في دلالات 1 ماي…

الدكتور جلال الرويسي

نسمّيه في تونس خطا عيد الشغل، والحقيقة أنّه اليوم العالمي للعمّال، أو عيد الشغّالين. والمقصود بهم الأجراء الذين يبيعون جهدهم ومعارفهم ومهاراتهم لمشغّليهم من أجل إنتاج الثروة وتقديم الخدمات. وبالاطّلاع على تاريخ هذا العيد نتبيّن أنّه يخلّد نضال الأجراء من أجل تحسين ظروف العمل والحصول على حقوق لم تكن معترفا بها في السابق (كالاجازات والتأمين الصحّي والتقاعد والترفيع في الأجور، إلخ.).
إنّ إطلاق تسمية عيد الشغل على 1 ماي يبتعد بنا عن الدلالة الأصلية لهذا العيد. فعبارة عيد الشغل، تعني أنّنا نحتفي بالعمل كقيمة. والعمل ليس حكرا على العمّال فالفلاّح يعمل وصاحب رأس المال يعمل. ولو كان حقا احتفالا بالعمل وليس بالعمّال، فالأصوب عندها أن نعمل يوم غرة ماي بجهد مضاعف لا أن نجعل منه يوم عطلة…
إنّه عيد الشغالين، ولعلّنا نكون أكثر دقة لو سمّيناه عيد الأجراء.
نشأت في بيئة عمّالية، ووالدي عامل منجمي صرف خمسا وثلاثين سنة من عمره في الانفاق المظلمة لاستخراج الفسفاط. كان العمّال يعانون من ظروف صعبة جدّا. العمل شاق والأجر زهيد والأمراض كثيرة والحوادث القاتلة كابوس يومي… وكان لغرّة ماي مذاق خاص عندنا نحن الأطفال، مذاق زرعه فينا آباؤنا العمّال… لم يكن عيد الاستقلال يعني لنا شيئا كثيرا ولا رأس السنة الميلادية ولا 9 أفريل ولا 15 أكتوبر… أمّا عيد العمّال فمسألة أخرى. كان أباؤنا يحضرون الاجتماع العام الذي ينظّمه الاتحاد المحلّي للشغل بالصانديفات (قاعة السينما الموروثة عن فرنسا) والتي تديرها شركة الفسفاط. كانوا يصطحبون معهم من بدأ عوده يشتد من أبنائهم . وقد نالني ذلك الشرف عدّة مرّات فكنت أشاهد الحبيب عاشور، وعبد الحميد بلعيد، وعبد العزيز بوراوي يخطبون في العمّال.
كانت الزيادات في الأجور تعلن في عيد العمّال، وكان العمال يسمّونها البشارة. أذكر كيف كان أبي ينتظر ذلك اليوم متسائلا عن حجم البشارة… وتصرف البشارة بشكل رجعي إلى غاية 1 جانفي من السنة الجارية فيقبض العمال الرابال (المبلغ التراكمي) الذي ينشر بيننا البهجة. كانت أزياء العمل توزّع أيضا في ذلك اليوم من خوذات وأقنعة وأحذية وبدلات زرقاء وقمصان… كان العمّال يبتهجون لذلك ويتحمّسون له حتى يبدون لي مثلنا نحن الأطفال يوم عيد الفطر لمّا نكون فرحين بملابس العيد…
مات ابي دون ان ننفذ فكرة كنا اتفقنا عليها وتواعدنا على تحقيقها. ان اخذه الى مدخل الداموس والتقط له صورة بزيه العمالي كاملا.
بالبدلة الزرقاء والخوذة والحذاء والمخلاة وفانوس الكربون. كانت عيناه تلمعان فرحا وهو يسمعني احدثه كيف ساكبر الصورة واعلقها في مدخل المنزل كبطاقة هوية لي ولاحفاده…
لمّا التحقت بالجامعة كنت من أنصار اليسار كما تقتضي ذلك جيناتي الفكرية والعاطفية والاجتماعية. صرنا نحضر الاجتماع العام ببورصة الشغل ونقلب الدنيا بالشعارات المطالبة بحقوق العمّال. كنت أحرص على حضور ذلك الاجتماع مرتديا سترة العمال الزرقاء (البلو دو ترافاي). وكنّا نحرص على قراءة بيان المكتب التنفيذي للاتّحاد وتحليله بدقّة متلمّسين ما يخفيه من رسائل مشفّرة تنبئ عن طبيعة العلاقة مع الحكومة واتحاد الأعراف، فنتنبّأ بما تخبّؤه الأيام القادمة من إضرابات أو تنازلات وصفقات…
ثمّ نالني شرف أن أصير أنا نفسي أجيرا لدى الدّولة، وأن أتقلّد مسؤوليات نقابية. وصرت أكثر حرصا على الاحتفال بالأوّل من ماي، شعارات وتدافع في الصباح وسكرة بطقوس عمّالية لا علاقة لها بسكر سائر الأيام مع المثقفين.
ثم جاءت سنوات الدراسة بفرنسا واكتشفت أنّ العمال يهدون لبعضهم أزهار الزنبق في هذا العيد le Muguet ويرفعون الأنخاب في صخب ويسرفون في الشرب على غير العادة…
سنة 2020، لا تزال هناك دول لا تعترف بالأوّل من ماي كيوم عطلة لتكريم العمّال…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s