“الحجر الموجّه”ووجاهة الإجراءات !

عبد المجيد بنقياس

“..ترتاع النفوس،وتنخلع القلوب(…)ثم يصول صولته(…)حتى يخرب القصور،ويعمر القبور”(…)”فطبقة العامة أناس جبلوا في مثل هذه النوازل العامّة على التسليم لأحكام القضاء،وتفويض الأمر لأقدار السماء،وهم لا يعلمون من الوباء(…)ولا علة المرض والشفاء(…)ولا في استطاعة أحد من أبلغ الوعاظ وأفصح الخطباء أن يضع في رؤوسهم أن الوقاية تمنع من المقدور،وأن الحذر ينجي من المكتوب،وأن طبّ الأطباء يؤجل في الأجل المحدود،وأن صنوف الدواء تنفع في رد القضاء المحتوم.”(1)

تميزت تونس بإمكانيات ضيفة نسبيا من الحدّ من انتشار فيروس كورونا،وقد عوّضت الخطّة الاستباقية- الحظر الشامل- ومنسوب تدفق التضامن المواطني،من خلال الدعم المالي والعيني،من نقص الموارد المالية واللّوجيستية والبشرية،ثمّ من خلال اعتماد آلية جني الموارد المالية لسدّ الثغرات التي ظهرت خلال التنفيذ،وخاصة الحاجيات المالية للمتضررين من الحظر الشامل،من مهمّشين وعائلات معوزة وعمال فلاحيين وأصحاب المهن الصغرى.وارتفع صوت أصحاب المؤسسات الكبرى الناشطة في عدة القطاعات(صناعة،سياحة،إعلام)مطالبة بالدعم الحكومي وهي الصارخة دوما بضرورة كفّ الدولة عن كلّ دعم !

في هذا الإطار نتقدم بهذا المقال”الحجر الموجّه ووجاهة الإجراءات”،مجارات للتطورات من الناحيتين الصحية والإجرائية،لشرح التأثيرات الحاصلة والمرتقبة للـ”حجر الوجّه”،ومحاولة لقياس حجم الموارد(الرصيد)في علاقة بحجم المتطلبات الأساسية،والإسهام في بلورة تصور مستقبلي بديل.وقد خيرنا تفادي الأرقام والمؤشرات العديدة التي اعتمدنا عليها لاستخلاص أو استشراف الأوضاع.وعملية القياس والتقييم تتطلب بالضرورة التعرّف على أهمّ الفئات الاجتماعية المتضررة جراء الحظر الشامل،وفي حالة الحجر الموجه،والتداعيات متوسطة المدى على البعض منها ترافقها بعض الحلول الظرفية.لكن الأهمّ،لا يكمن حسب رأينا في الحلول الآنية،بل في المساهمة في تصور شامل لما بعد كورونا،نظرا لتسارع وتيرة الجوائح المماثلة وغيرها من الجوائح الطبيعية والعسكرية في علاقة بمقاربات اقتصاد السوق والعولمة.

المقدمة

انطلق فيروس كورونا من مدينة بالصين،ثم اجتاح كلّ بلدان.واتخذ كلّ بلد إجراءات للتوقّي كلّ وفق مقدراته وخططه الطارئة. فأضحت”الحرب”كونية،المهاجم هو الفيروس والمعتدى عليه هو البشرية،أي أنّ الطبيعة تفتك بأحد مكوناتها(الإنسان) ! نعت العديد هذا الوضع بصفة الـ”حرب”.في ذهن هؤلاء هي حرب صدّ لا حرب هدّ،لأنّ الأولى هجومية يقع التخطيط لها،أما الثانية فهي دفاعية مباغتة يقع الاحتياط منها.لكنها”حرب”من صنف خاص،السّلاح فيها يهتك بالبشر دون الحجر،أي دون هدم الأصول العقارية(مباني،طرقات،مطارات،سدود…الخ).يا له من نعت خاطئ واتهام مُغالط ! لأنّ العلاقة السببية تثبت أنّ الفاعل الأولي هو البشرية من خلال السعي المحموم لإخضاع الطبيعة لجني الأرباح،فهتكت بالتوازن البيئي وساهمت في تحضير الظروف الملائمة للأوبئة المستجدّة،ثبت نسبيا أنّ مستوى الضرر بضحاياها،من بلدان أو مدن أو عائلات أو فئات اجتماعية،في علاقة بمدى التطور الاقتصادي والاجتماعي الحاصل فيها.ومن خلال هذه العلاقة السببية يمكن القول”رُبّ ضارّة نافعة”،فالمدن ضعيفة النشاط الاقتصادي أقلّ عُرضة للأوبئة نظرا لضعف التدفق البشري،فيها ومنها وإليها،من ضمنهم حاملي المجهريات الفتاكة،وقلة الحركة في علاقة بندرة الوحدات كثيفة العمل وبقلة التنقل،للعمل أو للتسوّق أو الترفيه.هذا المؤثر الاقتصادي مرتبط بطبعه بحجم الرصيد المتوفر وشكل ملكيته وطرق إدارته(مؤسسات).وغالبا ما يظهر حسن أو سوء التخطيط والتسيير في فترات الجوائح الطبيعية،منها الأوبئة.ولا خلاف حول مآل الفشل إذا انعدمت شروط الحوكمة،من شرعية وكفاءة وثقة وشفافية،لأنها عناصر تؤثّر في منحنى الانطباع العام حول مدى عزم الفاعلين وقدراتهم المؤثران بدورهما في مدى انخراط الأغلبية في مسار الوقاية والعلاج.

