كيف يتحول الاستثمار السياسي الي أرباح مالية؟

الاستاذ:محمد بوزيد

ما يميز الدولة التونسية في كل اتفاقياتها الاقتصادية و مختلف التنقيحات المتتالية التي ادخلتها على مجلة تشجيع الاستثمار منذ تولي الهادي نويرة الوزارة الأولى في السبعينات، انها اتفاقيات تمشي في نفس سياق المدرسة اللبرالية المهيمنة عالميا و هي تعطي امتيازات كبيرة للشركات و الأطراف الأجنبية لأنها تعتقد انها بذلك تجلب إلينا مستثمرين ما كانوا ليجيؤوا لولا تلك الامتيازات نظرا لصغر حجم السوق و رقم الأعمال المحدود وهي فكرة خاطئة و مضرة. منطلق تفكيرنا يجب أن يكون التالي: ما هي القطاعات التي اريد تنشيطها و ما شروط ذلك و بالتالي ما نوع رأس المال الذي احتاجه. حكومتنا تفكر عكس ذلك اي احتاج نقدا اجنبيا لتغطية العجز لذلك سأتعرى أمام الرأس المال الأجنبي حتى يهتم بي و ينظر إلى و كلما تعزّز المستثمر كلما تعرّت الدولة أكثر .
أن الاستثمارات التي تنفع هي تلك التي تتفادي المضاربة و الربح السريع اي تلك التي( تخلق) مواطن شغل قارة و دائمة، و مواطن الشغل هذه من الأفضل أن تكون ذات تكوين أعلى ما يمكن un taux d’intégration plus élevé للرفع من الإنتاجية و المردودية في مجالات نشاط تحتاجه السوق الداخلية اساسا اي تتجه نحو تلبية احتياجات محلية لتعويض التوريد و الارتباط المشط بالخارج. للأسف تاريخ نشاط الدولتين المعنيتين بالاتفاقية المعروضة أمام مجلس النواب موضوع النقاش لا يذهب في اتجاه تلبية المصالح التونسية، و يمكن قول نفس الشيء بالنسبة للاغلبية الساحقة من الاستثمارات الأجنبية الاخري في تونس نظرا لسيطرة سياسة اقتصادية لبرالية منذ السبعينات تعمقت مع المخلوع و تشجع على ممارسة ما يسمى une politique economique prédatrice تجري وراء مجالات النشاط أين يكون الربح سهلا مضمونا و سريعا…

لا يمكن أن نحكي عن مردودية متوقعة لم نرها بعد للاتفاقيتين المذكورين و نحن تعودنا ان اغلب التوقعات المقدمة لتبرير اتفاقيات او مشاريع جديدة هي توقعات لا يتحقق اغلبها. بمعنى اخر ان عامل الثقة في مؤسسات الدولة و ما تقوله عن نفسها لتبرير سياساتها منعدم نتيجة تاريخ طويل من الكذب و التمثيل.
ثانيا مقارنتهما باتغاقيات مع فرنسا او السعودية أو غيرها ليس في صالحها لان الاتفاقيات الأخرى لم نجني منها شيئا و علينا أن لا ننتظر شيئا أيضا من هاته لأنها تمشي في نفس السياق. نحن لا نحدد مجالا بعينه نعتبره مهم و استراتيجي و نسعي لتطويره، نحن نحكي عن الاستثمار بشكل عام بدون اي رؤية مدققة. غاية الدولة جلب نقود اجنبية لتغطية عجز الميزان التجاري فقط ولكنها بالنسهيلات المقدمة تنتج العكس تماما اي مزيد تعمق العجز لان المستثمر يسعى لتحقيق الربح السريع و حرية تحويل الأرباح الي الخارج، بالعملة الأجنبية طبعا…
. ثالثا في مثل وضعية التفاوض الضعيفة التي عليها الدولة التونسية لا يمكن إلا أن تكون صفقة بيع لما تبقى من سيادتنا لان القط لا يصطاد لله. هذه الاتفاقية شروطها قاسية و ملزمة قانونا.
نسمع يوميا في الاخبار عن دول كبري ترفض صفقات بيع او اتحاد لشركات مهمة استراتيجية في مجال الأدوية او التكنولوجيا او الصناعة من أجل الحفاظ على سيادتها على قطاعات حيوية و نحن نعبر عن استعدادنا لقبول كل بنود الاتفاقية بدون اي شروط او ضمانات من حيث مبلغ الاستثمار او نوعية النشاط او عدد مواطن الشغل أو ديمومة المشروع.
انا فعلا مستاء من الردود المحكومة بمنطق الانتماء الأيديولوجي و الأيديولوجي العاطفي و التي تعتبر ان عليها الدفاع عن وعود وهمية او عن موقف قادتها بدون التفكير المعمق في الموضوع. يجب أن نسبق مصلحة تونس اولا و لا مصلحة لتونس في أن تمضي على اتفاق يطبق في أرضها و لا تكون هي الرابحة الأولى فيه و لا تكون يدها هي العليا

