اليسار والثورة نحو الخروج من الزاوية

نص المداخلة التي قدمها الرفيق محمد عمامي, خلال الندوة السياسية التي نظمها حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد يوم 6 فيفري, بمناسبة الذكرى السابعة لاغتيال الرفيق الشهيد شكري بلعيد

بقلم محمد عمامي

شكرا لكل الحاضرين الذين لبوا الدعوة لمواكبة هذه الندوة؛ شكرا لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد الذي بادر بالدعوة؛ تحية لروح صديقنا ورفيقنا الفقيد شكري بلعيد في هذه الذكرى الأليمة، ذكرى اغتياله يوم 6 فيفري 2013. وبعد يومين من فاجعتنا تلك فجعنا في الثورة نفسها (8 فيفري 2013)، ذلك اليوم الذي يمثل لحظة قصوى وحاسمة في مسار الثورة التونسية وهي لحظة تاريخية فاصلة بين أفقين محتملين إما انتصار الثورة واندحار الثورة المضادة أو العكس. ومع الأسف أهدرت تلك اللحظة وانفتحت حقبة هيمنت فيها الثورة المضادة وتشكلت في ائتلاف رجعي استولى على السلطة وبدأ في قضم المكتسبات الهشة التي تحققت إلى حد ذلك الحين.

في هذه المداخلة سأسوق بعض الملاحظات التقييمية التي أرجو أن تكون مساهمة أولية في نقاش معمق وثري يفضي إلى تبين سبل التجاوز والخروج من حالة الجمود والتقلص والضمور التي ما فتأت تصيب اليسار بصفة عامة والقوى الثورية خصوصا. وهو نقاش لا يمكن لمناسبة أو بضع مناسبات أن تستوفيه، غير أنّ الانطلاق بعدُ في وضعه على جدول الأعمال هو في حد ذاته أمر شديد الأهمية. سأحاول، طوال هذه المداخلة الإجابة بالخصوص على سؤال أراه حارقا: ما الذي جعل تنظيمات اليسار (أحزابا وجبهات) تُعزل أو تنعزل وتبقى على هامش الثورة في الوقت الذي كان مناضلوها ونشطاؤها فاعلين أساسيين في تفجيرها، وقادة ميدانيين لمسارها وشحم مدافعها؟  

لن يكون في مقدوري في بضعة دقائق أن ألم بمجمل العوامل والمؤثرات التي تفاعلت وتتفاعل لتنتج هذا الوضع غير أنني سأركز على بعض النقاط التي تبدو لي هامة ووازنة في عزلة اليسار وتفككه وهامشيته في وضع كان من المفروض أن يساعده على التطور ولعب دور أساسي في المسار الثوري. كثيرا ما نرى “تقييمات” متسرعة وانفعالية وذاتية وتبريرية بالنسبة للبعض، تقصر الأمر على خيانة فلان أو تخاذل علان أو نرجسية هذا أو عصبوية ذاك. غير أن مثل هذه التقييمات لا تتجاوز سطح الأمور ولا تنفث للعمق. فإذا كان للأفراد دورهم في دفع أو تعطيل تطور حركة سياسية واجتماعية ما، فإن ذلك الدور لا يمكن أن يفسر وحده ما وصل اليه اليسار من وهن وتذرر لا فقط في تونس والمنطقة العربية بل أيضا على المستوى العالمي. لذلك حاولت أن أفكر في تشابك العوامل التي تفاعلت وتتفاعل كي تؤدي لما نحن عليه اليوم.

1 التصور العام للثورة

ينظر اليسار للثورة على أنها مخطط حزبي ومشروع متكامل يعدّ سلفا في أطر وهياكل ومقار الأحزاب/الجبهات الثورية ويقع الدعاية له حتى يتشبع به أكثر ما يمكن من الطبقات والشرائح الاجتماعية المؤهلة أو الموكول لها الثورة. والثورة إذن، حسب هذا التصور، تبدأ نظرية وتنتهي تطبيقا لتلك النظرية بأكثر ما أمكن من وفاء ومنطقية. وكثيرا ما تؤوّل مقولة لينين المشهورة “لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية” على أنها “لا ثورة بدون نظرية ثورية”. وهذا الخلط بين الحركة الثورية التي تتضمن منظمات وأحزاب وجبهات سياسية ثورية وبين الثورة في حد ذاتها ساهم في جمود نظرة اليسار للثورة بوصفها منتوج مخبري لعلماء الثورة لا فعل جماهيري وحركة ذاتية للطبقات والفئات الثورية. لذلك غرق جزء من اليسار في نقاشات وتحديدات من نوع “انتفاضة أم هبة شعبية أم ثورة؟”. ووجد هؤلاء أنفسهم أمام حيرة بين واقع حي لا يخضع لقالب النظرية وبين جمود النظرية التي نقلت جاهزة منذ أن صيغت في القرن 19 وبداية الق 20. بدت إذن الثورة فعلا مرتجلا مفاجئا ومتصاعدا، انفجر أولا في مجالات محلية ضيقة ومحدودة جغرافيا (مدينة، قرية، حي سكني، قطاع، جهة) ثم اتسعت فجأة وبشكل تلقائي غير مدروس ولا مخطط له كي تشمل بلدا كاملا وبنفس الفجائية والتلقائية امتد تأثيرها على مستوى إقليمي وعالمي. فالثورة، إذن، لا تعترف بلوحة خصائص (configuration) ثابتة ونمطية مثل ما يتوهم جزء هام من اليسار، وهو وهم جعله يتخذ مواقف متباطئة وانتظارية تجاه الأحداث، رغم الحضور المكثف لمناضليه وتفاعلهم مع المسار الثوري بدون التأثير على أجهزة منظماتهم أو أحزابهم حتى أنهم خضعوا إلى موجة العداء البدائي لكل تنظيم سياسي ولكل مناضل متحزب ولكل “ايديلوجيا” وساهموا في نزع التسيس عن الحراك الثوري وهو العمل الذي استثمرته الثورة المضادة في ما بعد مقدمة الأمر على أن الجميع بدون استثناء كان معنيا بثورة “الياسمين” ولا أحد يحق له احتكارها أو الزعم كونه أكثر ثورية من غيره.

2 ثورة وطنية ديمقراطية (جزئية) أم ثورة اجتماعية شاملة.