مرّت الآن ثلاثة أشهر عاش خلالها المواطن التونسي تحت خطر جائحة كورونا.ويهمّنا قياس حجم الرصيد المتوفر،خاصة في جانبه المتعلق بالمجال الصحي،والذي يمكن تقسيمه إلى ثلاثة أصناف،وهي التالية:(i)صنف مادي يشمل البنية التحتية(مستشفيات،مخابر بحثية،مخابر تحليل،مخابر لصنع الأمصال والأدوية)والمعدات(وسائل الإسعاف،وسائل التشخيص رواية والتحليل…)؛(ii)صنف غير مادي يخصّ الموارد البشرية يشمل كلّ من الإطار الطبي وشبه الطبي والمواطنون.مع التأكيد على دور المواطنين الذي بدون انخراطهم تفشل كلّ مخططات الوقاية والعلاج مهما كان كبر حجم الأموال المرصودة.ومدى انخراط المواطنين تحدده عدة عوامل،منها ما هو ذاتي في علاقة بتركيبة العائلة وطبيعة نشاط أفرادها اليومي،وبحجم مدخرات العائلة؛  (iii) صنف مالي في علاقة بالرصيد المالي المرصود للصحة العمومية ومنها الجزء المخصّص للحالات الصحية الطارئة.

اعتمادا على ما سبق،لسائل أن يسأل عن الخطة الصحية المسطّرة والتأثيرات الحاصلة اقتصاديا واجتماعيا،وعن حجم الرصيد المتوفر والإجراءات المتخذة للتوقّي من الفيروس وعرقلة انتشاره.

بادئ ذي بدء يجب الإشارة إلى أنّ أوّل سلاح لمجابهة أي جائحة،طبيعية أو عسكرية،تكمن في المعنويات،ذات العلاقة العضوية بمدى حسن وعمق التواصل.فلا جدوى للتواصل إذا بُني على مبدأ الإرسال في اتجاه أحادي،والأتعس عندما يتوجه لفئة دون أخرى والأدهى عندما ينقصه الوضوح والإقدام.في تونس،اتسم هذا السلاح بالصدأ وطلقاته الخطابية بلا صدى نتيجة اللّخبطة في الإجراءات والإشارة إلى التملّص من المسؤولية وتحميلها للمواطنين،وهي رسالة سيئة لا تقدر على تعبئة الناس لأنها دليل على  ضعف استعداد الحكومة لمجابهة الجائحة.فمنذ البدء كان الخطاب الحكومي موشّح بالريبة،والدليل يكمن في التأكيد المستمر على أّنّ”الخطة معرضة للمراجعة عند الاقتضاء”وعلى المواطن تعود مسؤولية الفشل”.فتصريحات أعضاء الحكومة محفوفة بالشكّ في القدرة على النجاح نتيجة ضعف الإمكانيات أمام كثرة الالتزامات،ويظهر ذلك من خلال الدعوة للتطوع المالي والعيني،والاقتطاع من الأجور،والبحث عن الهبات الخارجية،والاقتراض الخارجي،والتهديد بالتسخير،والوعيد بـ”اتخاذ إجراءات موجعة”،وهي لعمري إجراءات مؤثرة سلبيا في حجم الثقة في قدرة الحكومة،التي زادت اهتزازا جرّاء إقالات وتعيينات وترقيات تشوبها شكوك إضافة إلى فضيحة”صفقة الكمامات”وسخاء الدعم الذي حظي به أصحاب الشركات الكبرى والمؤسسات الإعلامية الخاصة.

تجدر الإشارة إلى الظروف التي وُضعت فيها خطة”الحجر الموجّه”.جاءت الخطة بعد ما يفوق الثلاثين يوما من الحظر الشامل،لوحظ عند نهايته تقلص منسوب العدوى،مع تعوّد المواطنين بإجراءات حفظ الصحة العامة والفردية،وفي مناخ نفسي مزدوج:من ناحية،الأمل في تراجع منسوب العدوى تحت فعل أشعة الشمس الصيفية،ومن ناحية ثانية،الخوف من تواصل منسوب العدوى على حاله في ظلّ ظروف عمل ستكون بالتأكيد قاسية على الإطار الطبي وشبه الطبي(حمل كمامات لمدة 8 ساعات بفضاء تفوق حرارته 27 درجة مع منع استعمال المكيفات !)وكذلك بالنسبة إلى العائلات(حرمان من الشواطئ،عدم استعمال المكيفات،تأجيل الأعراس،منع زيارة الأقارب العاملين بالخارج).كما رُسمت الخطة تجاوبا مع طلب الفئات الاجتماعية التي تضررت ماليا جرّاء الحظر الشامل،خاصة وأنّ المساعدات والإعانات لم تكن في مستوى انتظارات بعضها.

لا شكّ في شمولية التأثيرات،لكنها بدرجات متفاوتة حسب القطاع(خاص،عمومي(والمجال (إنتاج مادي،خدمات) والنشاط(فلاحة،صناعة،سياحة)والجهة الجغرافية(مدن كبرى،قرى)وفضاء التسويق(محلي،خارجي).لهذا،ولغاية قياس وتقييم مدى توفر الإمكانيات المرصودة والمسخرة وجب تشريح حاجيات كل الطيف المجتمعي،وهو ما يفرض بسط أهم تأثيرات الحظر الشامل على الفاعلين الاقتصاديين،في مرحلة أولى،ثمّ الموازنة بين الحاجيات المرغوبة والإمكانيات المطلوبة.

