المنجز واللامكتمل في تحقيق لامركزية مسرحية

من خلال دساتير تونس وقراءاتها



(إعداد د. محمد احمد الكشو)

التأسيس فعل تراكمي ينهل شرعيته من نضالات وإثباتات للفعل وللجدوى ويقارع للتحقق فإذا ما تحقق الوعي افتك شرعية وجود قانوني, هي ذي حركات المجتمعات الحية ومؤسساتها الحضارية. عند الاكتمال ينتصب مجلس تأسيسي يسعى لنظم الإرادات قانونا نافذا في المجتمعات, وكذا الفعل المسرحي في تونس ورحلته في التحقق, مقارعة للحضور الاستعماري مند بداياته جنبا إلى جنب مع السياسي أفراد وجمعيات ومواضيع مسرحيات, ليحققا الاستقلال وينتصب مجلس تأسيسي.

فآي حظ لمفهوم اللامركزية في دستوره؟

ضمن دستور غرة جوان 1959 فصلا “يتيما” بشأن التنظيم الترابي للدولة التونسية وهو الفصل 71

فكيف انعكس على الفن المسرحي؟

ويتصاعد الحراك الشعبي مطالبا بـ”إسقاط النظام” وينصب مجلس تأسيسي أخر لكتابة دستور جمهورية ثانية فإذا باللامركزية كلمة مفتاح في متنه فيخصها  دستور 27 جانفي 2014 بأربعة عشر فصلا.

ويدعونا هذا الأمر إلى التساؤل عمّا إذا كان الفارق بين الدستورين كمّيا محضا أم أنه يعكس تغيّراً نوعياً في مقاربة اللامركزية؟

لنتساءل عن السبل الكفيلة لتحقيق روح هذا المعنى القانوني في الفعل المسرحي بتونس في جمهوريتها الثانية؟

ما حقق وما لم يحقق وما سبل التحقيق في ظل اكراهات الواقع المالي العاصف؟

بالعودة إلى مناقشات المجلس القومي التأسيسي[1] ، يمكن أن نلاحظ الحضور المبكّر والمتواتر في تونس لفكرة “الدولة القوية والنظام السياسي المستقرّ”. وهذا الأمر يفسّر تمسّك الدولة الفتيّة بنمط التنظيم الإداري الذي تركته الحماية الفرنسية. وهو تنظيم شديد المركزية تميّز باحتكار السلطة القائمة في العاصمة للقرار السياسيّ والاقتصاديّ[2]  ولعل الفن المسرحي في تونس الذي قارع الحضور الاستعماري الفرنسي منذ نشأته وتزامن الاستقلال مع استقلال هياكله ولعل فرقة بلدية تونس جسدت هذا المسار[3] في تأميم هذه المؤسسة المسرحية منسجمة مع رغبة الدولة الفتية في ترسيخ دولة عصرية على الشاكلة الاوروبية/ الفرنسية ولعل تجربة علي بن عياد على حد تعبير عز الدين المدني جاءت خير دليل على هذا المسار “فكان علي بن عياد يحب الشعب محبة وطنية تندرج في السياسة التي تسيّر البلاد “التثقيف” “رفع المستوى” و”تربية الجيل الصاعد” و”ديمقراطية التعليم” “[4]  

في مقابل تركيز المركز تصاعدت إرادات الفاعلين المسرحيين في الحديث على لامركزية مسرحية تلقفتها دوائر السياسة وتتجسد في خطاب بورقيبة في 7 نوفمبر  1962 [5]بإحداث كتابة دولة للشؤون الثقافية[6] وتركيز دور الشعب والثقافة كبنية تحتية باتت ضرورية لنشر الثقافة الوطنية ونزّلت اللامركزية في إطارها المجتمعي والسياسي فخصّت بتخطيط مسبق ورأت انه “من الواجب تحديد السياسة الثقافية وإدراجها ضمن المخططات العامة للدولة بحيث ينبغي ان تصبح الثقافة في متناول أوسع الفئات الاجتماعية”[7]