+ أية وطنية؟

مع تدخل اليسار في مجرى المسار الثوري بدأت تبرز شيئا فشيئا شعارات الثورة الوطنية الديمقراطية باعتبارها أولوية الثورة في المرحلة الأولى وألحقت بعض المطالب الاجتماعية بهذا المنظور ولكن بوصفها مطالب من درجة ثانية أمام أولوية حل مسألة “الشرعية” وتأسيس الجمهورية الثانية عن طريق المجلس التأسيسي الذي اعتبره اليسار فاتحة ومعبرا ضروريا لإعادة تشكيل نظام سياسي وأمني أكثر ديمقراطية واستقرارا، تستطيع بموجبه شرعية جديدة أن تنجز مهام “الانتقال الديمقراطي” الذي عوض بهدوء وبصمت الثورة الوطنية الديمقراطية (سنعود لهذا المفهوم في ما بعد) كما بدأ التأكيد على السيادة الوطنية التي تعني بالنسبة لليسار سيادة السلطة المركزية (برلمان وحكومة ورئاسة) على القرار (مراجعة الاتفاقيات المهينة) والثروات (تدخل الدولة التعديلي ومقاومة الفساد والتهرب الضريبي والنهب والتهريب) وفي أقصى الحالات تأميم بعض القطاعات الاستراتيجية بوضعها تحت تصرف الحكومة المركزية، أي بين أيدي من فرطوا فيها أو من هم على شاكلتهم، رغم ما رصّع ذلك الخطاب بتنصيب “كفاءات وطنية” أو تكنوقراط أو حكومة انقاذ، وهي كلها تسميات لمسمى واحد. ولقد رفض اليسار بشدة مسار الثورة الاجتماعية التي تشمل تشابك المهام الثورية ذات الطابع الاقتصادي/الاجتماعي والسياسي والثقافي وتشمل في ما تشمل المهام الوطنية والديمقراطية الذي جسدته الحركات الاجتماعية في جهات عديدة وفئات وشرائح اجتماعية لم تكن ضمن أولويات اليسار.

تقدم الثورة الوطنية الديمقراطية على أنها ثورة سابقة عن الثورة الاجتماعية وذات مهام مفصولة عنها. وأكثر من ذلك، يرتهن المرور الى الثورة الثانية بمدى النجاح في الإنجاز التام لمهام الأولى. وعلى مستوى القوى الاجتماعية المعنية بهذه الثورة يبشر اليسار بجبهة عريضة تشمل الشغالين والبرجوازيبة الصغيرة (الريفية والمدينية) و”البرجوازية الوطنية” المعنية حسب رأيهم بتطوير نظام “وطني”؟ واقتصاد وطني؟! ورغم اغفال تحديد طبيعته الطبقية، يعلم الجميع استنادا لمرجعيات يسارنا، أن المقصود نظاما رأسماليا “وطنيا” أسوة بالرأسمال في طوره الأول حين كان تراكمه وتطوره مشروطا بحماية السوق الداخلية والسيادة على مجاله أي داخل حدود الدولة القومية.

لقد ظل هذا التصور حبيس أنماط تفكير ستاتيكية ترفض الاعتراف بتطور المجتمعات الرأسمالية المحيطية منذ قرنين وتشعب العلاقات وتشابكها مع مراكز الرأسمال المعولم وتنوعها وإعادة صياغة أشكال وآليات الاستعمار طوال قرنين ونيف. وهو يغفل أنّ مع عولمة الرأسمال تغير الأمر جذريا وأصبحت أوليات مصلحة الرأسمال “الوطني” (ورفعا لكل التباس أخيّر مفهوم “برجوازية محلية” الذي اقترحه نيكوس بولانتزاس منذ سبعينات القرن العشرين على الإيهام بوطنية طبقة أصبحت معولمة منذ عقود طويلة وتضاربت مصلحتها مع حماية الحدود الوطنية إذ تحول مفهوم الوطنية (القومية بالنسبة للبلدان التي صهرت قسرا القوميات الأقلية في قومية مهيمنة)، تحول إذن مفهوم الوطنية إلى توصيف عاطفي يقدم البرجوازية المحلية كمحبة للوطن ومضحية من أجله وهو مغالطة ما بعدها مغالطة.

إن هذا التصور يخلط بين بلدان ترزح تحت الاحتلال الاستعماري المباشر وخاضت (تخوض) حروب تحرير وطني تجبر فيها على التحالف مع قطاعات ليست بالضرورة جذرية في مواجهة الاستعمار ولكن مع الحفاظ على الاستقلالية تجاه هؤلاء الحلفاء وتصون حرية نقدهم وإنهاء التحالف معهم ما إن يقلبوا ظهر المجن. وحتى في هذه الحالة فالمبدأ دوما ربط التحرر الوطني بالانعتاق الاجتماعي وهو ما يخلق مساحة نزاع يخمد ويبرز حسب أطوار المواجهة مع العدو الخارجي.

وعلى كل حال لا تعيش تونس هذه الحالة من الاحتلال الذي يفرض التحالف العابر للطبقات والصاهر للقوى الوطنية لمواجهة احتلال خارجي بل أصبح الاستعمار في شكله الجديد يمر عبر برجوازيتنا المحلية بالتحديد وكذلك عبر بيروقراطية الدولة التي تأمن بنفسها مصالح “شريكها” المستعمر بوسائل عديدة لا تستثني القمع المفتوح والرشاوي والاستعانة بفئات بيروقراطية أخرى ليس أقلها البيروقراطية النقابية وبيروقراطية المنظمات غير الحكومية وبعض الأحزاب المعارضة لأن في تأمين مصالحه تأمين لمصالحها هي.

 إنّ مواجهة الاستعمار الجديد، إذن، تتجسد عمليا وبصورة مباشرة عبر مواجهة ممثليه المحليين من رأسماليين وبيروقراطيين وفرض الإطاحة بالمنظومة الرأسمالية المتشابكة مستوياتها محليا وإقليميا ومحليا. نفس الطبقة ونفس المصالح وكل له من الأرباح نصيب يكبر أو يصغر حسب شروط الشراكة. وهذا ما يحملنا على التنبيه إلى أن السيادة الوطنية الحقيقية هي اليوم مشروطة بالخروج من الرأسمالية، وأنّ استعادتها يندمج ضمن تشابك المهام التي على الثورة الاجتماعية حلها دون الوقوع في المرحلية وفصل الوطني عن الاجتماعي.

