اليسار التونسي : استخلاصات مرحلة . حلقة (2) : اليسار التونسي والتباسات النقد الذاتي .

رامي الرياحي

بناء على ما سبق ووضحت في منشوري الأول ؛ لا تتعلق دوافعي للكتابة حول اليسار بموضوعات التعريف به ك”صحفي” ،أو التأريخ له ك”باحث”، او نقاش مواقفه ك”مراقب”، وهي طبيعة السواد الأعظم من الكتابات حول اليسار طيلة العشر سنوات المنقضية ،خاصة بعد أفول نجم تلك الكتابات الأيديولوجية ل”منظري” اليسار التونسي “الطلابي” التي ازدهرت طيلة نصف قرن منذ نهاية الستينات ، نصوص “تحليلية” دأبت على نشرها مختلف مجموعات الحراك الطلابي التي يحسب لها ان جودت النقاش السياسي في فضاء الجامعة التونسية ، ثم ما لبثت ان شقت طريقها لاحقا خارج الجامعة مع تخرج الدفعات الأولى لتلك الطلائع الطلابية والتحاقها بسوق الشغل والنقابات تدريجيا حتى صارت هي المشهد الحالي لليسار وتلك النصوص هي “نظرياته”.

الغرض الرئيس من الكتابة يرتبط بضرورة ملحة راهنة في إدراك تحديات هذا التشكيل السياسي المترنح الآن في مفترق طرق بين يسار قديم …ويسار جديد ،اي مفترق طرق بين اتجاهات المستقبل بالنسبة له هو كهوية سياسية من حيث هو اليسار وليس اي شيء غيره ،اتجاهات المستقبل بالنسبة لبلاد تعيش على وقع تحولات كبرى في العالم والإقليم ،كما تعيش هذه التحولات كمنعطف في تاريخها ،مجتمعها ،فنونها ،آدابها ،ثقافتها …في مختلف ديناميكيات الحياة فيها .

ان الحديث عن تحولات كبرى لا يبدو لي فيه اية مبالغة ولا فيه أي تهويل ، بل ان عالمنا اليوم يشهد ترتيبات جديدة تطال مراجعة ولو جزئية لتقسيمه القديم للعمل ،فالدول “النامية ” ما عادت كلها نامية ، ودول “المتروبول ” الصناعي ما عادت كلها صناعية ، والعولمة صارت “عولمات” لأنماط و مصالح مختلفة حد التصادم الوشيك ولنا في ذلك مبحث في مناشير لاحقة .
فأي مستقبل قد يكون لليسار التونسي ؟ وفي ظل اي مستقبل ممكن لتونس؟

لم يعد لي أي شك في كون العنصر المؤسس للإجابة يكمن في الطلاق النهائي مع تلك “المسلمة” التي لطالما “اعتقدها “(من العقائدية لا من باب الظن ) اليسار طيلة عقود ،حيث التصورات ناضجة والإجابات جاهزة لكل مكان وكل مرحلة ، ذلك الإيمان الراسخ ؛ وكأنه ضرب من التنجيم ، بحتميات يسوق التاريخ من خلالها،الواقع الى حيث يتوقع اليسار ب “دقة” و “موضوعية” ؛ ذلك أن التاريخ تسيره قوانين يعرفها اليساريون معرفة كاملة شاملة دون غيرهم ،وهي التي تمنعهم من انتهاج سبل مغايرة لسير الواقع وتمكنهم من التدخل لتسهيل تحققها في الأجل المناسب.

علينا الكف عن تصديق وترديد كل هذه الخزعبلات متى قيلت .

ان هذا النقاش لا يهدف للتنكيل بماضينا ، وليس للإعتذار عن وعي سابق ،وعي مرحلة بنى بعضنا فيها البدائل ،وناضلو واضطهدو ،كما أنه ليس للتستر عن الإجتزاء والتلفيق والتوفيق الذي أوصلنا الى المأزق الذي سنخرج منه .

لقد فشلنا وانهزمنا قبل أن ندخل الإنتخابات ، و قبل أن نؤسس الجبهة الشعبية ، فشلنا لحظة انفصلنا عن كل ذلك النقاش المهم الذي دار في النصف الثاني من التسعينات بعد حرب الخليج الاولى حول ” اعادة الإحياء” أو “التجديد” في فكر اليسار ؛ النقاش بهدف الاستعداد لشيء قادم . حتى كانت مساهمتنا في الأحداث اللاحقة(الثورة التونسية ) تنبع من تراث قديم لم ينفض عنه غبار بعد لنعرف ما يصلح وما لم يعد فيه صالحا “للإستهلاك” .

لقد كانت هناك محاولات للتفكير والتجديد” النظري” داخل الجبهة الشعبية وخارجها، وكانت هناك استثنائات غمرت و اصطدمت بملاحقة الأحداث و التوتر اليومي وابتلعتها ضرورات الممارسة العملية وجثم عليها التراث القديم ،وأخذت على انها محاولات “انسلاخ” عن خط سير التقدم الحتمي المقرر سلفا من قبل “سابقين” معظمهم إما غادرونا وإما تخلو عن “حتمياتهم” منذ عهود …وكانت ممارسة عملية “عمياء” قادتنا الى مأزق جديد نتخبط فيه اليوم .

إن معضلة النقد الذاتي بالنسبة لليسار التونسي ليست فقط مجرد خوف من المس بموقع أو منصب أو وجاهة ، هي بطبيعة الحال كذلك بالنسبة للبعض .لكن الموضوع أخطر بكثير وسنوضح ذلك في الحلقة الثالثة من هذا النص .

الخطورة في النقد الذاتي بالنسبة لليسار التونسي ليست ايضا مجرد كسل فكري أو عدم قدرة على تطويع الأدب واللغة ،وليست خشية انفجارات قد تطال هذا التنظيم أو ذاك على ارضية الخلافات في الآراء إذا ما طرأت، بل هو الخوف من المجهول ، القلق من أن تقود العملية الى تحديدات وتعريفات جديدة لليسار لن تجد معظم القيادة الحزبية اليسارية ولا النقابية ولا النسوية والطلابية الحالية …نفسها فيها كما هي الآن ،فقد ينقلب مفهوم القيادة كما عرفناه على الأقل خلال عشر سنوات خلت ، فالنقد الذاتي سيجعلنا في مواجهة مهام جديدة لم نحسب لها أي حساب ،وتتطلب مهارات جديدة هي نادرة الآن .
إذ ان جل المهام العملية التكتيكية والبرامج المرحلية التي طرحها اليسار التونسي على نفسه طيلة اكثر من نصف قرن انتهت عشية انتخابات 2019 ( وهنا اتحدث عن المهام السياسية العملية التي طرحها اليسار على نفسه ولا أتحدث عن شعاراته الرومنسية مثل بناء الشيوعية والثورة الإجتماعية ) ، فلا “الدولة المدنية ” ،ولا “العفو التشريعي العام” ولا “ضرب مؤسسات الدكتاتورية” ولا “الحريات السياسية” ولا “بلترة الفلاحين الفقراء” ولا “البرلمان التعددي” ولا “الجمهورية الديمقراطة ” و لا “التنوير والعلمانية ” …الخ ،كلها ما عادت شعارات صالحة لأي تعبئة وأي استقطاب شعبي في البلاد … وليس افضل من الحقيقة المرة التي تجرعناها عشية الإنتخابات التشريعية .
_____________
يتبع
_____________
الحلقة القادمة :اليسار التونسي والتباسات النقد الذاتي ( الجزء الثاني )

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s