اليسار التونسي : استخلاصات مرحلة …

رامي الرياحي عضو المكتب السياسي لحزب الوطنيين اليديمقراطيين الموحد

حلقة (1) : تأطير عام .

– هذا المنشور هو جزء من تأملات،او بالأحرى قرائة في أسباب فشل اليسار التونسي في تحقيق نتائج انتخابية في السباق التشريعي والرئاسي لسنة 2019 , تؤهله للعب أدوار رئيسية في المشهد السياسي الراهن ،وقد ارتأيت نشره للعموم في هذا التوقيت بحثا عن آراء هادئة و تفاعلات مثمرة بدرجة اولى ،وبدرجة ثانية لتجاوز الخوض مع الخائضين في تلك النقاشات العقيمة الشبيهة بالعواء الجماعي والنحيب والنشيج عشية زوبعة انفراط عقد الجبهة الشعبية والهزيمة الإنتخابية المدوية.
اكتب اذا باحثا عن” مناقشة” فيها العقل البارد والقلب الساخن .

– اضطرني نصي المطول الى تقسيمه لحلقات قصيرة متتابعة بحثا عن “خوارزمية ” مناسبة تؤهله لرؤية اوسع من قبل المتابعين والمهتمين ولا سيما من هم متوغلون في معركة النقد الذاتي كيساريين باحثين عن آذان صاغية .
هذه محاولة للوقوف عند مكاسب حققها اليسار التونسي خلال العشرية المنقضية والأخطاء التي مارسها خلالها ،كما اطمع في أن تتاح لي الإستفادة من التعليقات واستثمارها مستقبلا كمناضل منخرط في هذا المشروع السياسي الباحث عن التمدد من خلال كل الفجوات … مشروع مجتمع المنتجين الأحرار .

– انني في هذا النص وحلقاته لا أكتب معلقا على الأحداث مثل صحفي او مراقب ،أو باحث عن العبث ، بل مسافرا في قلب العاصفة باحثا عن تقاسم أعباء السفر وٱجتراح بوصلة الطريق ، متموقعا في إحدى أحزاب اليسار التي اخطأت و فشلت وتعاود الوقوف من جديد ،كما ناضلت وضحت دائما وحققت بمعية شعبنا انتصارات ومكاسب لم تعرف كيف تستثمرها ، بل انني في مكتبه السياسي ضمن “القيادة” التي “قادت” الى ما نحن فيه اصلا متحملا كل المسؤوليات بدرجة أولى مثل الجميع .

– إن هذا النقاش الذي ابادر به يأتي على هامش نقاش آخر سياسي( يشتمل على نفس الموضوع بالإضافة الى مواضيع حزبية أشمل وأوسع في السياسة والتنظيم ) يخوضه حزبي منذ أشهر وقد تقدم فيه أشواطا عازما على نشر خلاصته للعموم كمقدمة للتعريف بسياسات الحزب الجديدة وبرنامجه المرحلي ومشروعه الإستراتيجي ، بعد أفول تجربة العمل المشترك مع أحزاب أخرى في اطار الجبهة الشعبية حيث ذابت المشاريع وتقهقرت خطوط التمايز واختلط الحابل بالنابل في المرحلة الأخيرة ، كما يعتزم اعتماده منصة لإنجاز مؤتمره الثاني قريبا جدا، ومن المؤكد ان أحزابا اخرى في اليسار قد خاضته على طريقتها ووفق حاجاتها او ستخوضه لاحقا ، وبناء على ذلك ارتأيت أن ابوب هذا النقاش القابل للتعميم في الجانب السياسي العام فيه بحث عن تفاعل رفاق غير منتظمين يعنيني رأيهم وتهمني مساهمتهم فيما ارنو اليه .

– عندما حاولت اتباع منهجية محددة في فهم ما حصل لتجربة الجبهة الشعبية واليسار عموما وما قاده لموقعه الحالي في الصراع السياسي ،وجدتني مضطرا للخوض في ملابسات ما قبل تشكل الجبهة الشعبية،وضرورة عدت لمرحلة العقد الأخير من القرن العشرين ،والعقد الاول من القرن الواحد والعشرين ،وكيف كان وضع اليسار العربي واليسار التونسي خلالهما وفيما كانت أولويات مجموعاته ،وهكذا تباعا ووصولا الى ازمة اليسار العالمي التي امتدت على اربع عقود تقريبا وهي أطول أزمة يشهدها تيار سياسي قاد نصف مساحة الكرة الأرضية وأكثر ،وسيطر مشروعه على احلام مليارات من البشر ، ولسنا في باب تكرار كل ذلك النقاش الذي امتد الى السنوات العشرين التي خلت انما سأقدم حلقة اولى فيها حوصلة عن نقاشات “ازمة اليسار” ،علما وأنني اعتبر أن المرحلة السوداء من تلك الأزمة قد مرت وانتهت في السنوات الأولى من العقد الأول للقرن الحادي والعشرين ،ونحن الآن وباقي اليسار العالمي نشهد مرحلة أخرى أفضل بكثير تتميز بإعادة تلمس الطريق للنهوض ،وقد شهدنا محاولات جدية وتجارب وومضات عرفت اشعاعا واهتزت لها قوى التخلف والإستغلال في اكثر من بلد ، وان مرحلة التنكر والتخفي تحت شعارت ملتوية لإعادة التموقع في قلب المعارك الطبقية والإصطفاف الى جانب الكادحين مرحلة مرت بسلام ،وقد آن الأوان لاستئناف النقاش حول تجاوز نمط الإنتاج الرأسمالي المختنق وبناء نظام اشتراكي بديل عن الرأسمالية وفي نفس الوقت بديل عن المحاولة الأولى للإشتراكية السوفياتية التي أسائت الى فكرة المجتمع الإشتراكي كما تخيلها اليساريون الديمقراطيون الأوائل مثل بابوف وماركس وانجلس …

– ان نفس المنهجية التي قادتني للعودة لجذور ازمة اليسار في العالم عموما وانعكاساتها على اليسار التونسي خصوصا ،تقودني الى تفصيلات اخرى داخل النص ، إذ من البديهي ان اليسار التونسي يتشكل بالإضافة للمجموعات الحزبية والتنظيمات السياسية ،من روافد اخرى ذات صلة ،تتعرف باليسار النقابي والحقوقي والجمعوي ، الحركة النسوية ،الحركة الطلابية ، ويسار المثقفين والمبدعين والباحثين الأكاديميين في مختلف الآداب والفنون والعلوم .
سأتعرض لكل هذه الأطياف انطلاقا من موقعي في مجمل المشهد ضرورة في سياق نقد شامل لكل اليسار ،إذ ان نقد اليسار الحزبي وحده هو رؤية ضيقة لحقل اوسع .

– إن هذا النص هو تعبير عن آرائي الخاصة المنطوية على الصواب والمحتملة للخطأ إزاء ما حصل ،وحول ما يجب فعله في المستقبل ايضا … ما حصل وما العمل .
___________
يتبع .
___________
الحلقة القادمة تحت عنوان :
الحلقة (2) : اليسار التونسي والتباسات النقد الذاتي.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s