 ويكفي أن نلقي نظرة على البلدان التي شهدت ثورات تحرر وطني في القرن العشرين حتى نلاحظ أن البلدان الوحيدة التي حافظت على استقلالها وطورت اقتصادات مستقلة وحمت ثرواتها وسيادتها على قراراتها هي تلك التي لم تفصل الثورتين بل بنت نظاما اشتراكيا كتتويج لحركة تحرر وطني رغم نصائح الكومنترن ثم الأخ الأكبر (الاتحاد السوفياتي) والضغط عليها وتعرضها لتهمة التروتسكية من نظام الكرملين (الصين، الفيتنام كوريا الشمالية، كوبا…) وضمنت بذلك استقلالها وتحررها من الاخطبوط الرأسمالي رغم تأخرها وضعف بعضها وصغر حجمها في بعض الأحيان (ولو أنها تكشفت عن دكتاتوريات اشتراكية الدولة ولكن ليس هذا مجال نقاش تلك المسألة). من جهة أخرى تسرب الرأسمال من جديد ومعه التبعية والاستعمار بشكله الجديد في بقية البلدان عن طريق ثوار الأمس بالذات (بيروقراطيي دول ما بعد الاستعمار المباشر) لأنها وجدت نفسها مربوطة به عضويا ولا فكاك لها منه طالما هي جزء من نفس المنظومة الاقتصادية/الاجتماعية (الرأسمالية) وتتطور بنفس الآليات وضمن نفس المنطق الرأسمالي المعولم (وهو حال أنظمتنا القومية العربية والشبيهة بها).

 لا تحرر، إذن، من الاستعمار في ظل الرأسمالية المعولمة لأن الاستعمار من طبيعتها وتنتجه ميكانيزماتها ولا يمكن فصله عنها أو اختراع رأسمال من طبيعة مغايرة. وهكذا تصبح السيادة الوطنية ضرورةً سيادة شعبية على القرار والثروات والمرافق الاجتماعية… وذلك بعدم توكيل الحكومة المركزية المتواطئة حتما بل بمشركة الإنتاج والتوزيع والخدمات العمومية تحت تسيير ذاتي تؤمنه هياكل منتخبة انتخابا مباشر انطلاقا من المحلي والقطاعي والجهوي قابلة للعزل، وتتفدرل بصورة ديمقراطية بمساهمة ممثلين عنها في تشكيل مجلس وطني ينتخب من صلبه حكومة (هيكل تنفيذي) تنفذ قراراته وتخضع لرقابته وقابلة للعزل جماعيا أو فرديا. سأعود لهذا المقترح بالتفصيل في ما بعد.

+ وأية ديمقراطية؟

بالنسبة لليسار، الديمقراطية تعني الديمقراطية النيابية أو البرلمانية، أي ما يسمى الديمقراطية البرجوازية؛ وكأنه لا توجد أنواع أخرى. غير أنّ الديمقراطية ديمقراطيات منها ديمقراطية المساهمة (participative)، وديمقراطية شبه مباشرة (يحدد الدستور بعض القوانين التي لا يمكن اتخاذها بالديمقراطية النيابية ويشرط اتخاذها باستفتاء)، وكذلك ديمقراطية مباشرة، تلك الديمقراطية التي تبرز في كل ثورة في اللحظة الحاسمة من بدء تفكيك السلطات القديمة والاستعاضة عنها بهياكل تنتخب في خضم الحراك الثوري أي من صلب “الحركة الذاتية للجماهير” حسب عبارة روزا لكسمبورغ. وهو أمر عادة ما يستهجنه “علماء الثورة”، ويعتبرونه أمرا “عفويا” لا بد من مقاومته والدفاع عن “الدولة الوطنية” أي عن تلك الصفوة من المتنفذين المنصّبين ذاتيا، الذين اغتصبوا السلطة ووضعوا عليها حراسا مسلحين وأعوان تخبيل ومخاتلة يحمون نظامها ويؤبّدون قدرية الدولة القائمة وقدسية النظام العام.

 والديمقراطية المباشرة كانت تتويجا طبيعيا لكل ثورات القرن العشرين، تلك الثورات التي شهدت بروز هياكل تسيير ذاتي محلية وقطاعية وجهوية تفاعلت وترابطت وتضامنت كي تخلق نظاما فدراليا اجتماعيا يتوج بمجلس وطني يتقاسم الصلاحيات مع الهياكل الأقرب إلى حياة المواطن، فيختص هو بما هو عام (وطني) وتختص الهياكل المحلية بتسيير ما هو خاص بمجالها وتفوض مندوبيها لمؤتمرات واجتماعات المجلس الوطني وتراقبهم حتى إذا جنح للدفاع عن رأي لا يمثل ناخبيه عزل بكل بساطة بأغلبية أصوات ناخبيه.

تمثل كومونة باريس أولى التجارب الحديثة لمثل هذه الديمقراطية قبل أن تهزم وينتهي الأمر إلى حكم البرجوازية وتسود الدولة اليعقوبية شديدة المركزية.  ولقد تعززت الرؤيا وتوضحت أكثر مع النظام السوفياتي الذي مع الأسف سريعا ما انقلب عليه الحزب/الدولة الذي ارساه البلاشفة وأفرغوا السوفياتات من محتواها والحقوها بسلطتهم. نفس الشيء وقع في عديد البلدان التي واجهت الأحزاب الاشتراكية (المانيا بقيادة فريديريتش ايبرت) اسبانيا والمجر والبرتغال بتحالف الجمهوريين (الاشتراكيين والشيوعيين) وأخرها تونس التي شهدت بداية تشكل لجان حماية الثورة فعارضها اليسار بمجلس وطني لحماية الثورة هو عبارة عن شراكة حزبية ومنظماتية تمتد من الخوانجية وما تبقى من الدساترة الى بيروقراطية الاتحاد العام التونسي للشغل وباقي المنظمات وأحزاب اليسار. ولقد تصدى اليسار لمحاولة فدرلة لجان حماية الثورة في نابل افريل 2011 وأجبرها على الانكفاء الى هياكل مفرغة مجرد استشارية لأعوان الدولة (معتمدين وولاة) المنصبين من قبل حكومة مؤقتة (السبسي/مبزع) لا شرعية لها سوى ما أغدق عليها الاتحاد العام واليسار الذي ضحى ببرنامجه المخفي في الرفوف لينصهر في ما سمي بـ “المسار الانتقال الديمقراطي”” الذي نعرف أطواره وتبعاته.

