القصرين: حالة نسيان لا تنتهي

الدكتور علي العمري كاتب وناشط سياسي

تعيش القصرين جائحة كورونا مثل بقيّة جهات البلاد، في ظلّ غياب استراتيجيّة وطنيّة واضحة في مقاومة هذا الوباء، وفي ظلّ تخبّط سلطة سياسيّة عاجزة عن إيجاد حلول للإشكاليّات، بل المعضلات، الّتي يطرحها الوباء، واستخفاف السّلط الجهويّة بالوضع الخصوصيّ لهذه الجهة، واعتمادهم في الغالب سياسات تبرّر الواقع نتيجة غياب تصوّر عمليّ لإيجاد الحلول، ولغياب الحوكمة، وانتشار آفة الفساد.

فلا يخفى على أحد أنّ هذه الولاية تعيش وضعا خاصّا، يميّزه ضعف البنية التّحتيّة وغياب التّنمية، وضعف الخدمات المختلفة وعلى رأسها الخدمات الصحّية، على الرّغم من مساهمتها الكبيرة في الحرب الّتي تخوضها البلاد في مواجهة الإرهاب منذ سنوات، بل يمكن القول إنّها مثّلت قاعدة متقدّمة لتلك الحرب. إنّ الجميع على علم بالوضع الكارثي للمستشفى الجهويّ بالقصرين، ناهيك عن المستشفيات المحلّية والمستوصفات، وهي تقريبا مجرّد مستودعات لاستقبال مرضى لا تقدّم لهم خدمات صحّية بالمعنى المتعارف عليه. وعلى الرّغم من أنّ المستشفى الجهوي بالقصرين مثّل من النّاحية اللّوجستيّة عنصر دعم للحرب على الإرهاب في المرتفعات القريبة، كالسلّوم والشّعانبي، وعلى الرّغم من المطالبات الدّائمة بتجهيزه بشكل فعّال لتسهيل عمله، فإنّ الحكومات المتعاقبة غضّت الطّرف عن تلك المطالب وظلّت دار لقمان على حالها كما يقال.

واليوم في خضمّ هذه الجائحة تواجه القصرين الوباء بنفس البنية التّحتيّة الصحيّة المتردّية، نتيجة غياب المعدّات، ووسائل الحماية الخاصّة بالإطار الطبّي وشبه الطبّي، فضلا عن النّقص الفادح في عدد التّحاليل المجراة وبطئها نتيجة عدم وجود مخبر تحاليل في الجهة (تجرى التّحاليل في مستشفى شارل نيكول). وهو ما يثير الشّكوك حول حقيقة الوضع الوبائيّ في القصرين، فعدد التّحاليل القليل لا يسمح بتقييم موضوعي لوضع هذه الولاية الّتي عانت التّهميش والنّسيان على مدى عقود، وفي ظلّ الحكومات المتعاقبة قبل الثّورة وبعدها، وقد تكون حالات الإصابة القليلة المعلنة الشّجرة الّتي تحجب الغابة.

وما زاد في تزايد الشّكوك حول حقيقة الوضع الوبائيّ في الجهة، الخروقات الدّائمة للحجر الصحّي، نتيجة ضعف تزويد المواطنين بمادّة السميد، وهي مادّة حيويّة في هذه الجهة نتيجة التّقاليد الغذائيّة والتّركيبة الرّيفيّة الغالبة من ناحية، وعجز وزارة التّجارة وخصوصا السّلط الجهويّة في إدارة التّزويد والتحكّم فيه من ناحية أخرى، مع انتشار الحديث عن احتكار هذه المادّة وسيطرة المحتكرين على مسالك التّوزيع، وتهريب كميّات كبيرة منها إلى الحدود الغربيّة، أدّى إلى غياب هذه المادّة في الحلاّت التّجاريّة (عطّارة/ مغازات)، ممّا رجّح تلك الشّكوك وأكّد عجز السّلط الجهويّة (وربّما تغاضيها) عن هذه الأزمة. وقد انجرّ عن كلّ تلك العوامل تكدّس المواطنين لساعات طويلة أمام نقاط التّزويد، دون مراعاة لقواعد الحماية من الفيروس القاتل، ممّا ضاعف مخاطر العدوى وانتشار الفيروس.

أسئلة كثيرة تطرحها جائحة كورونا على السّلط الجهويّة والمركزيّة الإجابة عنها وتفسير ما غمض منها، فكورونا ليس سوى اختبار للنّخبة السياسيّة والإداريّة الّتي تمسك بدواليب الدّولة وتدير الشّأن العامّ، وعدم الجواب عن تلك الأسئلة سيعني تفصّي الدّولة من القيام بدورها في هذا الظّرف الصّعب، وترسيخ فكرة الدّولة غير العادلة بين مواطنيها، ويفتح باب المحاسبة وتحديد المسؤوليّات في مرحلة لاحقة، واليأس سيدفع في الغالب إلى محاسبة عنيفة، فالوباء والجوع والحقرة طرق سالكة إلى العنف/

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s