  1. في تأثيرات الحظر الشامل على الفاعلين الاقتصاديين

لا يختلف إثنان في تداعيات خيارات المنوال التنموي المطبقة طيلة عقود،وإن تنوعت البرامج.ويظهر ذلك جليا من خلال المؤشر التأليفي للتنمية الجهوية لمختلف ولايات ومعتمديات البلاد.وتمثل المنجزات الصحية إحدى المعطيات المعتمدة في تحديد مستوى المؤشر التأليفي.إضافة إلى هذه المعطيات هناك مؤشرات أخرى نراها هامة نظرا لقيمتها في مجال دراسة التباين الحاصل في انتشار الجائحة من جهة إلى أخرى،ونعني بذلك الكثافة السكانية ونسبة”التمدّن”،لأنها مُحدّدة لنسبة التدفق البشري صلب المنطقة الجغرافية المعنية ومنها إلى بقية المناطق والعكس.فإذا”علم المرء السبب زال العجب !”،فالكثافة السكانية ونسبة التمدّن بولاية أريانة،مثلا،من الولايات الأكثر تضررا بجائحة كورونا،تقارب الـ 1270 ساكن/كلم² ونسبة التمدن 89% مقارنة بمثيلاتها الأقل ضررا،مثل جندوبة حيث تبلغ 130.2 و31% وسيدي بوزيد 59.6 و27%(2).ولهذا كان من المعقول اتخاذ إجراءات منسّبة وفق مؤشر التنمية الجهوية وطبيعة الأنشطة الاقتصادية لكلّ مجال جغرافي،عوض الحظر الشامل الذي لا يُنسب إليه النجاح النسبي،لأنّ المناطق التي تشهد نسبة عدوى ضعيفة ليست بالضرورة تلك التي طبقت الحظر بكل صرامة،بل لأنها الأقلّ نشاط اقتصادي وبالتالي الأقل حركية بطبعها.من هذه الزاوية يمكن أن تتضح الرؤية أكثر بخصوص مدى نجاح خطة التوقي من عدمه في المدى القصير،في علاقة بتداعيات الحظر الصحي على الفاعلين الاقتصاديين الأساسيين حتى يتمكن المرء من قياس مدى جدوى الإجراءات المتخذة،ومنها إلى بداية تصور متوسط وبعيد المدى للحيلولة دون مثل هذه الوضعيات التي لاحظ الخبراء تسارع وتيرتها وحدّد بعضهم حجم قدراتها التدميرية في علاقة بتعمّد الإضرار بالتوازن البيئي ونشر النفايات السامة.وسنسلّط الاهتمام على كلّ الفاعلين والإجراءات،وسيأخذ كلّ الحيز الذي يتناسب مع حجمه الاقتصادي والمالي.