المركزية المشطة كأسلوب عمل وتفكير وبناء

          يعتقد بعض منتقدي مركزية الأحزاب اليسارية أنها مجرد مركزية تنظيمية وتكفي دمقرطة الحياة الداخلية للتنظيمات حتى يقع تجاوز تلك النقيصة. ولكن الأمر أعمق من ذلك بكثير. فالمركزية تحكم كل أوجه النشاط السياسي والتسيير والتصورات. طبعا المركزية التنظيمية ولكن أيضا المركزية السياسية أو ما يعبر عنها، بلغة عسكرية، بالاستراتيجيات، تلك الخطة العامة التي تفضي إلى مهمة مركزية أولية ألا وهي استيلاء الحزب على سلطة الدولة كبديل عن الجماهير الثائرة وكحاكم لها منذ ذلك الحين عوضا عن الفريق الحاكم القديم. وطبعا تعود الدولة نفسها، بوصفها جهاز أجهزة ممركزة، لتتولى مهامها المعتادة في فرض النظام العام بالضبط إن أمكن وبالقمع إن لزم الأمر. لذلك يحتاج الحزب للدولة القائمة ويرفض تفكيكها ويدافع عنها وعن “الأمن الوطني” و”الجيش الوطني” و”السيادة الوطنية” التي تتجسد في مراكز السلطة السياسية الثلاثة: الرئاسة والحكومة والبرلمان.

          تجد مركزية اليسار تفسيرها أولا في الثقافة السياسية التي تربى عليها وهي اللينينية بوصفها مرجعية تقود مجمل اليسار التونسي؛ ولكن أيضا في تربية مدرسية وجامعية لزعاماته وكوادره وفي تربية نقابية في صلب الاتحاد العام التونسي للشغل، وهو قمة المركزية وشاهد على طغيان أقلية بيروقراطية على مجمل هياكله وأطره وممتلكاته ومناضليه. فالاتحاد العام التونسي للشغل يعيش مفارقة غريبة تبدو أمرا طبيعيا لكونها دامت عقودا طويلة فاكتسبت مشروعية. 15 عضوا يكوّنون المكتب التنفيذي يحكمون 750.000 نقابي بقطاعاتهم وجهاتهم ومحلياتهم المختلفة لأنهم يبدون أكثر “شرعية” بعد المؤتمر من كل الهياكل بما فيها أكثرهم تمثيلية وقدرة على اتخاذ القرارات العامة مثل المجلس الوطني والهيئة الإدارية الوطنية التي من المفروض أن يكون المكتب التنفيذي نفسه تابعا لها بالنظر. ولكن لكونه منتخبا من قبل المؤتمر العام، يصبح المكتب التنفيذي الهيكل الأهم والأكثر مشروعية وسلطة بين مؤتمرين. وهكذا لا تستطيع الهيئة الإدارية حتى الاجتماع ما لم يدعها المكتب التنفيذي؛ ولا تكون قراراتها نافذة وشرعية ما لم يصادق عليها المكتب التنفيذي وبالخصوص الأمين العام، وهو الحاكم الناهي حتى أن بقية الأعضاء هم مجرد مساعدين له.

والاتحاد العام التونسي للشغل ليس إلا مرآة عاكسة لحزب الدستور. فمنذ تولي بورقيبة زعامة الحزب الحر الدستوري (ثم الحزب الاشتراكي الدستوري) تطورت في صلبه مركزية بيروقراطية وصلت إلى حد الحكم الفردي وعبادة الشخصية حتى تحول ذلك الحزب إلى ميليشيات تابعة للزعيم وبطانته. وذلك ما سهل على بن علي، إثر انقلابه على بورقيبة، إخضاعه لنظامه البوليسي وجعله مجرد شبكة من الوشاة في خدمة أجهزة الداخلية بعد أن أحال قياداته على التقاعد الإجباري وغير إسمه ونصّب نفسه رئيسا عليه.

          ولقد تأثر اليسار أيضا بهرمية الاتحاد العام لطلبة تونس الذي ورث قيادته عن حزب الدستور نفسه منذ بداية السبعينات، فضلا عن تأثره بالتيارات القومية المتمركسة وغير المتمركسة التي كانت دوما منهلا من مناهل الثقافة السياسية لليسار التونسي والعربي عموما. ونعرف كم كانت ولا زالت الحركة القومية بمختلف فصائلها شديدة المركزة والهرمية وذات نزعة عسكرية. ويكفي أن نشير هنا إلى أنّ ما يصح على الأحزاب اليسارية والاتحاد العام التونسي للشغل يصح على كثير من المنظمات غير الحكومية والجمعيات التي تدور في فلك اليسار وما يسمى بالحركة التقدمية. فالثقافة مشتركة والهدف واحد والأساليب تتقارب.  ولا غرو أن نجد أجزاء هامة من اليسار التونسي منبهرة بالأنظمة القومية العربية العسكرية والدكتاتورية الحمائية كنظام صدام حسين أو القذافي، والأسد وأكثر منهما، نظام الجنرالات في الجزائر. وهي تطمح إلى بناء دولة “قوية” تكثف صفات الدولة الأب/العرف/الراعي/الكافل لمنظوريه.

الفدرالية الاجتماعية عوضا عن المركزية البيروقراطية

ربما يذهب الكثير، عند الكلام عن الفدرالية، إلى الشكل الأبسط والذي استهلكته الرأسمالية أكثر من غيره أي الفدرالية الترابية أو الجغرافيه. غير أنّ الفدرالية أنواع ومستويات. هناك فدرالية عقائدية (دينية، طائفية (لبنان مثالا) … وهناك فدرالية أثنية وفدرالية قومية. ولكن الثورات طرحت أيضا منذ كومونة باريس وثورات القرن العشرين الفدرالية الاقتصادية/الاجتماعية والسياسية. فالثورة الروسية مثلا تضمنت 3 أصناف من الفدرالية: المجالية الجغرافية (توحيد مناطق ومستعمرات قديمة للإمبراطورية القيصرية توحيدا طوعيا وفيدرالية قومية (توحيد طوعي لقوميات مختلفة ضمن مبدإ حق تقرير المصير (حرية الانفصال والتوحد) وكذلك فدرالية اجتماعية عبرت عنها السوفياتات التي توجت باتحاد سوفياتي فدرالي تتوزع فيه السلطات بين الهياكل المحلية والقطاعية والجهوية والمناطقية التي خلقت من رحم الثورة وتوسعت وتفدرلت لتكون الاتحاد السوفياتي كسلطة سلطات أي سلطة جامعة تهتم بما هو عام وتترك الصلاحيات للمجالس المحلية والقطاعية والجهوية تسير ما هو تحت تصرفها (هنا يدور الحديث طبعا حول الحكم السوفياتي في الثلاث سنوات الأولى).

