيه بمنظومة القيم التي تلقّاها، فإنّ وضع الطّفل يتطابق إلى حدّ ما مع ذلك الوضع البدئيّ للتّفكير الحرّ حيث أنّه لا يزال في حلّ من القوالب الجاهزة ولا يحتاج إلى عناء الشكّ الديكارتيّ للتّخلّص منها.

    أنّى لنا ببكارة البدايات؟..” إنّها لعسيرة جدّا مهمّة البداية المتجدّدة من الصّفر، كما يقول الفنّان بول كلي Paul Klee ولكنّها ضروريّة. أريد أن أكون بمثابة المولود الجديد.. أن أكون بدائيّا تقريبا” تلك عين حقيقة الفنّان فيلسوف نيتشه الذي يتحرّر من وضع الأسد الذي حطّم رطانة الجمل ليستحيل حملا-طفلا يقول زارادشت نيتشه “الطّفل براءة ونسيان، إنّه بداية جديدة ولعب، إنّه عجلة تدور حول ذاتها وحركة أولى هو، و“نعم” مقدّسة”. بل لعلّها دعوة الشّاعرريلك Rilke ، التي طالما ردّدها نيتشه: “كن مثل طفلDeviens tel un enfant“”.

   لم تعد الطّفولة ذلك القصور أو الإثم الذي يجب التّكفير عن الوقوع فيه بتجاوزه بتوسّط الفعل التّربويّ بل هي بالأحرى هدف؛ ذلك أنّ “نضج الإنسان؛ استعادة الجدّ الذي كان لنا في اللّعب عندما كنّا أطفالاLa maturité de l’homme, c’est d’avoir retrouvé le sérieux qu’on avait au jeu quand on était enfant  كما يقول نيتشه. تلقائية خلاّقة هي الطّفولة كما تقول حنا أرندتHanna Arendt ” إنّها معجزة إنقاذ الكائن: الولادة المتجدّدة” وهو شرط إمكان تجدّد الفكر كذلك.

   ولعلّ ما حفّز ماتيو ليبمانMathieu Lipman ، رائد تدريس الفلسفة للأطفال ابتداء من سبعينات القرن الماضي، إلى الانهمام بحاجة الأطفال للفلسفة هو اصطدامه بواقع تشكّل البنى المنطقيّة الخاطئة والتي لم يعد من الممكن تعديلها أو تطويرها في أذهان طلبته في جامعة كولومبيا، حيث كان يدرّس المنطق، ممّا جعله يعمد إلى وضع منهاج دراسيّ (سنتناوله بالدّرس لاحقا) يستبق هذا الوضع بالتوجّه للأطفال في سنّ مبكّرة لتحصينهم من تلك الأخطاء البنيويّة في التّفكير.

*3-الطّفل ذلك الفيلسوف بالقوّة:

   يكشف الارتباط الماهويّ بين طبيعةفعل التّفلسف بما هو اندهاش خلاّق وبين الوضعيّة الطّفوليّة كبداية بكر لا فقط إمكانيّة تفلسف الطّفل بل تجذّر هذا النّزوع فيه من حيث هو كذلك. هو متفلسف ضرورة “لأنّه” طفل. ضمأ تمعين الوجود يستحثه عل طلب الارتواء تسآلا لا ينقطع واندهاشا هو علامة بداية البدايات. شرط ألاّ نشترط لزوم ما لا يلزم ك: اكتساب أدوات الدّيالكتيك المنطقيّة بصفة قبليّة لولوج الأكاديميّة كما يدّعي أفلاطونPlaton  أو سجن تعلّم الفلسفة في تعلّم الأنساق الفلسفيّة كما يؤكّد هيجلHegel  أو انتظار بلوغ مرحلة بعينها من مراحل النموّ كما يشترط بياجي .Piaget (رغم أنّ بياجي يعترف بوجود ارهاصات التّفكيرالفرضي-الاستنتاجيّ الذي يحدّد المرحلة الثّالثة الموسومة ب”المنطقيّة الصّوريّة” في حدود سنّ العاشرة والثانية عشرة ممّا يعني امكانيّة هيكلة بعض قواعد هذا الضّرب من التّفكير القائم على الاستدلال الصّوريّ والتأمّل المجرّد في تلك السّنّ. إلاّ أنّه يجزم باستحالتها في المراحل السّابقة).