ويؤكد احمد بن صالح هذا المسار فيقر انه “لم يشهد البلد بداية الاستفاقة على الحياة الثقافية بمختلف تجلياتها وتظاهراتها إلا في بداية عقد الستينات (…) حينما أنشئت وزارة الشؤون الثقافية وإذا بنا اليوم بعد عشر سنوات نرى أن المسرح والنشر والسنما والمكتبات تحتل مكانا مهما في الحياة اليومية لدى أوفر عدد من المواطنين خاصة بفضل اللامركزية المتبعة في هذا المجال وذلك في إطار أهداف مخطط التنمية”[8]

تعتبر اللامركزية بداية الستينات في تونس كلمة أساسية سيرت المشهد المسرحي في تونس في إطار تجربة اقتصادية “تعاضديّة” قادها الوزير الأول احمد بن صالح وترجمتها مقاربات جمالية وهيكلية للنشاط المسرحي.

فكيف تمت صياغة هذه الإرادات السياسية في واقع الفعل المسرحي وهياكله؟

راهنت الدولة لتحقيق هذا المسار على كوادر سعت لتكوينهم بالخارج ” فليس ثمة إلا انتظار الوصول التدريجي للدفعات المتتالية من خريجي الجامعة -على حد تعبير احمد بن صالح- فهي مجموعة ستكون قادرة على أحداث التحولات المنشودة في المجتمع (…) وبعد ركن جزء أخر من رفاه الهياكل الموروثة التي تضمن الامتيازات والارتقاء في السلم الاجتماعي وغير ذلك من الملذات”[9] 

وفعلا عادت النخب المسرحية وسعت للتأسيس ولعل بيان الإحدى عشر[10] عبر بعمق عن هذه النخب ومشروعيتها في التأسيس

لكن بأي هياكل؟

بدا تجسيم فكرة اللامركزية المسرحية بتأسيس كتابة الدولة للشؤون الثقافية والإخبار وبتأسيس الفرق الجهويّة القارة[11] وهم على التوالي:

 

الفرق الجهوية القارة وتاريخ تأسيسها[12]

تلاءمت فكرة إنشاء فرق جهويّة قارة مع إرادة المسرحي والسياسي في تأكيد فكرة اللامركزية المسرحية وحظي  بقانون داخلي من ثمانية أبواب و27 فصلا[13]

ويديره مجلس إدارة يتألف من رئيس “يقترحه مدير الفرقة والكاتب العام للجنة الثقافية الجهوية وتقع تزكيته من قبل الوزارة”

ويكون الكاتب العام اللجنة الثقافية الجهوية في موقع نائب الرئيس وتعيّن الولاية والبلدية أعضاء عنها في مجلس الإدارة بينما لا يمثل الفنانين إلا عنصرين من مجموع 6 أعضاء مدير الفرقة المعين ونائب على الممثلين ينتخب من طرفهم لنكشف على الطابع الحذر من قبل سلطة الإشراف على مركزة القرار في مؤسساتها

جاء هذا “القانون الاساسي الداخلي”[14] متلائما مع روح دستور 1956 في باب السلطة المحلية الفصل 71 الذي جاء فيه: تمارس المجالس البلدية والمجالس الجهوية والهياكل التي يمنحها القانون صفة الجماعة المحلية /المصالح المحلية حسب ما يضبطه القانون

هكذا إذن ظل الفنان المسرحي رهينة الإرادات السياسية في تأسيس لامركزيته الفنية فهذه اللامركزية مشروطة قانونا في غياب تشريعات واضحة في تصور التقسيم المجالي وصلاحياته وتقاسم السّلط بين المركز والجهات فنجاح التجربة يبقى رهينة المشروع العام وتصارع الأجنحة في السلطة المركزية وليست مرتبطة بفعل المسرحي ومدى نجاعة فعله الفني ومدى قدرته على تمثل ثقافات المجموعات المحلية.

