الكورونا و المناعة التونسية.

الدكتور رياض العمري

دعا الرئيس الألماني فرانك والتر ستاينماير مواطنيه الراغبين في السفر خارج حدود الوطن لقضاء عطلة الصيف إلى التوجه إلى دول شمال إفريقيا، و خاصة تونس لاعتبارها “آمنة من خطر الوباء،” على حد قوله. سواء كانت هذه الدعوة و اقعية أم لا، خصوصا من وجهة نظر طبية و علمية، فإن بالتأكيد لها ما يبررها و يدعمها على الأرض. فبعد ما يناهز الشهرين منذ اكتشاف أول حالة كورونا في تونس، فإن عدد الإصابات لا زال لم يتجاوز سقف الألف، رغم عدم التزام السواد الأعظم من الناس بمراسيم الغلق و تعليمات الحجر الصحي، وهو ما حير كثيرا من أهل الإختصاص حول العالم و أسال أنهارا من المداد هنا و هناك. يبدو أن قافلة الكورونا، حين حطت رحالها بأرض قرطاج و القيروان، اصطدمت بدورها بخصوصية تونسية عجيبة، تتطور أحيانا حسب الظروف لتصير مناعة فطرية و طبيعية ضد أي جسم أجنبي غريب، سواء كان هذا الجسم فيزيولوجيا أو ثقافيا، مرئيا أو مجهريا. “أهو تلقيح بورقيبة (تلقيح السل)؟ أهو المناخ؟ أم هو زيت الزيتون و نظام الغذاء؟” طفق الجميع يتسائلون، دون أن يتمكنوا فعليا من فك شفرة “الكورونا التونسية” أو إدراك كنهها. في رأيي، هو هذا و ذاك، وهو أيضا خصوصية تونسية، تراوح بين الجيني و الثقافي و الميتافيزيقي، ميزت هذا البلد لقرون و وسمت جميع مناحي الحياة فيه، وحافظت على استثنائيته وأكسبته مناعة ضد كل أشكال الغزو. هنا لا تقف الكورونا وحدها في هذا الموقف. فقد صادف في أكثر من مناسبة أن استدعى الجسم التونسي مناعته الخاصة، ذات الطابع الميتافيزيقي، لدرء الكثير من المخاطر التي حولت مجتمعات مماثلة إلى رماد. كان الربيع العربي، مثلا مزهرا في تونس، بطعم “النسري” و رائحة الياسمين العطرة، فيم كان وبالا على باقي الدول التي شهدت تحولات مماثلة. فقد أجهضت الثورة المصرية في المهد و عاد العسكر لتصدر المشهد بعد أن أطاحوا بنظام الإخوان العقائدي الأوليغارشي، الذي لا يقل عنهم فسادا و دموية. وكانت سوريا و ليبيا و اليمن أكثر الدول تضررا من انحراف قطار الربيع عن مساره، فقد تحولت المسيرات السلمية المطالبة بالتغيير الديمقراطي فيها إلى صراعات عرقية و قبلية و طائفية و مناطقية عصفت بكيانات هذه الدول و وحدتها و أدخلتها في أتون حروب أهلية طاحنة لازالت متواصلة إلى حد هذه اللحظة. و تبقى الموجة الثانية من الإرهاب الكوني، وأعني هنا تنظيم الدولة الإسلامية المتطرف، من أبرز تداعيات هذه الصراعات و الحروب. استغل التنظيم المتشدد ضعف الدولة المركزية، أو غيابها أحيانا، ليبسط سيطرته على مساحات شاسعة من العراق وسوريا و ليبيا، بعد أن ألحق هزائم متتالية بجيوشها التي خبرت الحرب طويلا، و يؤسس إمارات حكم فيها الناس بالنار و الجلد و الذبح مستندا في ذلك إلى رؤيته المتشددة للدين. كان أول مسمار يدق في نعش هذا التنظيم الذي ملأ الدنيا قتلا و إرهابا تونسيا بامتياز، و هنا تحظر المناعة التونسية مجددا. فقد مرغ جيش الخضراء العظيم أنوف مقاتلي التنظيم، الذي كثيرا ما وصف نفسه بأنه باق و يتمدد، في التراب و أوقف تمدده ليعلن بداية نهايته. كانت ملحمة بن قردان شاهدا على أول هزيمة فعلية على الأرض لجيش داعش، لتتالى بعد ذلك السقطات. وفي هذا يبقى العالم الحر دائما مدينا لتونس و لجيشها بفتح الطريق نحو دحر التنظيم. يبدو أن الكورونا لم تستوعب هذه الدروس كما ينبغي، أو ربما فاتها القطار كما قال امبراطور اليمن الراحل.و أظن أنها راحلة قريبا أيضا. يبدو أن المناعة التونسية، التي هي نتاج البيولوجيا و التاريخ و الجغرافيا معا، والتي عجز التطرف و الإرهاب و الفوضى أن يتمكنوا منها، تحولت أيضا إلى مناعة جينية عجيبة داحرة لكل وباء و جائحة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s