    بالمقابل، في “رسالته إلى مينيسي” يؤكّد أبيقور Epicure أنّ “فعل التّفلسف واجب على من هو في سنّ يافعة وجوبه على من كان شيخا”، مسلّما من ثمّة بإمكانيّة تعلّم الحكمة من طرف الأطفال. وهو ما أوصى به منتاني Montaigne في “محاولاته” لتسليمه بقدرة الطفل منذ نعومة أظافره على التّفلسف وتعلّم الفلسفة أكثر من قدرته على “تعلّم الكتابة والقراءة”. ألم يجد كارل ياسبرس karl Jaspers في أسئلة الأطفال “الأصل الحقيقيّ لكلّ تفلسف”؟ ألم ينزّل جاك داريداJaques Derrida   في مقال له بعنوان “في الحقّ في الفلسفة” التّفلسف وتعلّم الفلسفة منزلة “الحقّ” الانسانيّ؟ وذلك في معرض دفاعه عن ضرورة تدريس الفلسفة للأطفال منذ المرحلة الابتدائيّة. بل لقد اعتبر باتيي J.C. Pettier في كتابه “الفلسفة في التّربية المكيّفة: إكراه أم ضرورة؟” أنّ التّفلسف “حقّ انسانيّ”. وهاهو فرنسوا ليوتار J.F. Lyotard يدعو، في كتابه” مابعد الحداثيّ في متناول الأطفال” إلى “استعادة الوصل بعهد الطّفولة؛ عهد ممكنات الفكر”.

  ولعلّه من الجدير بالملاحظة إمكان إسناد ذلك “الحقّ” للأطفال في التّفلسف بما ورد في المادّة 12 من المعاهدة الدّوليّة لحقوق الطّفل والتي تنصّ على ” حقّ الطّفل في التّعبير الحرّ عن رأيه في كلّ ما يعنيه من مسائل” وكذلك ما نصّت عليه المادّة 13 من” حقّه في حرّيّة البحث والحصول والنّشر للمعلومات والأفكار بكلّ أنواعها”. 

*4- الأدوات الدّيداكتيكيّة -البيداغوجيّة لتدريس الفلسفة للأطفال:

    لعلّ ذلك الاختلاف حول إمكان تدريس الفلسفة للأطفال، والذي لا يبدو أنّه حسم بعد، إنّما ينبع في العديد من الأحيان من الطّابع الإشكاليّ الخلافيّ للمقصود بفعل “التّدريس” هذا عينه وبالمنهج المعتمد في التّدريس من طرف هذه المقاربة أو تلك وبالموقف الرّسميّ للمؤسّسة السّلطويّة منها. خاصّة إذا علمنا أنّ المدافعين عن هذا المشروع قد سلكوا سبلا شتّى، بيداغوجيّا وديداكتيكيّا، ولم يكتفوا بالاختلاف بل ذهبوا أحيانا حدّ التّضادّ.

   هذا علاوة على تباين المواقف الرّسميّة من إدماج تدريس الفلسفة للأطفال في البرامج الممأسسة فباستثناء كلّ من المكسيك وأستراليا حيث تمّ التّبنّي الرّسمي لتدريس الفلسفة للأطفال في كلّ المراحل فإنّ بعض الدّول كإنقلترا وفرنسا تكتفي بتشجيع وتحفيز هذه الممارسات باعتبارها تجديدات بيداغوجيّة فيما تقوم بعض الدّول كالنّرويج بتجريب رسميّ جزئيّ لها في بعض المؤسّسات في انتظار تعميمها.       