وفعلا ترتبك هذه المقاربة للامركزية مع فشل تجربة التعاضد والاتجاه نحو الفكر الليبرالي ولعل تقديم المنصف السويسي لأعمال على راس الفرقة البلدية مسرحية “حكاية شعب” و”ثورة 1864″ و “اللغز” و”سيدي بنادم” وهو الرجل المؤسس لعدة فرق جهوية والمنخرط في هذه التجربة والرافض لتركيز المركز بـ”فرقة بلدية تونس” هو إيذان بانتهاء تجربة اللامركزية الرنانة فعلا والغير مسنودة قانونا وتتخبط الإدارات والمصالح المعنية في مستقبل هذه الفرق.

فأي مستقبل ينتظرها في ضل تصريح سابق بـ”ركن جزء آخر من رفاه الهياكل الموروثة”[15] أم بمحاولات تعصيرها وتنظيمها بتحويلها إلى مراكز للفنون الدرامية في غياب سند قانوني[16]؟

أو بتركيز “مسرح وطني” واسع الصلاحيات IPNA بسند قانوني ونظام أساسي منشور بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية[17] يكرس سلطة المركز وينفتح على العالم لتصدير صورة تونس المنفتحة السائرة نحو التقدم بخطوات ثابتة وواثقة؟

مع تشجيع المبادرات الخاصة في القطاع والاحتفاء بـ”مسرح حر/جديد”؟

وتحديد ترسانة قوانين منظمة للقطاع دون قانون اساسى للفنان لتسند له بطاقة احتراف مهنية[18] وتحدد كراسات شروط للانتصاب في الغرض وللسوق أن ينظم نفسه؟

أسست الدولة السوق المسرحية انطلاق من مبدأ “الفن مرفق عمومي” فهل يمكن أن يخضع إلى قواعد السوق الحر أم ستجد نفسها في شرك الدعم للشركات الخاصة؟

انه إنباء بإثقال كاهل الدولة المركزية وتكريس لمبدأ عدم تساوي الفرص ومدى قرب الفنان المسرحي لدوائر القرار المالي لهياكل وزارة الثقافة وتتصاعد المطلبية على المركز وينطلق الحراك المجتمعي مطالبا بإسقاط “المركز” و”المركّز” وتعلن الجمهورية الثانية بدستور جديد أدرج اللامركزية ككلمة مفتاح في متنه.

فأي تصور نستطيع تقديمه كتنظيم هيكلي لهذا القطاع الفني الحساس دون قطع مع الهياكل المكتسبة لهذا الفن لأنها جاءت نتيجة لتراكم حضاري ولنضالات رجالاته في حياة الجمهورية, اثبت نجاعته ولو ظرفيا لتقلب السياسة وخياراتها.

اعتقد انه في سردنا لهذه اللمحة السريعة عن واقع اللامركزية المسرحية في تونس ليس الغرض منه هو سردها أو الوقوف على أطلالها بقدر ما هي محاولة للوقوف على أهميتها وأسبقيتها في التأسيس الوطني واقفين على أهمية السند القانوني للفنان وهياكله حتى لا نسقط في فخ ميولات السياسيين وتقلباتهم وأولوياتهم في الحكم والتحكم.

لذلك جدير بنا أن نعود إلى روح القانون المؤسس للامركزية الحكم في تونس حسب دستور 2014 ومدى ملائمة هياكلنا المسرحية لهذه المعاني القانونية لنقترح تصورنا مستندين على ما أنجز وما نستطيع انجازه من خلال الواقع المسرحي الراهن.

بقطع النظر عن حجم الفصول المخصّصة للامركزية في الدستور الجديد، يمكن الإقرار بأن هنالك إرادة للتحوّل إلى حكم محلي أرحب ونلمس ذلك من خلال:

  • إيجاد ثلاثة مستويات لهذه اللامركزية والتي قدّمها الدستور على أنها دعم لهذا التنظيم الترابي. وهذا ما جاء في الفصل 14 منه والذي يتحدّث عن التزام الدولة بدعم اللامركزية وباعتمادها بكامل التراب الوطني. وتتمثل هذه المستويات الثلاثة في البلديات والجهات والأقاليم والتي يجب أن تغطّي كل واحدة منها كامل تراب الجمهورية[19].
  • كما نلمس ذلك من خلال بعض المفاهيم المستعملة، والتي لم يكرّسها دستور 1959 وأوّلها عنوان الباب المخصّص للامركزية وهو “السلطة المحلية” الذي يترتّب عليه الاعتراف للهياكل التي تدير الشؤون المحلية باستقلالية عضوية ووظيفية عن المركز. ويدعم مبدأ الاستقلالية هذا استعمال مفهوم “التدبير الحرّ” الذي ورد في الفصل 132 من الدستور[20].