  • الموظفون بالقطاع العام.تعتبر هذه الفئة الاجتماعية الأقل تضرّرا،باعتبار ديمومة الأجور في أوقاتها المعهودة حتى وإن حصل تململ في علاقة بالاقتطاع المالي الذي اعتمدته الحكومة(يوم عمل)أو حول الإجراءات الخاصة برزنامة الامتحانات في مختلف المستويات.في العموم،لا ضرر مادي يذكر بالنسبة لموظفي القطاع العمومي(إدارة ومؤسسات عمومية)،سوى بعض الامتيازات،خاصة بمنح التنقل والهاتف الإداري وغيرها مما يحتسب في خانة الفساد الإداري،والدليل يكمن في استجابتهم لإجراءات الحظر الشامل ولخطة”الحجر الموجه”.
  • الإدارة العمومية.كفاعل معنوي،تقلص حجم نشاط الإدارة العمومية وخدماتها وإن يصعب قياسها ماليا،لكن في المقابل الاحتفاظ بجزء من الميزانية المخصص للتصرف من خلال عدم صرف مستلزمات العمل الإداري،من مصاريف الكهرباء والماء والمكالمات الهاتفية والمحروقات للتنقل الوظيفي،إلى جانب الاحتفاظ بالرصيد المالي المخصص لفواتير الغذاء واللوازم المكتبية،وعدم الانتداب في الوظيفة العمومية الذي وقع إقراره،وهي قادرة على استرجاع بعض الخسائر من خلال آلية الخصومات والضرائب والرسوم.
  • المؤسسات العمومية.باعتبار أهمية المؤسسات العمومية،حيث أنها تساهم مساهمة في الناتج المحلي الإجمالي(9,5%)والتشغيل(4%)والأداء الضريبي(3)،وبالتالي لا لبس حول هول الخسائر التي تكبدتها هذه المؤسسات نتيجة تعليق أنشطتها،خسارة قد تحوم حول 17% إذا احتسبنا بطريقة اعتباطية عطالة 2 أشهر على 12 شهرا.والضرر حصل خاصة بالمؤسسات الخدماتية والجمركية(موانئ،مطارات)،وهو ما سيقلص من مساهماتها في موارد الدولة الذاتية(ضرائب،عائدات المساهمات،مناب الدولة من المرابيح).
  • القطاع الخاص الصناعي والخدماتي.لا يختلف إثنان في سلبية توابع الإجراءات الحجر الشامل على القطاع الخاص،حتى وإن صاحبها مساعدات مالية حكومية.فالوحدات والمؤسسات الناشطة لحسابها الخاص مطلوب منها إيقاف حركة الإنتاج و/أو خدمات مع الإلزام بمواصلة دفع أجور منظوريها.لا جدال حول نسبية التأثيرات وفق حجم الوحدة/المؤسسة ومجال نشاطها وموقعها الجغرافي ووضعها المالي،في علاقة بقدرة أصحاب هذه وتلك من الوحدات/المؤسسات على استرجاع جزء من الخسائر أو المرابيح الضائعة(gains perdus)وما قد تخسره في قابل الأيام،من خلال إمكانية تحويل حمل الخسائر على كاهل الفئات والشرائح الاجتماعية الأخرى عبر آلية التّرفيع في أسعار السلع والخدمات.لكن هناك بعض القطاعات لم يعد في إمكانها ذلك،مثل القطاع السياحي بكلّ شعابه(نزل،مطاعم سياحية،شبكة التسويق والخدمات).وإذا كان الوضع المادي لأصحاب الوحدات الكبرى يسمح بتحمّل أعباء الخسائر،فإنّ بقية الفاعلين بالقطاع،من عملة مرسّمين ووقتيين يستحيل عليهم التعويض على مداخيلهم،نظرا لموسمية النشاط السياحي ولاستحالة التدارك خلال بقية السنة،إلا في صورة التوصل إلى شغل آخر،وهي مسألة ستزداد صعوبة يوما بعد يوم نظرا لكثرة أعداد هذه الفئة.ولإجراءات الحظر الشامل تأثيرات كارثية على أصحاب المهن الحرّة ذات الطابع الحرفي(تجار التفصيل،حلاقة،حدادة،نجارة الخشب،ورشات الصيانة والتصليح).إذا كان للبعض إمكانية استرجاع الخسائر من خلال تحميل الحرفاء خسائرهم عبر آلية الأسعار كما سبق ذكره،فإن البعض الآخر لا قدرة له على ذلك خاصة ممتهني الأنشطة الهامشية والموسمية وأغلبهم من الفئة العمرية الشبابية التي قد ينحرف مسار معيشتهم نتيجة ذلك.كما لا يمكن إنكار الضرر المالي الحاصل لأصحاب المؤسسات الخاصة،خاصة وأن جلّها تنتمي إلى فئة المؤسسات الصغرى والمتوسطة،وما يمكن أن يترتّب من خسائر في مراجعة شروط العقود مع الحرفاء(سواء كان الحريف محليا أو أجنبيا،مزوّدا أو مقتنيا أو مستهلكا).وإذا كانت الخسائر لا تمسّ بالأصول المالية والمعدات والمواد الأولية والوسيطة والطاقة،فإن عليها أداء معلوم كراء الأصول العقارية.وما الإجراءات المتخذة لدعم هؤلاء إلاّ تأجيل لمشاكل قائمة معرضة للتراكم في قادم الأيام،إذا تواصل إجراء الحظر الشامل أو في ظلّ خطة”الجحر الموجّه”.وإذا علم المرء حجم هذا القطاع المتنوع والواسع من حيث عدد مواطن الشغل ساعتها سيدرك حجم الكارثة.
  • القطاع الفلاحي:وقع استثناء القطاع الفلاحي من أي تعويض أو دعم مالي،رغم تطبيق الحظر الشامل الذي قد أضرّ بالعديد منهم.يظهر أنّ قرار التحييد اعتباطي مبني على نظرة غير واقعية تجاهلت مدى التأثيرات عند إغلاق أسواق الجملة والأسواق الأسبوعية.فالخضر والغلال الطازجة بضاعة معرضة للتلف في حالة عدم جنيها أو عدم استهلاكها أو تصبيرها مباشرة بعد الجني.ولعلّ من قرّر إغلاق أسواق الدواب يجهل أو يتجاهل الخسائر المترتبة على تأخير بيع المواشي،خاصة في ظل ارتفاع أسعار الأعلاف،وفي ظل الحاجة إلى السيولة المالية لتحضير حصاد الأعلاف الخضراء والحبوب،ولتوفير مستلزمات إنتاج الخضر والغلال الصيفية،ولاقتناء الأعلاف الخشنة كمخزون للسنة القادمة.هذا إضافة إلى المخاطر المصاحبة لتأخير بيع المنتوج(سرقة،نفوق)والكلفة الإضافية لخزن الأعلاف ولتوفير حاجيات الإدامة للقطيع.إنّ تأجيل بيع المواشي مضر في قادم الأسابيع باعتبار آلية العرض والطلب،حيث سيرتفع العرض نتيجة تراكم المنتوج وسينقص الطلب نظرا لفوات الحاجة وقلّة الموارد المالية نتيجة تقلص مداخيل عديد الفئات الاجتماعية.وقد تناسى أصحاب القرار أنّ هناك ما يفوق نصف الفلاحين يمارسون نشاط ثانوي/تكميلي وقع تحت طائلة التعطيل نتيجة الحظر الصحي الشامل.وإذا كان للبعض إمكانية ضئيلة لتحويل تلك الخسائر على كاهل المستهلكين فإنّها مستحيلة بالنسبة للمنتوجات الخاضعة للتسعير الإداري وفي ظلّ تدهور القدرة الشرائية لأغلب الشرائح الاجتماعية.
  • القطاع الموازي:أهمية هذا المجال لا تخفى على أحد،وإن اختلفت الآراء حول جدواه الاقتصادية والاجتماعية،وتظهر من خلال حجم الأموال الذي يديره وفي سعة الناشطين صلب شبكته المعقدة المقدرة بـ 1.5 مليون شخص،أغلبهم من الفئة العمرية 15-29 سنة(4).الأكيد أن هذه الشبكة النشيطة اقتصاديا قد تضررت كثيرا بحكم الحظر المطبق قطريا وبحكم التقلص المهول لحجم النقل البري والبحري عبر العالم.ويمكن لهذه الشبكة،إذا طال الحظر وتآكل المخزون السلعي المتوفر لديها ورصيدها المالي،أن تتحرك في أي وقت إما بتوخي أساليب أخرى للتهريب والترويج وإما بالمتاجرة بسلع أخرى لا يدرك نوعيتها وخطورتها سوى مديريها أو بإحداث قلاقل لكسر الحجر الصحي عبر تحريك تلك الطاقة الشبابية المعطلة.