   ويمكن حصر محاور التّمايز بين تلك المقاربات والممارسات التّعليميّة في العناصر التّالية:

  • الخلفيّات الفكريّة والفلسفيّة للمقاربات المنهجيّة لمنظّريّ وممارسيّ تدريس الفلسفة للأطفال حيث تتجذّر كلّ مقاربة في مشارب فلسفيّة وعلميّة وبيداغوجيّة مختلفة.
  • الأهداف التّربويّة والكفايات المستهدفة التي ترومها هذه الممارسة أو تلك من تدريس الفلسفة للأطفال.
  • الطّرائق البيداغوجيّة المعتمدة والوسائل التّعليميّة المستعملة.
  • وظيفة المدرّس وحدود انخراطه في العملّيّة التّعليميّة التّنشيطيّة للأطفال.
  • المنهاج الدراسيّ المقترحومدى الاستقلاليّة عن المؤسّسة التربويّة.
  • العلاقة ب: تقاطع/تعدّد الاختصاصات ضمن برامج التّدريس لعامّة الموادّ.

   غير أنّ خيار التّناول الإشكاليّ المستند لمقارنة مختلف التّمشيات المعتمدة في تدريس الفلسفة للأطفال وفق محاور التّمايز سالفة الذّكر لا يمنع، بل لعلّه يستوجب، استحضارا وصفيّا لها نحاول من خلاله نمذجة تلك المقاربات البيداغوجيّة لتدريس الفلسفة للأطفال (مع ما يقترن بتلك النّمذجة من ضروب الحذر لألاّ نقع في تنميط اختزاليّ يخون غرض البحث).

    +4 -1: في نمذجة مقاربات تدريس الفلسفة للأطفال:

    يجب أن نشير، بادئ ذي بدء، إلى أنّ الأمر إنّما يتعلّق بتحليل ممارسات أكثر ممّا هو عرض لنظريّات. ذلك أنّ مسار الممارسات الفلسفيّة الجديدة بما في ذلك مسألة تدريس الفلسفة للأطفال إنّما انطلق كتجارب تداخل فيها البيداغوجي بالفلسفيّ والسيكولوجيّ وحتّى المدني السّياسي ولذلك تشعّبت المسالك. ولا يختلف اثنان في أنّ نقطة الانطلاق الحقيقيّة إنّما اقترنت بمحاولات ليبمان التي سرعان ما انتشرت لتفرز تجارب اتجهت نحو تبنّيها بتطويرها تارة أو تجاوزها أحيانا.   

   يمكن، وفق التّصنيف الذي قام به ميشال توزّيMichel Tozzi ، ردّ التيّارات التي قاربت عمليّا ونظريّا تدريس الفلسفة للأطفال إلى نماذج أو توجّهات أربعة رئيسيّة:

  • الإتّجاه الفلسفيّ. (Courant philosophique)                                               
  • الإتّجاه التحليليّ النّفسيّ. (Courant psychanalytique)                               
  • إتّجاه التّربية على المواطنة. (Courant “éducation de la citoyenneté”)  
  • إتّجاه التّحكّم في اللّغة. (Courant “maîtrise de la langue”)                      

*4-1-1: الإتّجاه الفلسفيّ:

     لا يعني تخصيص هذا الاتّجاه بسمة “الفلسفيّ” سلبها عن بقيّة المقاربات بل هو توصيف يرتبط بالمستندات السّرّية للخيارات النّظريّة والديداكتيكيّة والبيداغوجيّة المباشرة التي ترتبط بشكل معلن أو ضمنيّ بالسّياق الفلسفيّ كمرجع وكهدف. حيث ينظر لتدريس الفلسفة للأطفال كوسيلة للدّفاع عن الفلسفة ذاتها وتأويج نشر مقوّماتها كتفكير قائم على شحذ جملة من القدرات كالاستدلال والحجاج والتّحليل والتّأليف والحدّ والتّصنيف ومن ثمة الإقتدار على المفهمة والأشكلة والبرهنة.