  كما أسند الدستور للجماعات المحلية الشخصية القانونية[21][ وهي ضرورية لاستقلالها الوظيفي الذي من خلاله يمكن لها التعاقد مثلا أو انتداب ما تحتاجه من أعوان وموظفين ضروريين لتسيير الشؤون المحلية أو الاقتراض واعترف لها بسلطة ترتيبية خاصة بها تمارس من خلالها صلاحياتها      [22]

انطلاقا من هذا الأساس القانوني وبالرجوع إلى مكتسباتنا الهيكلية المسرحية واستئناسا بقوانينها وترتيباتها يمكننا ان نميز بين ثلاث محاور قد تكرس هذا الحكم المحلي منسجمين مع منطوق الدستور في “الحق في الثقافة” يمكننا ان نربط بين هذه المفردات القانونية والفنية وارثنا المسرحي ونقترح تنظيم هيكلي يتناغم مع الحكم المحلي ومؤسساته:

  • البلديات: الفرق البلدية والجمعيات المسرحية:

تعزيز وجود الفرق البلدية والجمعيات المسرحية وربط تمويلها بالبلديات من ميزانياتها المرصودة للنشاط الثقافي والفني قصد السماح للمهتمين الهواة بالفن المسرحي بممارسة شغفهم المسرحي والتمرس عليه وخلق قاعدة جماهيرية للفعل المسرحي من خلال أعمالهم.

تنفتح هذه الجمعيات على مراكز الفنون الدرامية للجهات المركزة حديثا بكامل ولايات الجمهورية تناغما مع روح الدستور في تأكيد اللامركزية المسرحية

  • المجالس البلدية والولايات: مراكز الفنون الدرامية:

تعتني مراكز الفنون الدرامية زيادة على انتاجاتها الفنية المسرحية والدرامية وتظاهراتها ومهرجاناتها بتطاير هواة المسرح تطبيقيا (النوادي المسرحية والمختبرات وورشات التكوين وغيرها) ونظريا (محاضرات وندوات وغيرها) ولا تقتصر ميزانياتها في التسيير والإنتاج على مساهمة السلطة المركزية بل على المجالس البلدية والولاية تخصيص دعم قار يتلاءم والمجهود الفني للمركز

  • عواصم الأقاليم: المسارح الإقليمية الوطنية:

ان محاولات إيجاد هياكل مسرحية في عواصم الأقاليم ليست بجديدة بل سبق ان قدم الدكتور محمد مسعود ادريس مشروعا لإنشاء أقطاب مسرحية بكل إقليم لم تصادق عليه وزارة المالية بصيغته المقترحة إدارة عامة IPNA  ونقترح في هذا الإطار فكرة المسارح الإقليمية الوطنية وهي إدارة براسين إدارة فنية وأخرى إدارية

  • الإدارة الفنية وهي إدارة منتخبة من مديري مراكز الفنون الدرامية بولايات الإقليم وترصد ميزانياته من المسرح الوطني التونسي ويكون ممثلا للإقليم في مجلس إدارة مؤسسة المسرح الوطني[23] كما يضطلع المدير الفني بتحديد الإستراتيجيات المسرحية للإقليم وحاجياته الإبداعية ويسعى إلى إشعاع الإقليم وخصوصياته وطنيا ودوليا وفتح جمالياته على آفاق إنسانية أرحب
  • الإدارة الإدارية وهي ترجع بالنظر إلى قطب المسرح ويتم تعيينها لطابعها الإداري الصرف تضطلع بمهام إدارية في جمع ملفات الدعم الإقليمية واقتراح حصة الإقليم من جملة الدعم المرصود للأعمال المسرحية بالإقليم وكذلك نقترح ان تنشئ لجنة إقليمية لشراءات العروض ترفع تقاريرها لإدارة المسرح وتقترح توزيعها بين الإقليمي والوطني وذلك قصد خلق جمهور مسرحي لفناني الأقاليم