هل من الممكن لنظام من هذا النوع أن يقوم في ظل دولة رأسمالية توحيدية قسرية تقوم على المركزية الهرمية وتصهر التناقضات الاجتماعية والأثنية والقومية… ضمن “وحدة وطنية” صماء تتحكم فيها أوليغارشيا عسكرية و/أو مدنية؟ قطعا لا. لننظر إلى مسار الثورة التونسية لنتبين بروز وحدود هذا الأفق. منذ أيامها الأولى ومع موجات المسار الثوري تلازم شعار “ديقاج” المرفوع في وجه منصبي الدولة البوليسية (عمد، معتمدين، ولاة، مجالس بلدية، مدراء عامين) مع إرساء لجان حماية الثورة التي تصرفت في الأحياء والمدن والقرى كبديل عن سلطة الدولة ونظمت الحياة اليومية والتضامن الاجتماعي والدفاع الذاتي في مواجهة البوليس وميليشيات نظام بن علي.

غير أنها واجهت بطريقة متفاوتة، لا فقط الدولة البوليسية، بل العالم السياسي القديم برمته (معارضة ليبرالية، يسار، مركزية نقابية ومنظمات غير حكومية الخ). لذلك لم تتحول إلى هياكل دائمة لسلطات بديلة عبر تأسيس نظام انتخابي مباشر وخاص بها، ولم تتصد لمهمة استعادة المنهوب العمومي والتصرف فيه وفرض نفسها كحكم على مجالها (قرية، مدينة، حي، وحدات انتاج) رغم المحاولات العديدة في جهات عدة (الحوض المنجمي، الكامور، الفوار…). والتجربة الوحيدة التي نجحت في تلك المهمة هي لجنة حماية الثورة بجمنة التي تحولت إلى جمعية محلية (حصنت نفسها بإطار قانوني) ورغم كل الضغوطات والقلاقل رفضت بشدة تقسيم الملك العمومي بعد استعادته. وفرضت على الدولة والمجتمع كاملا (الى حد الآن) رغم الحصار والقمع، نظام تسيير ذاتي يقوم على ديمقراطية مباشرة تقرر فيه الجلسة العامة المجتمعة في ساحة عمومية مخصصة لذلك وسط القرية. وهو أسلوب حكم وتسيير محليين لا يخضع لمنظومة الخوصصة والتوظيف وتقاسم الأرباح بل يقوم على استغلال المنتوج للصالح العام وتشغيل الشباب وتنمية الجهة من مختلف جوانب التنمية (بنية تحتية، خدمات اجتماعية أساسية، نشاطات ثقافية ورياضية، رعاية اجتماعية لذوي الحاجات الخصوصية والمرضى الخ…)

وتحاول جمنة أن تربط علاقات تبادل وتفاعل وتعاون وتضامن مع عديد الهياكل المحلية والجهوية وما بعد الجهوية. إنّ الفدرلة الاجتماعية تعني بالضبط توسع وتنوع وتفاعل وتشابك مثل هذه الهياكل ومشاركتها وتمثلها في مستويات أوسع وأكثر مركزية حتى يكون القرار جماعيا ديمقراطيا وشفافا. إن جمنة هي شاهد على ما ستكون عليه السلطات العمومية المحلية التي من الطبيعي أن تنخرط في تشابك سلطات أخرى تفضي إلى فدرالية اجتماعية على المستوى الوطني. ويمكن للتنظم الذاتي ولهياكل التسيير أن تتخذ أشكالا قانونية عديدة مثل الجمعيات أو التعاونيات أو البلديات (mairies أي حكومات محلية مصغرة وليست بلديات تختص في “الزبلة والخروبة” كما هو حال بلدياتنا) … إنّ الديمقراطية المباشرة تفترض نظاما انتخابيا متصاعدا يبدأ من الدائرات الأصغر (دوار، مؤسسة إنتاجية، حي، قرية، مدينة…) إلى الدائرات الأوسع والأكثر مركزية لا العكس، وهو ما يجعل كل المستويات ممثلة بمفوضيها في جميع المؤسسات الوطنية.

مسار ثوري أم مسار انتقال ديمقراطي

منذ منعرج القصبة 2 وتبني المجلس التأسيسي وإفشال مؤتمر نابل (أفريل 2011) عوض المسار الثوري بـ”مسار الانتقال الديمقراطي” المعد سلفا من “خبراء” الاتحاد الأوروبي والذي أجهض ثورات أوروبا الشرقية وأدمجها في الديمقراطية الليبرالية. وبرعاية الأمم المتحدة وبتمويل مؤسسات أوروبية وعالمية، تحول ذلك المخطط إلى وصفة نمطية (standard) يواجه بها الرأسمال المعولم جميع الثورات في العالم وعلى راسها الثورة التونسية بما يعني ذلك التمشي من مرافقة وتمويل وتخطيط من قبل سبونصورات ثورة فوقية تلعب فيها بيروقراطيات المجتمع المدني الدولي والمحلي وإدارات النظم المتهاوية دور الحاضنة “للانتقال نحو الديمقراطية”. وهو “انتقال” يقدم نفسه على أنه وليد الثورة نفسها وينتحل صفة بديل عن الدكتاتوريات الساقطة.

 وطبعا يحصر “المسار الديمقراطي” مهام “الثورة المدنية السلمة” في رسكلة وإعادة تشكيل النظم السائدة بتطعيمها بمسوخ ديمقراطية يقودها ما أطلق عليهم اسم “كفاءات وطنية” أو “تكنوقراط”. ويقوم ذات المسار على شراكة توافقية بين لوبيات رجال الأعمال ودولتهم وبين المنظمات التي تنسب نفسها للثورة أو التي رافقت المسارات الثورية من موقع الناصح الراعي وحامية الثورة من الراديكالية والعنف، أي من نفسها! وهكذا انتصرت الثورة الفوقية، ثورة البيروقراطيات على ثورة التحت، ثورة المهمشين والمحرومين (الشبيبة المعطلة والمقصية (متعلمة وغير متعلمة)، النساء المضطهدات الرازحات تحت كلاكل المجتمع الذكوري والمستغلات استغلالا مضاعفا ومواطني أحزمة البؤس في المدن والقرى والأرياف.