بشكل عملي، هذه الاتفاقية تعطي امتيازات للمستثمر الأجنبي، قطري كان او تركي، تمس من سيادة البلاد و تنقص حتى من الفوائد المرجوة منها، وهي النقاط التالية:

-. إمكانية تملك المستثمر التركي او القطري العقارات و الأراضي الفلاحية التونسية مثله مثل التونسي مما يفتح الباب أمام عودة الاستعمار الفلاحي و ضرب مقومات الأمن الغذائي التي تمثل ملكية الأرض شرطه الأول.
– ثانياً، من المفروض ان يجلب المستثمر الأجنبي الأموال من الخارج و لكن الاتفاقية موضوع النظر تعطي لهم الحق في طلب قروض من البنوك التونسية يعني سلفو و ألعب معاه اتو تربح من وراه…
– ثالثا لهم الحق في تحويل الأرباح الي الخارج و بالعملة الأجنبية بدون اي قيد او شرط. إن الغاية من العملية الإنتاجية بالإضافة إلى سد الحاجيات هو تحقيق ربح من شأنه ان يساهم في إعادة الإنتاج الموسع لرأس المال بما من شأنه تقوية المشروع و الإنتاج و الطاقة التشغيلية. المعروض هنا عكس هذا و أضيف انه يخلق وضعية جديدة يكون فيها المستثمر الأجنبي مميزا عن التونسي الذي لا يستطيع أن يملك حسابا بنكيا في الخارج و لا يحق له تحويل ارباحه الي الخارج.
– رابعا الاتفاقية لها درجة أعلى من القوانين المحلية في سلم القوة القانونية وهي تعطي للاجنبي أفضلية على مصالح الدولة التونسية في اي تحكيم محتمل بالإضافة إلى تسبيقها للتحكيم الدولي على القضاء التونسي وهي عملية مكلفة و معقدة و طويلة و محكومة بقواعد قانونية لبرالية تعطي الأولوية للدفاع على المصالح الخاصة للشركات على حساب الدول.
– خامسا، تونس لها اتفاقية تبادل حر مع تركيا. هذه الاتفاقية هي اتفاقية لبرالية على مقاس مصالح الشركات و الدول القوية و هي دخلت حيز التنفيذ منذ سبع او ثماني سنوات و تكفي كإطار قانوني ينظم العلاقات الاقتصادية بين تونس و تركيا و لا فائدة من اتفاقية اطارية أخرى. بل بالعكس، أن المتتبع للنتائج الأولى لاتفاق التبادل الحر بيننا و بين تركيا يلاحظ العجز الكبير في الميزان التجاري بيننا لفائدة أنقرة و هناك أصوات تتعالى لتعليق بعض بنودها لحماية القطاعات الاقتصادية التونسية المهددة بالاندثار نتيجة للخلل في المنافسة مثل قطاع النسيج و الجلود و الاحذية و الصناعات الغذائية و غيرها.
هذه المسألة لا تهم قطر و تركيا وحدهما، بل أيضا كل الدول الأخرى مثل فرنسا و الصين و ألمانيا و إيطاليا. لكن فقط تركيا و قطر تطالبان بعقد اتفاقية جديدة اكثر غبنا لتونس من قواعد منظمة التجارة العالمية المطبقة في كل الكوكب وهو الثمن المطلوب مقابل الدعم الذي تم تقديمه لحركة النهضة سياسيا و ماليا و عسكربا من هاتين الدولتين اي ان الدعم لم يكن دعما للإخوان في سبيل الإخوان بل هو استثمار سياسي حان وقت تحويله الي فوائد. ما نشاهده عينة عن كيفية تحويل استثمار سياسي الي أرباح مالية في حسابات بنكية.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s