       ويعتبر كلّ من ليبمان (M.Lipman) وبرونيفيي ((O.Brénefier ولالان (A.Lalanne) ومارتينز (E. Martens) من أعلام هذا التّوجّه ولكن كلّ على طريقته:

    ينطلق ليبمان من رؤية وظيفيّة لتدريس الفلسفة للأطفال في سياق مؤسّساتيّ ووفق منهاج دراسيّ رسم برنامجه بمعيّة مارغرت شارب M.Sharp. حيث ألّفا قصصا ثمانية موجّهة لمختلف المراحل الدّراسيّة منذ سنّ الرابعة وفق مختلف مراحل النموّ التي استلهم بعضها من بنيويّة بياجيّ. والهدف الأقصى هو تحصين الأطفال منذ الصّغر من تشكيل بناهم الذّهنيّة وفق السّائد من المغالطات التي يصعب تخليصهم منها عندما يصلون إلى الجامعة وذلك بالاشتغال على إكسابهم القدرة على التفكير الإنعكاسيّreflexive) )، النّقديّ(critique) والإبداعيّ(créative). وتقوم طريقة ليبمان على فكرة “جماعة البحث” القائمة على نظريّة الفعل التّواصليّ وإيتيقا النّقاش التي استمدّها من المدرسة البراغماتيّة ومن جون ديوي John Dewey  أساسا.

     وتعتمد طريقة ليبمان على الإنطلاق من قصّة فلسفيّة تتناسب مع المرحلة الملائمة بحسب المنهاج المرسوم وذلك حسب مراحل:

     *1- مرحلة القراءة: ويكون بقراءة قصّة أو فصل بصفة فرديّة أو جماعيّة .

     *2- مرحلة رصد الأسئلة: جمع أسئلة التّلاميذ التي ترتبط بمعيشهم في سياق موضوع القصّة.

     *3- مرحلة المناقشة: وتتمحور حول الأسئلة الثلاثة التي تمّ اختيارها من بين المقترحات.

وتتمثّل القصص المعدّة للقراءة وفق مختلف مراحل نموّ الطّفل في نفس مراحل المنهاج حيث تتناسب مع مختلف المهارات والقدرات المستهدفة:

  1. مستوى ما بين السّنتين الخامسة والسّادسة: اعتماد قصّة “ألفي”  Elfieوتتمحور حول الفضاء التعليميّ المدرسيّ
  2. مستوى ما بين السنتين السادسة والثامنة: اعتماد قصّة “كيو وغاس” Kio and Gusوتتعلّق بمجالي الحيوان والبئة وتتقصّد مهارات التّصنيفوالتفسير والفهم والتعقّل
  3. مستوى ما بين السّنتين الثامنة والعاشرة: اعتماد قصّة “بيكسي” Pixieوتتعلّق بالبنى المنطقيّة للخطاب.
  4. مستوى ما بين السّنتين العاشرة والثّانية عشرة: اعتماد قصّة “اكتشاف هاري ستوتلماير” Harry Stottlemeiers discovery وتتعلّق بتطبيقات الوظائف المنطقيّة الأساسيّة على مسائل فلسفيّة مرتبطة باهتمامات الأطفال.
  5. مستوى المرحلة الثّانوية: اعتماد ثلاث قصص وهيليزا ومسوكي ومارك: Mark و Suki و  Lisaوتتقصّد اختبار قدرات التّلاميذ على تطبيق مكتسباتهم المنطقيّة في مجال الأخلاق والجمال والسياسة تباعا.

      أمّا برونيفيي O.Brénefier فينحو منحى كلاسيكيّا باستعادة “التّوليد السّقراطي” كمنهج في تدريس الفلسفة للأطفال مؤكّدا على دور المدرّس في توجيه جماعة البحث وفق مقتضيات فلسفيّة صارمة بهدف القطع مع الظّنّ وذلك عبر التحكّم في لحظات الحوار الفلسفي الذي ينطلق من أسئلة موجّهة يشترط أن تصاغ انطلاقا من انشغالات الطّفل عموما والطّفل التّلميذ خصوصا كالتفكير في مضامين تعلّماته في المواد الدّراسيّة. ذلك الحوار الذي يلعب فيه الأطفال عناصر مجموعة الأبحاث. مع ضرورة التّوظيف الضّمنيّ للمرجعيّات الفلسفيّة (عدم الإنطلاق من أيّ نصّ فلسفيّ بل اعتماد محتويات ما يتعلّمه التّلاميذ وعدم السّماح بالإنجرار نحو الجدل أو السّفسطة.