 مقابل هذا الاختزال للثورة الاجتماعية في “انتقال ديمقراطي” تطورت موجات المسار الثوري من المحليات وانتشرت عبر الجهات والمدن والقرى لتعمّ البلاد وتفرز حركات اجتماعية ركزت بوضوح عن مطالب طرحتها للإنجاز بوصفها مهام الثورة التي يطمحون لتحققها. ولقد حاولت تلك الحركات وسط معارضة جميع التشكيلات السياسية أن تمر إلى الفعل فكانت عرضة لقمع بوليسي وعسكري مفتوح. لقد هال محترفو السياسة من كل المشارب إصرار الحركات الاجتماعية على تدخلها في طرح قضية الملكية والتصرف في الثروات والمقدّرات والمرافق العمومية واسترجاع المنهوب منها. وبدا كأنها تعدت الخط الأحمر واستفزت كل أطراف التوافق السياسي بما في ذلك اليسار والاتحاد العام التونسي للشغل الذي كان يسارع دوما للوساطة وحصر الأمر في تشغيل الشباب الثائر وإنقاذ ملكية النهابين واستقرار حكومتهم.

 لم تتجاوز ثورة المهمشين طاقة استيعاب اليسار فقط في ما طرحته من مهام اجتماعية ومن مفهوم جديد للسيادة الوطنية وللتحرر من طغيان السلطة المركزية والمشاركة في القرار والتسيير، بل أيضا في أشكال التنظم الذاتي وتسيير الخلافات بكل ديمقراطية ونقاش علني مفتوح للجميع وبأشكال نضالية مبتدعة وفنية. باختصار لم ينتبه اليسار إلى كون الثورة الاجتماعية هي ثورة شاملة تقلب التصورات القديمة في جميع المجالات راسا على عقب وتخلق ثقافتها وديمقراطيتها ومنظومتها الاقتصادية الاجتماعية وطرق عيشها وتعايشها.

” القوى الوطنية الثورية : الواقع و آفاق التجاوز “

نص المداخلة التي قدمها الرفيق زياد الأخضر, الأمين العام لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد, خلال الندوة السياسية التي نظمها الحزب يوم 6 فيفري, بمناسبة الذكرى السابعة لاغتيال الرفيق الشهيد شكري بلعيد

بقلم زياد الاخضرأمين عام حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد

ينظم حزبنا هذه الندوة السياسية الفكرية في ذكرى اغتيال الشهيد شكري بلعيد ايمانا منا بان الوفاء للشهداء لا يتطلب البكاء والعويل والترديد الببغائي لمواقفهم وانما التفكير والنقد والعمل من أجل انتصار المشروع الذي ضحوا من أجله.
تنعقد هذه الندوة بعد هزيمة انتخابية مني بها حزبنا في انتخابات 2019 وقد سبق للجنة المركزية للحزب أن أعلنت بوضوح أن قيادة الحزب تتحمل مسؤولية ذلك وهو ما يعني أننا نعترف بأن أوضاعنا الحالية ناتجة أساسا عن أسباب تتعلق بنا في مستوى تفكيرنا وفهمنا للواقع وممارستنا السياسية بعيدا عن تبريرات الفشل عبر اتهام الاعلام الموجه واللوبيات النافذة أو بعض شركائنا السابقين الذين اختلفوا معنا .
إن النظر في واقع القوى الوطنية الثورية وآفاق تطورها يتطلب أولا النظر في ممارستها السياسية في ضوء فكرها الذي به تفهم الواقع ومدى قدرته على  التجذر في مسار الثورة وعلى استباق التجربة بعين النظرية على حد قول الشهيد مهدي عامل . وللحقيقة فإن هذا الأمر يتطلب معرفة وجرأة يسندها اقتناع عميق  بأنه ليس لدينا مصالح خاصة ندافع عنها وأن دورنا هو دعم كل حركة ثورية تناضل ضد النظام الاجتماعي  والسياسي القائم .

يجدر بنا التأكيد بأن مسارات  ثورية انطلقت في مناطق متعددة من العالم وبالأخص في منطقتنا العربية في سياق الأزمة العميقة للنظام الرأسمالي   التي تنعكس بشكل كارثي على الاقتصاديات التابعة والهشة مخلفة تصاعد البطالة خاصة في صفوف الشباب ، و توسعا لدائرة الفقر والتهميش،و تصفية متسارعة للخدمات الاجتماعية الأساسية، (التعليم والصحة، السكن الاجتماعي والنقل). وانتشارا واسعا للفساد في مختلف أجهزة الدولة والمجتمع.وسأقتصر في هذه المداخلة على رصد بعض المواقف والممارسات لهذه القوى في علاقة بمسار الثورة الذي تفجر في 17 ديسمبر  وادى الى اسقاط رأس النظام الدكتاتوري العميل  في 14 جانفي 2011ومن ثمة تفكيك مؤسساته التمثيلية وحل أداته الحزبية و تذرير مكوناتها وهو ما سمح لنا ولغيرنا من القوى السياسية بالنشاط السياسي وطرح برامجنا السياسية على الشعب علنا.
 