كما نعتقد بأهمية إيجاد بطاقة احتراف إقليمية يتمتع حاملها بالعمل داخل الإقليم وهم الفنانين المنطلقين من الجمعيات والفرق البلدية في البلديات وتحصلوا على تكوين من خلال المجهود التكويني لمراكز الفنون الدرامية لتفتح هذه البطاقة أفق الهواية في الجهات بينما تسند لجنة ادارة المسرح بطاقات الاحتراف الوطنية المخصصة لخريجي المعاهد العليا للمسرح او بعد التحصل على بطاقة الاحتراف الإقليمية مرفقة بمجموعة أعمال

تتحصل إدارة المسارح الوطنية الإقليمية على تمويل إقليمي للفن المسرحي من الميزانيات المخصصة للأقاليم لضمان الحق في الثقافة المسرحية.

انطلق هذا الاقتراح من مبادئ دستورية يتحدّث عن تمتّع الجماعات المحلية بصلاحيات مشتركة مع السلطة المركزية وصلاحيات منقولة إليها من قبل هذه الأخيرة وفق مبدأ التفريع تقترن بما يناسبها من موارد.

في ما يخصّ الصلاحيات التي ستؤثّث مبدأ الاستقلالية الوظيفية للجماعات المحلية، فإن مقاربة الدستور لها تترك المجال لقراءتين مختلفتين وبالتالي تسمح بإمكانية إنفاذها في اتجاهين مختلفين: إما استقلالية عريضة قد تسمح بإقلاع الجماعات المحلية نحو تنمية ذاتية مستدامة لكن قد تؤول كذلك إلى إغراقها بما لا تتحمّله إمكانياتها، أو الإبقاء على نفس النزعة المركزية التي سيزيد في ثقلها تعقيد سلسلة القرار السياسيّ والاقتصاديّ وكثرة المتدخّلين فيه.
وبالفعل أقرّ الدستور في فصله 134 أن الجماعات المحلية تتمتّع بثلاثة أصناف من الصلاحيات أولها ذاتية وأخرى مشتركة وثالثة منقولة إليها من السلطة المركزية[24]. وأضاف في الفصل 135 أن للجماعات المحلية موارد ذاتية وموارد محالة إليها من السلطة المركزية ليضيف أن كل إحداث لصلاحيات للجماعات المحلية أو نقل لها من السلطة المركزية ينبغي اشفاعه بما يناسبه من موارد[25]  
ويعني هذا أنّ حيّز الاختصاصات التي ستعود للجماعات المحلية بأصنافها الثلاث سيكون رهن السلطة المركزية بما أنه سيتمّ بقانون. وإذا كان حجم الاختصاصات المسندة لها هو الذي سيعكس مدى استقلاليتها، فإن هذه الأخيرة مرتبطة بالإمكانيات المالية الضرورية لممارستها الأمر الذي يتطلّب تقدير حجم الموارد المالية للجماعات المحلية لضبط ما سيسند لها من اختصاصات والذي يثير بدوره إشكالية تباين هذه الموارد من جهة إلى أخرى[26].
   