  وأمّا مارتينز E. Martens فينطلق ممّا يسمّيه “أفعال التّفكير” .(actes de pensée) حيث يستوجب تدريس الفلسفة للأطفال لديه إكسابهم ما اتّصل بتلك الأفعال التي يربطها بمختلف المدارس الفلسفيّة من قدرات، وهي خمس: -وصف الوضعيّات والظّواهر (فعل فينومينولوجيّ)، -فهم القيم واكتشافها (فعل هرمينوطيقيّ)، -التّحليل المنطقيّ للحجاج ولوجهات النّظر (فعل تحليليّ)، – مقابلة ومقارنة وجهات نظر مختلفة (فعل جدليّ) و-تقديم موقف واللتزام به (فعل تأمّليّ). هذه الأفعال تنعكس في مختلف التيّارات الفلسفيّة وتتموضع في اللّغة. 

*4-1-2: الإتّجاه التحليليّ – النّفسيّ:

       يربط جاك ليفين  Jacques Lévine ، وهومحلّل نفسيّ، هذا التّمشّي في تدريس الفلسفة للأطفال بمطلب بناء الهويّة الذاتيّة la construction identitaire du sujet)) عبر استعادة تجربة الكوجيتو الباطنيّة. ويتّجه نحو تنمية الشّخصيّة الفرديّة بتحفيز الطّفل المشارك في “ورشات التّفلسف” (ateliersphilo) إلى خوض تجربة الوضع الانسانيّ الباطنيّة. ويشترط ليفين الأنسحاب الكلّيّ للمدرّس/المنشّط الذي يعلن عن وجوده ك “ساكن في العالم” (habitant du monde) وترك الأطفال بمفردهم حيث يتداولون على الحواربشأن مفهوم مركزيّ دون اعتماد نصّ أو قصّة كمنطلق ويقع تنظيم النّقاش عبر تمرير “عصا الكلام (bâton de parole)” بصفة تلقائيّة ليترك لكلّ طفل حقّ الكلام أو الصّمت لمدّة عشر دقائق. وبعد ذلك يتوقّف الجميع ليترك لكلّ طفل حرّية مواصلة التّفكير حواريّا أو بصفة فرديّة.

 *4-1-3: اتّجاه التّربية على المواطنة:

    ارتبط هذا التمشّي بمحاولة مشال توزّي Michel Tozzi المزاوجة بين المقتضى الفلسفيّ ومطلب التّربية على المواطنة في محاولة لهيكلة تأليفيّة بين إطار للحوار الدّيمقراطيّ المرتبط بالفضاء المؤسّساتيّ التّربويّ من ناحية وبين متطلّبات الأشكلة والمفهمة والحجاج التي يردّ إليها الخطاب الفلسفيّ.

     ففي سياق “المناقشة ذات المغزى الفلسفيّ” (DVP) ينتظم عمل “مجموعة البحث” ((CR المكوّنة من الأطفال الذين يديرون حلقة النّقاش بأنفسهم تحت إشراف المدرّس-المنشّط وذلك بتوزيع أدوار على بعض الأفراد لتنظيم الحوار وتتمثّل في:

  • رئيس المجموعة: وظيفته الحصريّة حسن سير النّقاش وفق جملة من القواعد المعلنة سلفا والتي تضمن الاحترام المتبادل وحقّ كلّ عضو في المشاركة الفعليّة على ألاّ يتدخّل هو في النّقاش.
  • منشّط الحلقة: يحرص على تنظيم التّفاعلات ويذكّر بقواعد الجلسة كما يحرص على تقييد النّقاش بالموضوع المطروح مع تركيز الانتباه على السّؤال المركزيّ.
  • المسؤول عن إعادة الصّياغة: استعادة ما وقع طرحه من أفكار من طرف أعضاء مجموعة البحث والكشف عن التّسلسل المنطقي بين الأفكار وبيان العلاقة بينها.
  • المسؤول عن التّأليف: مراقبة سير الحوار من الخارج دون التدخّل فيه ثمّ نقل حيثيّات السيرورة الزّمنيّة للمداولات.