1/ لقد تكبدت هذه الأطراف سنة 2011 في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي الذي كانت من الأطراف المنادية به هزيمة ثقيلة وفي محاولاتها لتقييم الأداء في هذه المحطة فإنها توقفت عند ضعف قدراتها التنظيمية وقلة إمكانياتها المالية وتشرذمها  .
في حين أنها لم تقم بتفحص ونقد :
ـ القبول المعلن او الضمني بحل اعتصام القصبة 2 الذي شكل  أهم سلاح في يد القوى الشعبية المعنية بالتغيير مقابل رحيل حكومة الغنوشي الثانية وحل المؤسسات الصورية والتعهد بإنجاز انتخابات المجلس التأسيسي
ـ التركيز على انتخابات المجلس الوطني التأسيسي واعتبارها المدخل للتقدم بالمسار الثوري وتحقيق مطالب الشعب, في ظل عدم تحييد المؤسسة الأمنية وتفاقم تأثير المال الفاسد والتدخلات الخارجية المشبوهة  وفي ظل موازين قوى اقليمية ومحلية لم نقدرها جيدا
ويهمنا ان نتساءل ألا يعكس ذلك في الحقيقة تخليها عمليا في وضع الغليان الاجتماعي عن مهمة التنظيم المباشر للجماهير وتسليحها بالوعي الثوري بما يسمح لها ان تكون قاطرة لتحالف شعبي وطني رغم التصريحات المتكررة باعتماد النضال الجماهيري الواسع  من أجل تجاوز السائد .
فالبورجوازية العميلة وممثليها السياسيين لم يكونوا يأبهون بالمجلس التأسيسي في حد ذاته بل بمواصلة هيمنة أعوانها على مفاصل الدولة والاقتصاد من ناحية وبتوقف حالة التعبئة الشعبية التي كان يمكن أن تتطور الى حالة أرقى تهدد هيمنتها ومصالحها الحيوية .لقد كانت معنية بإضعاف أعدائها وشل حركتهم تحت يافطة استقرار البلاد والمحافظة على الدولة وتم التهليل للادارة التي شكلت بيروقراطيتها وما زالت النواة الصلبة التي ساهمت في  تمكين التحالف الطبقي الرجعي العميل  والأحزاب الطامحة لتمثيله من  استرجاع زمام المبادرة والقدرة على المناورة ومواصلة نفس السياسات اللا شعبية .
2/ فشل هذه الفصائل رغم كل الجهود المبذولة في الانغراس في الأوساط الشعبية وهي التي تعي جيدا أن علاقة الاحزاب والجبهات الثورية بالجماهير الشعبية تشبه علاقة السمكة بالماء الذي يمدها بأسباب البقاء والنمو .
ولعل أهم المشكلات التي أدّت بهذه الفصائل إلى هذا الوضع:
ـ عدم قدرتها على إنتاج وعي مطابق لحركة الواقع المجتمعي و اعتمادها بالدرجة الأولى على استعارة مقولات نظرية جاهزة، أنتجتها الحركة الشيوعية العالمية وإسقاطها على واقعنا، دون النظر في متطلبات هذا الواقع وإشكالاته وهو ما يعني عدم اهتمامها بالناس مثلما هم وإنما مثلما يجب أن يكونوا وفقا للمقولات الجاهزة  .
ـ غياب الربط الدقيق بين العمل الجماهيري والعمل السياسي والتنظيمي، بين العمل والنضال من أجل المطالب الآنية والأهداف الاستراتيجية . كما بقي هذا العمل يتسم بالمناسباتية والفوقية عوض الالتصاق بهموم الفئات الشعبية ومساعدتها على أخذ شؤونها بيدها، فالفئات الشعبية لا تثور ضد مفاهيم نظرية  انطلاقا من اقتناعها بقانون تاريخي ما يقود نحو واقع جديد وإنما تثور انطلاقا من حاجياتها ومشاكلها المرتبطة بتوقها  للعدالة والحرية .
ـ فشل هذه القوى منذ 2011 في التصدي للأجندات المشبوهة الساعية إلى تأجيج الصراعات العقائدية والهووية وايجاد تقاطب حداثي /اسلامي مغشوش يطمس جوهر الصراع . بل إنها وجدت نفسها منساقة الى خوض هذه الصراعات وفقا لرؤية مغايرة لخلفيتها رغم ما يسببه لها ذلك من رفض وتشويه لدى الفئات الاكثر تضررا من التفقير والتهميش والاضطهاد .
والجدير بالذكر أن هذه الفصائل وغيرها كانت ولا زالت تحاول تجاوز هذا القصور بالدخول في تحالفات  هي عموما تجميع لعناوين سياسية  تعاني مشاكل عديدة وبذلك يصبح التحالف فضاء تحاول أن تصدر له مشاكلها وأزماتها  بل و به يستطيع بعضها مواصلة البقاء.
وما تعالي الأصوات المنادية بالوحدة اليوم  إلا محاولة جديدة للهروب من مواجهة الإشكاليات الحقيقية والأسئلة الحارقة.
3/ فشل هذه القوى في مواجهة الهيمنة الفكرية السياسية لما يسمى بالعائلة الوسطية وهي تقريبا “الوسط الراديكالي ” الذي تحدث عنه كتاب عديدون وهو قائم على الايمان بنهاية الايديولوجيا واعتبار أن مفاهيم اليسار واليمين قد عفى عليها الزمن وأن العولمة النيوليبيرالية قدر محتوم علينا القبول بها وعليه تصبح  السياسة ادارة محايدة للشؤون العامة بعيدا عن الصراعات الحزبية .  وتتحول القضايا السياسية الى مجرد مشكلات تقنية يجب أن يتولى حلها خبراء تكنوقراطيين .
وللحقيقة فان هذه الهيمنةاستمدت بعض قوتها من مفهوم التوافق الذي انخرطت فيه الفصائل الوطنية الثورية تحت وطئة الأحداث.
واليوم جني نتائج ذلك مجسدة في انعدام الثقة في المؤسسات المنتخبة والأحزاب والسياسيين الذي تكشفه تراجع نسب التصويت في الانتخابات من محطة الى أخرى.
4/ ضعف القدرة على تحليل الواقع وتعقيداته من أجل طرح بدائل لتغييره نظرا لغياب مراكز دراسية جدية تسمح لهذه الأطراف بالاستشراف وتعديل الخطط للاستجابة لمقتضيات التغيير في المجتمع.
فعلى سبيل المثال لم تتمكن هذه القوى من فهم ما يجري في الساحة السياسية طيلة السنوات الخامسة الماضية وتفاجأت عندما احتل قيس سعيد المرتبة الأولى في الدور الأول للانتخابات الرئاسية في حين أن العالم يشهد صعود القوى الشعبوية اليسارية منها واليمينية . 
5/ اذا كان الثوريون قد ابدعوا الأشكال التنظيمية المناسبة لانجاز المهام المنوطة بعهدتهم في ظروف موضوعية محددة لم يختاروها فإننا نعتقد بأننا مطالبون بإعادة النظر في هذه الأشكال على ضوء دروس التاريخ واحتياجات التقدم بالمسار الثوري في مرحلة تطورت فيها وسائل الاتصال
آفاق التجاوز
بما اننا بصدد التفكير في اوضاعنا من أجل تغييرها في لحضة يعود فيها الاستقطاب الثنائي بين الاخوان المسلمين وحلفائهم والدساترة والتجمعيين فاننا نعلن بوضوح اننا مطالبون اليوم بالاجابة على سؤال ما العمل من أجل كسر هذا الاستقطاب للتقدم في انجاز برنامج الثورة
باتجاه خلق أغلبية شعبية قادرة على الوصول الى السلطة ببرنامجها المعبر عن مصالحها المشتركة إن ذلك يتطلب تفعيل عملية التفكير والبحث ، بكثير من الهدوء والعمق بهدف ايجاد آلية حوار فكري من على الأرضية النظرية للاشتراكية العلمية ، حول كل القضايا السياسية والاقتصادية والمجتمعية ، رغم كل الصعوبات التي يفرضها الهجوم العدواني الامبريالي الصهيوني ووكلاءهم المحليين على شعوبنا من جهة ، ورغم ما يعتري هذه المرحلة من ادعاءات القوى الليبرالية الكاذبة تجاه ضرورات الفكر الثوري وراهنيته من الجهة الأخرى…فتح نقاش عميق وهادئ لا يستثني إلا من استثنى نفسه بممارسته أو بمواقفه المتخاذلة أو المعادية للثورة ولمصالح الشعب فإننا ندعوكم إلى أن يكون ذلك في منبر يحمل اسم الشهيد شكري بلعيد وما ذلك بعزيز على رفاقه وأحبته فرسان الفكر والانحياز لقضايا الوطن والشعب.