إنّ إعادة الحياة للأنشطة الاقتصادية(فلاحة وصيد بحري،سياحة،تجارة الملابس،حلاقة…)إلى جانب التسريح حركية الأنشطة الترفيهية(خلاعة وحفلات والأعراس والسهرات الليلية خارج البيوت بالأحياء الشعبية)دون إجراءات وقائية قد تؤدي إلى استفحال انتشار الوباء في ظرف تشتدّ فيه الحرارة وتُمنع فيه استعمال المكيفات باعتبارها وسائل لنشر الفيروس،أي في ظرف جهنّمي بالنسبة للإطارات الطبية وشبه الطبية،من ناحية،وللعائلات،من ناحية ثانية.لكن،التسريح بالنشاط الاقتصادي،مثل حصاد الحبوب والخضر الفصلية وتسويقها وتحويلها أمر ضروري لا يحتمل التأجيل،بشرط الامتثال إلى التدابير الصحية اللازمة.

هذه البسطة لا تبرّر تهرّب أصحاب المؤسسات الخاصة(صناعية أو بنكية)ولا الفلاحين الكبار من المساهمة في المجهود الطوعي،ولا للخضوع لإرادتهم في استئناف النشاط دون احترام الشروط الوقائية،ولو أنها تُثقل كلفة الإنتاج.لكن،هل توفرت فعلا الشروط لتطبيق”الحجر الموجّه”أو الرفع النهائي للحظر؟وإذا فشل،وهذا احتمال وارد،هل نملك ما يكفي من الإمكانيات للعودة إلى تطبيق الحظر الشامل؟

  • الموازنة بين الحاجيات والإمكانيات
  • المعنيون بالحجر الصحي:هناك أنشطة حياتية موسمية لا بدّ من إعطائها إمكانية للنشاط خاصة ونحن على أبوب الحصاد،فحصاد الحبوب وتجميعها وتسويق الأعلاف الخشنة من الشمال إلى الوسط والجنوب(سنة جفاف)نشاط مهمّ على مدى السنة القادمة لتوفير جزء هام من مخزون الحبوب للاستهلاك البشري والحيواني…كما يجب التعامل بمرونة مع فلاحي المناطق السقوية لتوفير الخضر والغلال،وخاصة منتوج الطماطم للتصبير بالجهات المتخصصة في إنتاجها وتحويلها.أما المعنيون بالحجر الصحي،بعد الرفع التدريجي،فمنهم فئة المواطنين التي تفوق أعمارهم الـ 65 سنة(12%من السكان).هل يعلم من صاغ الخطة أنّ أغلبية الفلاحين والعمال الفلاحيين هم من الفئة العمرية التي تتجاوز الـ 65 سنة ؟
  • الإطار الصحي:الإشكال الثاني يكمن في مدى توفّر الإطار الطبي وشبه الطبي.فحسب دراسة أجريت بفرنسا تستوجب العناية المركزة توفير 3 ممرضين لكلّ 4 مرضى.في تونس،يشتكي هؤلاء منذ سنوات من كثافة العمل نظرا لقلة الموارد البشرية،فكيف هو الحال في ظل هذه الجائحة،خاصة ونحن على عتبة فصل الصيف،مما يصعّب مهمّة الفيلق الصحي المنهك أصلا منذ ثلاثة أشهر.أكيد أنّ الوضع سيزداد صعوبة،حيث سيكون المطلوب من الطواقم الطبية تحمل الكمامة لمدة طويلة في ظلّ فضاء منصوح بأن لا يقع تشغيل المكيفات داخله تفاديا للعدوى ! على المرء أن يتصور الوضع في ظلّ ارتفاع نسق المصابين في قادم الأيام  !على المسؤولين ضرورة التفكير في كيفية تخفيف العبء بالبحث في صيغة للتداول نصف الوقت بالنسبة للإطار الصحي(طبي وشبه طبي)وإعادة توزيع للإطار الطبي بين الجهات وفق خارطة العدوى السائرة مع تسخير المقيمين والمتربصين بالطب وتسخير الإطار العامل بالمؤسسات الخاصة.
  • الرصيد اللوجيستي:أما المستلزمات اللوجيستية المتوفرة فهي تقف عند عدد 863 سيارة إسعاف مع نقص الوسائل البسيطة الضرورية،مثل الكمامات في بلد اشتهر بمصانع النسيج والجلود ! ومواد التعقيم في بلد مشهور بالزياتين التي من فضائله أو يصنع الصابون الأخضر من فواضله ! أبرز فيروس كورونا قيم التضامن والتطوع،كما كشف أيضا أنانية وانتهازية وجشع البعض.فأين هي تلك المؤسسات الصناعية التي شفطت آلاف المليارات من المال العمومي(إعفاءات وحوافز جبائية)؟ها هي متمنّعة عن المساهمة في إجراءات التوقّي ! وها إنّ إحداها،مختصة في صناعة جهاز التنفس الاصطناعي،ترفض بيع ولو جزء بسيط من سلعتها بتونس بدعوى التزامها بالأسواق الخارجية ! حتى المصحات الخاصة اشترطت مبلغ 20 ألف دينار للعناية المركزة بمريض كورونا ! في المقابل نفضت الجائحة الغبار عن كفاءات تونسية أبدعت في صناعة أحدث الوسائل التقنية للكشف والرصد والمتابعة.وقد يستفيد البلاد من هذه الكفاءات وغيرها لو توفرت الإرادة السياسية من أجل توفير الأمن الصحي،الذي بدونه لا تستقيم الحياة ولا أي نشاط،من خلال زخّ الأموال للتعليم ودعم البحث العلمي ومعالجة ظاهرة هجرة الأدمغة،على غرار الأطباء،إلى جانب مراجعة التشريعات الخاصة بقانون”الملكية الفكرية”المعيق لتطور صناعة الأدوية والأمصال وغيرها من المستحضرات الوقاية والعلاجية.لو نعتمد معدل العدوى الحاصل خلال الثلاثة الأشهر الفائتة(13 شخص/اليوم)؛وأنّ أمر التصريح بالعمل سيهمّ 2.5 مليون خلال مدة الحجر الموجه،فوفق المعادلة الثلاثية ستصبح العدوى تقارب 19 حالة/اليوم،وهو ما يتطلب توفير 295 سرير للعناية المركّزة،شيء تفتقده المستشفيات العمومية(240 سرير).ولا يتوقف الأمر عند العناية بالجهاز التنفّس فحسب،بل يتعداه لأنّ هناك حالات تعكّر صحية،حيث تصبح هناك حاجة إلى تصفية الكلى و/أو العناية بمرض القلب.عندها تصبح الإمكانيات غير كافية للعناية بكلّ الحالات الوافدة خلال مدّة الإقامة بالمستشفى.كلّ هذا دون اعتبار التوزيع الجغرافي اللاّمتوازن للمستشفيات والمعدات والإطارات الطبية.
  • أسطول النقل العمومي:باعتبار شرط تطبيق التباعد الاجتماعي للتقليل من نوافذ العدوى،خاصة بالمدن ذات النشاط الاقتصادي الأكثر كثافة(تونس،صفاقس،سوسة،بنزرت)هناك ضرورة لتقليص عدد المسافرين بوسائل النقل الجماعي العمومي والخاص،إلى جانب الشرط على المؤسسات الكبرى بتوفير وسائل خاصة بمنظوريها من العملة.وباعتبار أن إجراء ترخيص التنقل للعمل خلال”الحجر الموجّه”لا يهمّ سوى نصف العاملين،دون اعتبار التلاميذ والطلبة(عطلة وتأجيل الامتحانات)،فإن أمر النقل يستوجب تحريك نصف الأسطول المتوفر،بعضه لنقل العاملين بالقطاع العمومي والآخر لنقل العاملين بالمؤسسات الخاصة.في سائر الأيام العادية،يشكو المواطنون من ظروف التنقل الصعبة،خاصة بضواحي المدن الكبرى،سيكون وضع النقل صعبا في ظل طريقة سير العمل بالتناوب بالمؤسسات حيث سترتفع الحاجة إلى تعدّد السفرات بالتزامن ذهابا وإيابا وهو ما سيطلب وضع على الذمة لعدد مضاعف من الحافلات وما سيثقل كاهل المؤسسات.
  • الميزانية للتوقي من الجائحة:أمام حجم المستلزمات الوقائية والعلاجية(أسرة العلاج المركز،أسرة علاج الحالات المتعكرة،وسائل ومواد تعقيم،وسائل الكشف والتشخيص الطبي،سيارات إسعاف..الخ)هل تملك وزارة الصحة الإمكانيات المالية لذلك؟ لا تفوق ميزانية وزارة الصحة لسنة 2020 نسبة 5.40% من ميزانية الدولة(2.544 مليار دينار)،لم يرصد منها سوى 11% فقط لتطوير البنية التحتية(بناء مستشفيات جديدة،تدعيم أخرى بأقسام جديدة،معدات)(5).ومن الضرورة بمكان الإشارة إلى الفائدة الحاصلة من انخفاض سعر  برميل النفط في الأسواق العالمية(ربح 142 دولار لكل تراجع بـ 1 دولار في السعر)،مما يؤدي إلى ربح يقارب 5.7 مليار دينار،كما يؤدي انخفاض السعر إلى تخفيض حجم الدعم الموجه للمحروقات بقرابة 1.9 مليار دينار،أي قد تربح الميزانية في المجموع قرابة 8 مليار دينار.