لكن ما حظ المسرح الخاص من هذا التخطيط في ضل هذه العاصفة من الشركات الخاصة؟

سجلت إدارة المسرح ما يفوق الـ200 شركة مسرحية خاصة والعشرات من الفضاءات الخاصة ولكن لا يقابل هذا العدد الضخم من المنتجين حياة مسرحية متطورة فعدد العروض المنتجة لا تبلغ نصف عدد الشركات لارتباطها الوثيق بصناديق الدعم على الإنتاج ولا تتجاوز العروض المخصصة للأعمال المؤشرة العشرين عرضا عند تحصلها على ملاحظة حسن جدا فإذا ما قمنا بعملية حسابية بسيطة يتبين لنا بوضوح وضعية الفنان المسرحي الحر إذا ما اعتبرنا منحة إنتاجه وقيمة عروضه العشرين سنتحقق من قيمة مداخليه الشهرية  التي لا تتجاوز 750د إذا ما تحصل على 5000د كمنحة إعداد للعرض و300د كمنحة عرض وهي حالات مثالية في تأجير الممثل هذا من دون اقتطاع مساهمته في الصناديق الاجتماعية وعندها ستتبين حجم الأزمة المتفاقمة خاصة إذا ما وجدنا رائد هذه التجربة في المسرح الحر الفاضل الجعايبي يعود ليتحمل مسؤولية إدارة المسرح الوطني التونسي فيعود بذلك إلى مقاربة مسرح الدولة.

نحن نرجع الأزمة إلى غياب سوق مسرحية متطورة رغم انتعاشنا عندما نرى الإقبال الهائل للجمهور في عروض بعض المشاهير لنتأكد من حدود حديثنا عن غياب سوق مسرحية ونؤكد أن توطين المسرح في الأقاليم يجب أن يمر عبر خلق فنانين إقليمين وأعلام مسرحية إقليمية بممارستهم للفعل المسرحي اليومي انطلاق من البلديات والأحياء لخلق جمهور الفنان من محيطه الذي سيغذي جماهير المراكز في الولايات والأقاليم حينها تثبت عادات الفرجة في المسرح المتعدد المقاربات الفكرية والجمالية وهذا الجمهور سيساهم في إنعاش الحركة المسرحية ماليا أيضا.

إن الحديث عن مسرح حر وشركات خاصة يجب ان يمر عبر خلق سوق مسرحية متطورة واعتقد أن الحالة الراهنة لقطاع المسرح الخاص باتت حرجة لعدم التروي في إطلاقها ولعدم ملائمتها مع كراس الشروط في تأسيسها لغياب الدور الرقابي للدولة.

وعليه نعتقد أن الحلول للازمات الاقتصادية لا يمر عبر ضخ الأموال العمومية للإنعاش فحسب واضطلاع الدولة بواجب تعديل الأسواق بل أيضا عبر التكتلات الأفقية والعمودية للشركات لتتحول بدورها إلى مؤسسات قادرة على الإنتاج والتنافس بما يتلاءم مع منطلقاتها الاقتصادية والجمالية

إن الفن المسرحي في تونس ذائع السيط عربيا وإفريقيا ودوليا وعليه نعتقد أن الدولة يجب أن تساعد هذه الشركات على تصدير منتوجها الفني المسرحي لقدرته العالية على التنافس وتساهم عبر دبلوماسيتها الثقافية والاقتصادية في فتح أسواق للعروض المسرحية التونسية العربية والدولية والقيام بجولات لعروضها في الدول.


[1]  ينبغي الانتباه إلى عدم الخلط بين المجلس القومي التأسيسي وهو أول سلطة تأسيسية عرفتها تونس قبل الاستقلال قد اشتغل بين سنة 1956 و1959 على إعداد وإقرار أول دستور للجمهورية التونسية أي دستور غرة جوان 1959 وبين المجلس الوطني التأسيسي الذي انتخب في 23 أكتوبر 2011 لإعداد دستور جديد للجمهورية وصادق عليه في 26 جانفي 2014

[2]  الفصل 71 الذي جاء فيه: تمارس المجالس البلدية والمجالس الجهوية والهياكل التي يمنحها القانون صفة الجماعة المحلية المصالح المحلية حسب ما يضبطه القانون.