    ويوجّه المدرّس-المنشّط الحوار وفق مسارات للتّفكير تستهدف إكساب الأطفال القدرة على المفهمة (تحديد المعاني، بناء المفاهيم انطلاقا من الأمثلة والأمثلة المناقضة، المقارنة بين المفاهيم والإشتغال على العلاقة بينها…) وعلى الحجاج (صياغة فرضيات أطروحة ما، بناء الحجج والإستدلالات على المواقف والأطروحات وعلى نقيضها…) وعلى الأشكلة (مساءلة المواقف الخاصّة واستشكال مواقف الآخرين وكشف ضمنياتها واستتباعاتها…). هذا الفعل التّواصليّ الذي يحيل على “الوضعيّة المثاليّة للمناقشة”، (situation idéale de communication) حسب هابرماس Habermas يكرّس روح التّسامح والقبول بالآخر المختلف كما يؤسّس لقيم البناء المشترك والاحترام والثّقة المتبادلة وهي أسّ ال المواطنة والتّعايش الدّيمقراطيّ. ومن ثمّة تتحوّل المدنيّة إلى “مواطنة نقديّة” .(citoyenneté critique)

*4-1-4: إتّجاه التّحكّم في اللّغة:

     ينطلق بيشتون D. Bucheton  من تهفيت الموقف السّائد الذي يجمع بين الاعتقاد في أنّ الجهاز اللّساني لدى الطّفل هو شرط انبثاق قدرته على التّفكير، ممّا يعني أنّ الطّفل “المتوحّش” الذي لا يتكلّم لغة ما عاجز عن مطلق التّفكير، وبين التّسليم بأنّ اللّغة ليست سوى الغلاف الخارجيّ للفكر الذي يتوسّلها أداة للتّعبير والتّواصل.  إنّ مثل هذه المقاربات “الكونولوجيّة” هي مقاربات سطحيّة جدّا بالنّظر لتطوّر معارفنا في علم نفس نموّ الطّفل. ويسلّم بيشتون أن العلاقة بين تكوّن اللّغة وتشكّل الفكر علاقة معقّدة: ذلك أنّ هنالك نموّا متلازما ومشتركا (co-développement) بين الفكر واللّغة. ومن ثمّة فإنّ الإعتقاد بأنّه علينا انتظار تشكّل البنى اللّغويّة ليتمكّن الطّفل من التّفكير والتّفلسف يعني الحكم بأنّ من لديه صعوبات في تعلّم اللّغة لن يكون البتّة قادرا على التّفكير الإنعكاسيّ. لاحظ بيشتون أنّه لا يمكن عزل البنى اللّغويّة عن الرّهانات المعرفيّة والرّمزية. وهكذا فإنّ تنمية القدرات اللّغويّة الشفويّة يقتضي تجاوز الشّفويّ الاجتماعيّ بالشفوي المفاهيميّ. بمعنى تحوّل الفلسفة لأداة تذليل العوئق اللّغويّة لدى التّلاميذ اللّذين يعيشون صعوبات اكتساب اللّغة.

« En l’homme vraiment homme est un enfant caché, qui veut jouer »

NIETZSCHE, Ainsi parlait Zarathoustra, « De petites jeunes et de petites vieilles »

                                    (مكوّنات بقيّة القسم الأوّل)

+4-2: في مستندات تمايز مقاربات تدريس الفلسفة للأطفال:

                 *4-2-1: المرجعيات الفكريّة:

                 *4-2-2: الأهداف:

                 *4-2-3: الطرائق والوسائل:

                 *4-2-4: وظيفة المدرّس:

                 *4-2-5: تقاطع الاختصاصات.

    +4-3: في مواضع التّوافق بين مختلف المقاربات:

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s