مع العلم أنّ معدل الأسرة لكل ألف ساكن يساوي 1.78 سرير]8/ألمانيا؛7/فرنسا؛3.18/إيطاليا[.(6)ويبلغ عدد أسرّة العناية المركزة 240 سرير فقط)400 سرير إنعاش/109 مصحة خاصة)،وهو المؤشر إليه بالخط الأفقي في الرسم الإحصائي الخاص بتطور الجائحة،إلى جانب المنحنى الأكبر الذي يرمز إلى تطور عدد المصابين،والمنحنى الصغير الذي يميّز تطور المستحقين للعناية.إضافة إلى ما سبق،لعله من المفيد المقارنة بين كلفة الإسعاف المركز مع بعض البلدان.فهي مقدرة بـ 3045 دولار بالولايات المتحدة الأمريكية،أي ما يقابل 8850 د.ت.أما في تونس فقد طالب أصحاب المصحات الخاصة بمقابل 20 ألف د.ت،أي 2.26 ضعف كلفة العلاج بالولايات المتحدة الأمريكية.

كلّ ما ورد أعلاه،دلائل على سوء حوكمة في المؤسسات الصحية العمومية ممّا يفسح المجال لتطور القطاع الخاص(عيادات ومصحات ومخابر التحليل والكشف)،وهو ما يؤكده نسبة المساهمة في الناتج المحلي الإجمالي لكلّ من القطاع الصحي العام(4%)والخاص(3%)]4/3[.ولعلّ النسب للمقارنة مع بعض البلدان الأخرى قد تفيد القارئ،خاصة إذا وقع ربطها بمدى انتشار الجائحة فيها،وهي بالتتالي المسبوق حسب البلد:8.2/8.9 في الولايات المتحدة الأمريكية؛10.0/1.9 في السويد؛9.0/2.6 في فرنسا؛10.6/0.5 في كوبا؛2.0/3.9 في المغرب(6).لقد كشفت الظرفية الفجئية عن العجز الهيكلي الذي تعانيه المنظومة الصحية،مما دفع بالحكومة إلى إجراءات لملئ جزء من الفراغات الحاصلة لتوفير مستلزمات الخطة الصحية(أسرة للعناية المركزة،مستلزمات التعقيم والوقاية،مراكز إيواء للحجر الصحي ومستلزمات”الإقامة الجبرية”،أدوية لعلاج مرضى الكورونا والتعكّرات)،وجزء ثان لجبر الضرر المالي لمن لحق بهم ضرر في علاقة بالحجر الشامل(أشخاص،عائلات،مؤسسات).