[3]  خصصنا في أطروحة الدكتوراه “المسرحي والسياسي في تونس” فصلا عنوناه استقلال البلاد واستقلال الهياكل المسرحية

[4]  محمد عبازة.تطور الفعل المسرحي في تونس من اللامركزية إلى التجريب. مركز النشر الجامعي ودار سحر للنشر. ص 13/14

[5]  خطاب ألقاه الرئيس الحبيب بورقيبة أمام جمع كبير من المثقفين والفنانين ونقلته الإذاعة الوطنية تمحور محتوى الخطاب حول وضعية الثقافة وواقغ المسرح التونسي بغد قرابة النصف قرن من نشأته وستة سنوات من الاستقلال وعن حاجة الدولة الحديثة له.

[6]  تم إحداث كتابة دولة للإخبار لدى رئاسة الحكومة وبمقتضى الأمر العلي المؤرخ في 34 ماي 1956 وبمقتضى الأمر عدد 346 لسنة 1961 تم إحداث كتابة الدولة للشؤون الثقافية والإخبار تواصل الأمر إلى أن تم إحداث الوزارة الأولى التي عوضت كتابة الدولة للرئاسة وأصبحت كتابات الدولة وزارات حسب الفصل الثاني من الأمر عدد 346 لستة 1961  ولم تنظم وزارة الشؤون الثقافية إلا اثر صدور الأمر عدد 773 لسنة 1975 المتعلق بضبط مشمولات وزارة الشؤون الثقافية والأمر عدد 774 لسنة 1975 المتعلق بتنظيم الوزارة.

[7] Said Rafik. La politique culturelle en Tunisie. L Unesco. Paris. 1970. P 36

[8]  احمد بن صالح. مسيرة الانطلاق 1961/1969. دار الجنوب للنشر. ت. محمد قويعة . ص 38

[9]  احمد بن صالح. مصدر انف الذكر. ص 55

[10]  بيان نشر غلى كامل الصفحة السادسة من جريدة La Presse  بتاريخ 30 اوت 1966

[11]  تاسست هذه الفرق بمقتضى منشور 8 جانفي 1964 المتعلق باحداث  “الفرق المتفرغة”  والتي تشرف عليها ماديا وهيكليا وزارة الثقافة التي تتولى وضع قوانينها الاساسية

[12]  نشرية التنمية الثقافية. نشرية اعلامية يصدرها مركز الدراسات والتوثيق للتنمية الثقافية. العدد 11 جوان 1987

[13]  هو قانون داخلي اعد لمحاولة تنظيم الفرق دون سند قانوني ولا يعدو ان يكون مذكرة عمل فلا يمكن ان نعتبره ذات سند قانوني او تشريعي

اذ قامت وزارة الشؤون الثقافية بتقديم مشروع قانون داخلي للفرق الجهوية للجنة الاستشارية الخاصة بالمسرح التي وافقت عليه ودعت الى الاسراع بتنفيذه. مذكرة مقدمة من قبل مصلحة المسرح بتاريخ 13 افريل 1981

[14]  لم نجد له اثر في الرائد الرسمي للجمهورية التونسية لذلك نعتقد انه لا يعدو ان يكون مذكرة عمل

[15]  مع بدايات تطبيق المخطط الثامن اقرت وزارة الاشراف التخلي عن الفرق الجهوية وتعويضها بعدد من الهياكل الاخرى

[16]  ترسانة القوانين التي حاولت التنظيم

  • قانون عدد 100 لسنة 1981 مؤرخ في 31 ديسمبر 1981 الفصل 94 الذي ورد فيه:

أحدثت المؤسستان العموميتان التاليتان:

  • مركز الفنون الدرامية
  • مركز تكوين للمنشطين الثقافيين

وتتمتع هاتان المؤسستان العموميتان بالشخصية المدنية والاستقلال المالي ولكل منهما ميزانية ملحقة ترتيبيا بميزانية الدولة

  • قانون عدد 15 لسنة 1986 مؤرخ في 15 فيفري 1986 يتعلق بتنظيم مهن الفنون الدرامية

ورد ببابه الاول  في الفصل الرابع : تبعث هياكل انتاج وترويج الفنون الدرامية على الصعيد الجهوي او الوطني في القطاعين العام او الخاص حسب التراتيب التالية:

