لأنّها مناقضة لمنطق التاريخ …النهضة تحمل في ذاتها عوامل فنائها.

الاستاذ:جلال الرويسي

النهضة تحمل في ذاتها عوامل فنائها… ببساطة، لأنّها مناقضة لمنطق التاريخ القائم على حتمية التطوّر واستحالة العودة إلى الوراء (عايزنا نرجع زي زمان، قول للزمان ارجع يا زمان).
فحتى لو استقام الحال للنهضة كي تحكم بمفردها وتقيم النظام الذي تحلم به، فلن تجد قبائل الأمس ولا إبله ولا خيامه ولا تجّاره ولا صراعاته ولا علاقاته الدولية ولا شيوخه ولا أعيانه ولا فقهاءه ولا قضاته ولا شعراءه ولا سيوفه ولا عبيده ولا جواريه ولا زنادقته ولا أمراضه ولا علاجاته.
لقد تطوّر الواقع طيلة أربعة عشر قرنا لتحلّ السيارات والطائرات مكان الخيول والإبل، وليأخذ الأنترنات مكان الحمام الزاجل وشبكات التواصل الاجتماعي مكان المنادي، والجراحة بالمنظار مكان الحجامة والكي، واللقاحات مكان خلطات الأعشاب، والحفظ بالتبريد مكان القدّيد، وعطور شانال مكان الطيب والعطر.
وفي المقابل ظلّ النص والمدوّنة الفقهية التي أدارت وحكمت الماضي على حالها. جامدا مقدّسا لا يجوز الاقتراب منه ومراجعته… وحتّى محاولات الاجتهاد كانت أقواسا تفتح ليعاد غلقها سريعا ويصلب أصحابها، نظرا لأنّها تهدّد المنظومة الدينية كلّها بالتفكّك والاندثار…
لذلك لا يمكن لهذه المدوّنة المحنّطة أن تدير الواقع الجديد…
النهضة وغيرها من الأحزاب الدينية تخاطب في النّاس حنينهم إلى تاريخ كانوا فيه الأفضل، مستفيدة من غياب الفكر النقدي في المجتمع، ومستثمرة رصيدها ممّا تعرّضت له من سجون وقمع وحشي في كسب تعاطف الناس.
لمّا استلمت الحكم، عجزت النهضة عن تقديم حلول لمشاكل الناس وتعقيدات الواقع. وستظلّ عاجزة لأنّها مكبّلة بمرجعيتها الماضوية. وإذا ما حاولت التكيّف مع اشتراطات الآن وهنا، فسيؤدّي بها ذلك إلى التناقض مع مرجعياتها الإيديولوجية وهدم البيت على أصحابه. منطق التاريخ يضعها في مأزق الخيارين الذين أحلاهما مرّ على صاحبه. فإمّا أن تقبل بتطوّر الأسرة والعلاقات الاجتماعية كما هو عليه اليوم وفي هذا ستتناقض مع مرجعياتها الدينية وإمّا أن تعيد النظر في تنظيم الأسرة والأحوال الشخصية بما يتوافق مع الشرع فتعيد العمل بتعدّد الزوجات وبذلك فهي تتصادم مع المجتمع… وقس على هذا في الاختلاط والتبنّي وعمل المرأة والجباية والعبودية وتطبيق أحكام الشريعة في مجالات السرقة والزنى والردّة والضرائب والجزية وحكم المرتد…
ستظلّ الأحزاب الدينية مستفيدة من تعاطف الناس معها طالما لم يتمّ اختبارها على محك إدارة الحكم. سدّة الحكم تسقط عنها ورقة التوت وتعرّي عجزها الكامن في جينات مشروعها.
هذا طبعا لا يعني إفساح المجال لها ودعوتها إلى الحكم حتى ننتهي منها… فلا أحد يمنعنا من نقد خيارات النهضة وهي تدير الحكم بالحجّة العلمية لا بالمزايدة الخطابية… ولكنّه يعني خاصّة أنّه للتاريخ حتمياته وإكراهاته ونسقه التطوّري الذي لا يفيد معه عويل أو نحيب.
كم صرفنا من الوقت في الصراخ بأعلى أصواتنا بأنّ النهضة حركة دينية ظلامية ورجعية ستعود بنا قرونا إلى الوراء؟ وماذا كانت النتيجة؟؟
إنّ مقاومة النهضة لا يمكن أن تكون إلاّ بعمل تأسيسي في العمق، هو عمل تنويري وتفكيكي للتراث حتى نفهم جذورها التي هي جذورنا وكيف تشعبت بنا الطرق… هناك طبعا مفكّرون ومثقفون وباحثون ذهبوا أشواطا في هذا الاتجاه ولكنّنا لم نفعل شيئا يذكر كي نقرأهم ونحوّل فكرهم إلى ثقافة مجتمعية وإلى قناعات وسلوكات يومية. هذه مهمّة الإعلام والفن والجمعيات والمنابر الثقافية والأحزاب أيضا. وعلينا أن نقرّ أنّ ما فعله بورقيبة في هذا الاتجاه لم يفعله أي حزب أو تيّار يعتبر نفسه تقدّميا، ربّما لأنّ بورقيبة كان ماسكا بزمام السلطة وبأجهزة الدولة التي استطاع من خلالها أن ينفّذ مشروعه التحديثي. ولكنّنا اليوم ننعم بحرية لم نكن ننعم بها في عهد بورقيبة. أفلا يعدّل ما انخرم من التوازن عندما تقابل كفة السلطة عند بورقيبة بكفّة الحرّية عندنا اليوم؟
إنّ الدفاع على الحرية كقيمة ومبدأ وقاعدة ثابتة هو حجر الأساس لمقاومة المشاريع المتنافية مع منطق التاريخ وحتمياته، حتى ولو استفاد من دفاعنا على الحرية من نصنّفهم في خانة أعداء الحرية…
“قد أخالفك في الرّاي ولكنّني مستعد أن أدفع حياتي من أجل حقك في التعبير عن رأيك.” (يرحمك يا فولتير)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s