ونظرا للعجز في الميزانية وللنسبة المرصودة لميزانية الصحة العمومية،التجأت الحكومة إلى تنويع مصادر التمويل،من قروض مالية من البنوك المحلية والبنك العالمي وصندوق النقد الدولي،وهبات دولية وتبرعات مواطنية،وإلى إعادة توظيف أبواب الميزانية،وربما التراجع عن الزيادة في الأجور والتفويت في بعض المؤسسات العمومية(وكالة التبغ،تونس الجوية مثلا).إذا كانت الشفافية شعار الحكومة فإن الواقع يكذب ذلك خاصة فيما يتعلق بالجانب المالي.باستثناء صندوق التمويل 1818 الذي ينشر باستمرار التدفقات المالية أو ما صدر عن الممولين الأجانب(صندوق النقد،البنك الدولي،الاتحاد الأوروبي)،فإن القيمة المالية لبعض المصادر الأخرى بقيت طيّ الكتمان تحت تعلّة ضرورة احترام التراتيب بالتصريح عن بعضها في مرسوم وفي قوانين بالنسبة البعض الآخر.لكن،باعتماد المتوفر من المعلومات في هذا الشأن،يمكن القول أن ما تمّ الكشف عنه إلى حدّ الآن بلغ ما قدره 9500 مليون دينار(7).لمعرفة مدى قيمة هذا الرصيد المالي يمكن للمقارنة مع بعض البلدان أن تفيد في هذا المجال.في هذا الخصوص،يمكن مثلا اعتماد مؤشر يعتمد حساب الرصيد المالي المخصص للفرد الواحد مقارنة بمتوسط مصاريف الصحية السنوية للفرد الواحد،مع اعتماد عملة البلد المعني بالمقارنة.في تونس تساوي هذه النسبة 36%]825/2286.31[مقابل 16.7%(701.5/4200)في فرنسا(6)،أي أنّ المبالغ التي رصدتها الحكومة تبدو هامة.لكن كيفية توزيعها بين المنتفعين هي الإشكال الذي خلق جدلا واسعا،باعتبار أنّ المؤسسات الخاصة قد حازت على جزء هام من الموارد المالية المرصودة للغرض. ولعلّه من الحكمة البحث عن مقاربة تتفق مع ما ورد في رواية”حدّث عيسى بن هشام”حيث جاء ما يلي:“وما أولى سائر الناس بأن يثبتوا بينهم عادة أهل الصين في معاملة مثل هؤلاء الأطباء،وذلك أنهم يجرون على أطبائهم العطاء ما داموا أصحاء،فإذا نزل بأحدهم المرض انقطع العطاء عن الطبيب حتى يعود المريض إلى سلامته،فيكون من مصلحة الأطباء على الدوام أن تطول مدة السلامة،وتقصر مدة العلة،على خلاف الحال بيننا”.(1)

نلاحظ إذن أنّ جلّ القطاعات لحقها ضرر بأحجام متفاوتة،لكن بعض الناشطين في مجالات عدّة لهم إمكانية استرجاع الخسائر أو المرابيح الضائعة من خلال تحميل الأعباء على كاهل الغير بالرّفع في أسعار السلع و/أو الخدمات.لكن،هل يقدر أغلب المستهلكين تحمّل لهيب أسعار الخدمات والسلع،بعد أن فقدوا جزءا من المداخيل واستهلكوا مدّخراتهم؟ إنّ ضعف مستوى الطلب سيكون حائلا دون ذلك،وستتكدّس السلع وتتناقص نسق بعض الخدمات مما سيدفع بعديد الأنشطة إلى حالة ركود اقتصادي لا يملك صاحب المؤسسة من آلية إلاّ بتسريح(طرد)نسبة من عدد العمال.وهو ما سيرفّع من عدد المعطلين،المستفحل أصلا،والذي دعمه إجراء عدم الانتداب بالوظيفة والمؤسسات العمومية.أما المُعطّلين عن العمل،في ظلّ غياب حلول جذرية،فلم يبقى لهم سوى العمل وفق الشروط الهشّة للعمل(تقليص الأجر،ترفيع ساعات العمل،العمل نصف الوقت)أو النشاط في السوق الموازية أو الانخراط في شبكات الجريمة المنظمة.وقد أشارت إحدى الدراسات إلى توقّع في انخفاض الاستهلاك المحلي بنسبة 1.5-5.23%(8).وقد يصدق حدس وتوقعات الخبراء إذا علم المرء حجم الانهيار الذي لحق بالتدفق التجاري خلال الأربع أشهر الماضية(جانفي-أفريل 2020)الذي بلغ 20.6% نسبة لنفس الفترة من سنة 2019 وانهيار التوريد بنسبة 21.5%.من المفارقات التي أبرزتها الجائحة أن هذا الانهيار تسبّب في تحسّن نسبة التغطية بـ 0.8% مقارنة بنفس الفترة من السنة الماضية(2019) (9)