  • بالنسبة للقطاع العام: تحدث ببادرة من السلطة الادارية المختصة وتضبط الشروط المتعلقة بتمويلها وهيكلتها وطرق تسييرها واشراف السلطة العمومية عليها بمقتضى وباقتراح من وزير الشؤون الثقافية 
  • بالنسبة للقطاع الخاص: تحدث ببادرة من اصحاب المهنة الحاملين لبطاقة احتراف مهن الفنون الدرامية المشار اليها في الفصل الثاني عشر من هذا القانون وتكون في الاشكال المشار اليها في المجلة التجارية

[17] احدث بمقتضى قانون عدد 113 المؤرخ في 30 ديسمبر 1983 المتعلق بقانون المالية لسنة 1983  

[18]  قانون عدد 15 لسنة 1986 مؤرخ في 15 فيفري 1986 يتعلق بتنظيم مهن الفنون الدرامية

الباب الثاني الفصل 12 احدثت بالنسبة للفنانين والفنيين الدراميين المحترفين بطاقة مهنية تعرف بـ”بطاقة احتراف مهن الفنون الدرامية” حسب ميادين الانتاج الدرامي من جهة وحسب اختصاصاتهم المهنية من جهة اخرى وتسند هذه البطاقة من قبل وزير الشؤون الثقافية بعد اخذ راي لجنة تحدث لهذا الغرض

[19]  تشكّل البلديات الجماعات المحلية الأصغر وهي موجودة منذ الاستقلال إلا أنها لا تغطي كامل تراب الجمهورية وهي مسيّرة فعلا بمجالس منتخبة ثم نجد الجهات وهي موجودة كذلك لكنها لا تمثل هياكل لامركزية لأنها مدارة من قبل مجالس غير منتخبة مباشرة من قبل متساكني الجهة لكن خاصة لأن هذا المجالس يترأسها ممثل عن السلطة المركزية معيّن من قبلها وهو الوالي وليس ممثلا عن الجهة ومنتخب من طرفها  أما الأقاليم فهي المجال الأوسع للتنظيم اللامركزي وهو المستوى المستحث لأنه لم يكن معتمدا في ضلّ دستور 1959 وليس هنالك تصوّر واضح حول ملامح هذه الأقاليم ولا حول انتشارها وحدودها.

[20]  الفصل 132: “تتمتّع الجماعات المحلية بالشخصية القانونية وبالاستقلالية الإدارية والمالية وتدير المصالح المحلية وفق التدبير الحرّ”

[21]  الفصل 132 المذكور آنفا.

[22]  الفصل 134 فقرة 3: “تتمتع الجماعات المحلية بسلطة ترتيبية في مجال ممارسة صلاحياتها”

[23]  انظر القانون الأساسي لمؤسسة المسرح الوطني التونسي  الامر عدد 1023 لسنة 1990 مؤرخ في 6 جوان 1990 يتعلق بضبط أساليب تسيير المسرح الوطني وتنظيمه الإداري والمالي  الباب الأول “التسيير والتنظيم الإداري” القسم الأول مجلس الإدارة الفصل الثاني والثالث

يسمح هذا القانون بإدراج مديري الأقاليم ضمن مجلس إدارة المسرح الوطني التونسي

[24]  الفصل  134  فقرة 1 و 2 : “تتمتع الجماعات المحلية بصلاحيات ذاتية وصلاحيات مشتركة مع السلطة المركزية وصلاحيات منقولة منها.
توزع الصلاحيات المشتركة والصلاحيات المنقولة استنادا إلى مبدأ التفريع “

[25] الفصل 135: ” للجماعات المحلية موارد ذاتية وموارد محالة إليها من السلطة المركزية وتكون هذه الموارد ملائمة للصلاحيات المسندة إليها قانونا.
كل إحداث لصلاحيات أو نقل لها من السلطة المركزية إلى الجماعات المحلية يكون مقترنا بما يناسبه من موارد…”

[26]  اعتمدنا في تحليلنا على القراءة القانونية التي جاءت في العدد 2 من مجلة المفكرة القانونية في تونس 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s