بناءا على ما تقدّم من نقص في الرصيد البشري وضحالة البنية التحتية ووسائل الإسعاف والعلاج نتيجة تقزيم دور المؤسسات الصحية العمومية وما لازمها من حيف تجاه المناطق الداخلية يمكن القول أن تونس تفتقد إلى مقومات التوقي على المدى المتوسط وفق المقاربة الحالية،خاصة في ظلّ عدم التأكّد من تأثير حرارة المناخ على مدى صمود الفيروس،وكذلك على المدى الطويل في ظلّ المواصلة على نفس المنوال في ظرف يتسارع فيه نسق التحولات الجينية للفيروسات في محيط عالمي بانت هشاشة سياسته الليبرالية وعجز مؤسساته المخصصة لغرض مقاومة الجوائح.لذا،فالجائحة الوبائية،ولئن وقع التحكم فيها نسبيا إلى حدّ الآن،فإن تأثيراتها الاقتصادية والاجتماعية ستكون كارثية لأنه من الصعب علاج حالة بلد يعاني ويلات شحّ التمويل في الداخل أو من الخارج،ورازح تحت ضغط استخلاص الديون الخارجية وفوائدها،وواقع بين براثن الفساد المالي والتفريط في موارده الذاتية(بيع مؤسسات عمومية،تقليص الرسوم الجمركية،إعفاءات جبائية للشركات الأجنبية).

إضافة إلى ما سبق،يمكن الجزم أنّ الوضع سيزداد سوءا لو تنخرط الدولة التونسية في مشروع الآليكا وبالتفريط في جزء من المؤسسات العمومية تحت يافطة”الإصلاحات الكبرى”وتعلّة”الجهاد الأكبر”،لأنها خيارات ستؤدي إلى خسائر كبرى تقلص من موارد الدولة الذاتية،في وضع يزداد فيه الضغط على الدولة للقيام بدورها الاقتصادي والاجتماعي.وهذه الظاهرة ليست خاصة بتونس،فقد بدأت الأصوات ترتفع في عدّة دول منادية بضرورة تدخّل الدولة لإنقاذ اقتصاديات بلدانها من الانهيار ولتوجيه العناية الضرورية للخدمات العمومية،وخاصة ضرورة الاعتناء بالنسيج الصحي العمومي من حيث توجيه التمويل الضروري للبنية التحتية وكل المستلزمات الحديثة للعناية بالصحة العامة،وقاية وعلاج،وكلّ متطلبات المتابعة والإحصاء والوقاية والبحث والابتكار في مجال صناعة الأمصال والأدوية.بات من الضرورة التصدي لكل ما من شأنه أن يعرقل أو يفكك مؤسسات الصحة العمومية وما يتبعها من مؤسسات(صيدلية مركزية،معاهد بحث،مخابر تحليل)وإعادة النظر في قانون ما اصطلح على تسميته بـ”حقوق الملكية الفكرية”بالإضافة إلى ضرورة إيلاء الإطار الصحي المكانة المستحقة ماديا ومعنويا حتى لا يهجر هؤلاء إلى خارج الحدود أو بالانصراف للعمل بالقطاع الصحي الخاص.

ختاما،مقابل هذه اللوحة السوداوية هناك أمل كبير في إيجاد لقاح يزيح عن الإنسانية عبء هذه الجائحة.لكن مستوى الأمل سيعرف انحدارا كلما تسارعت وتيرة الجوائح من دون بدائل أشمل لإزاحة الأسباب التدميرية ومن دون تقليص دائرة الفضاء الحاضن للجراثيم وانتشارها،من فيروسات وبكتيريات وفطريات،وللطفيليات والحشرات الناقلة،فضاء يوفر الحدّ الأدنى من شروط الصحة العامة،من غذاء متوازن وسليم وظروف سكن وعمل لائقة،تنتفي فيه الحروب وتدمير الطبيعة.تاريخيا،عادة ما تكون الجوائح مهدّمة وبنّاءة،في نفس الوقت،مهدّمة لمنظومات ومناويل غير عادلة لا توفر شروط العيش المشترك الملائم،وبنّاءة لبدائل وأنماط وفق معايير قيمية جديدة.هل ستتجسّد الحتمية عقب هذا الوباء المستجدّ؟ فتسعى الدول إلى الاستثمار في الصحة والتعليم والثقافة والرفاه والتكنولوجيا وتعيد للاستثمار العمومي مكانته مع ضمان ديمومة مصادر التمويل الذاتي للدولة والرقي بالتبادل بين البشرية عوض المرابحة بين الشركات العابرة لسيادة الدول.أم أنها ستواصل المنظومة الليبرالية،وهي الفرضية الأقرب،فتواصل على السير على نفس المنوال،مع بعض الرتوش الممكنة؟ فتواصل الدول المصنعة في تلويث الفضاء وتقليع الغابات والاستحواذ على أراضي الدول الفقيرة وإثارة النّعرات العنصرية.أم لشعوب العالم رؤية أخرى للتفكيك وإعادة البناء وفق قيم أرقى وبمقاربات أجدى وبفاعلين أنفع وبآليات أكثر عدلاً ؟

المصادر

  • (1)محمد المويحلي _ رواية حدّث عيسى بن هشام
  • (2)       وزارة الصحة Santé Tunisienne en chiffres 2017
  • (3)كيف نحمي المنشآت والمؤسسات العمومية؟_جمعية البحوث الاقتصادية والاجتماعية”محمد علي الحامي”-جانفي 2019
  • (4)الاقتصاد الموازي في تونس:هل هو فعلا “موازي”؟ _محمد رامي عبد المولى
  • ميزانية الدولة (5)2020
  • (6)Wikipédia_Dépenses de la santé publique et privée-2014

(7) Capitalnews du 05/05/2020

(8) La Presse du 28/03/2020_Coronavirus : Quel impact sur l’économie Tunisienne ? 

(9) leconomistemaghrebin.com/14/05/2020

(9) La Presse.tn du 28 mars 2020 Coronavirus : Quel impact sur l’économie tunisienne ? (10) https://www.leconomistemaghrebin.com Exportation : plus forte contraction dans l’histoire économique récente       13 mai 2020  

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s