التحولات العربية و الدولية الكبرى وآفاق التغيير في تونس

نص المداخلة التي قدمها الرفيق خالد كرونة, خلال الندوة السياسية التي نظمها حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد يوم 6 فيفري, بمناسبة الذكرى السابعة لاغتيال الرفيق الشهيد شكري بلعيد

بقلم الاستاذ والاكاديمي خالد كرونة

يشهد العالم اليوم تقلّبات متسارعة تمسّ الاستقرار وتُعمّقُ المخاوف وتُضاعف المخاطر لعلّ أبرزها

 1/التحولات المناخيّة

 2/انتشار الحروب

 3/ تنامي موجات الهجرة

 4/ اتساع تأثير المافيا بأنواعها    

 5/  تمدّد الحركات الإرهابيّة 

 6/ تعمّق الفوارق الاجتماعيّة

 7 /تغذية النزعات العنصريّة

 8/إحياء النّعرات القوميّة والقبليّة

 9/تصدّع كيانات الدّول التي باتت تعوّل على سياسات حمائيّة وقائيّة .

إنّه عالم بصدد البحث عن توازنه، وهي مرحلة انتقاليّة، نشهد فيها أفول نظام عالميّ ما يزال يلفظ أنفاسه، وبروز نظام آخر يبحث عن تثبيت نفسه.   

ويمكن القول إنّ النظام القديم نظام غربيّ، استمرّ حوالي خمسة قرون، انفردت خلالها أوروبا الغربية، ثم أمريكا الشماليّة بالسيطرة على العالم، أمّا النظام الجديد الذي سيحلّ محله، فستكون الهيمنة فيه آسيوية، أو أورو ـــــ آسيوية (الصين، الهند، روسيا) تبعا لما باتت تعرفه اقتصادياتها من ديناميكية.

وبما أنّ الفضاء العربي والإسلامي يقع على الخط الفاصل بين هاتين الكتلتيْن، فضلا عن امتلاكه الجزء الأكبر من موارد النفط والغاز في العالم، فقد كان على مدى عقود منطقة الزوابع الكبرى حيث تدور أغلب المعارك من أجل سيادة العالم. و قد بدأت بلداننا، بعد حقبة طويلة لم تخرج خلالها من الفَلك الغربي وخاصة الأمريكي، في توطيد علاقاتها مع الآسيويين و تبادل المنافع خاصة مع توسّع أنشطة الصين الاقتصاديّة،التي أضحت أكبر سوق نفطية.

تراجع الإمبراطوريّة الأمريكية:

نلمح هذا التراجع في مظاهر عديدة: فمن جهة تعمّقت التناقضات بين مختلف مكونات الحلف الأطلسي، ومن جهة ثانية، تفاقمت خلافات الولايات المتحدة مع الدول العربيّة لأنّ هذا التراجع أحدث تغييرا كاملا في بنية العلاقات التي كانت تربطها إلى عهد قريب بالمنطقة. وهو ما يدعو إلى التمييز بين مرحلتين مرّت بهما هذه العلاقات :

       * الأولى في النصف الثاني من القرن الماضي، وهي مرحلةُ سيطرة مطلقة تحققت لها فيها الهيمنة بواسطة الأنظمة الموالية والصهاينة وبفضل أعوانها في المنطقة الذين وفّرت لهم الحماية وهو ما سمح بحصول “استقرار” مزعوم.     بل إن تداخل المصالح الخارجية والداخلية هو الذي جعل أمريكا تبدو على الدوام قوية.

        * الثانية، وهي مرحلة التهاوي، التي بدأت مطلع الألفيّة، اتجهت فيها إلى الحملات العسكرية في محاولة لتثبيت هيمنتها فيما يشبه” الهروب إلى الأمام” نتيجة تصدّع قوتها الاقتصاديّة رغم أن موازين القوى لم تعد في صالحها، فاندفعت إلى مسارح عمليات عديدة بعيدة جغرافيا وباهظة ماديا، ومكلفة سياسيّا لأنها اضطرّت إلى البحث عن أعوان محليين جدد، تتناقض مصالحهم مع حلفائها وأعوانها التقليديين، وهو ما أثّر على مجمل علاقاتها الإقليمية وأفقدها نجاعتها.

وإذا كانت “انتصاراتها” في المرحلة الأولى (مرحلة السيطرة) تدعم مكانتها وتعزّز قوّتها، فإنّ “انتصاراتها” العسكرية في المرحلة الثانية لا تزيد العالم “سلما”، بل تخلق الفوضى وتزرع الفتن والقلاقل حيثما حلّت.

الإمبراطوريّة الأمريكية ومنعطف الحرب على العراق:

كان غزو العراق سنة 2003 نقطة تحول، لأنّ الأمريكيين فقدوا التحكم في نتائج حملتهم، وفقدوا السيطرة الاستراتيجية. فالإطاحة بصدام حسين، كانت نقطة توحّدهم مع حلفائهم التقليديين (في الخليج) ولكن تلاقي المصالح لم يدم طويلا.

لقد كان نظام البعث العراقي يستند إلى الأقلية العربية السنية، على حساب الأغلبية العربية الشيعية والأقلية الكردية الكبيرة. ولكن الإدارة الأمريكية وضعت الشيعة على رأس “المحمية” الجديدة، وحوّلتها دولة فيدراليّة، ومنحت الأكراد الإدارة المباشرة لأراضي الشمال(كردستان العراق). هذه التدابير دمّرت التوازن الجيوسياسي في الشرق الأوسط، و عززت نفوذ إيران التي كانت استضافت العديد من المعارضين السابقين من الشيعة العراقيين الذين صاروا في السلطة الآن، فتوطدت استراتيجية إيران فيما يعرف بــ “الهلال الشيعي”. وهكذا باتت السعودية قلقة، وانزعج الصهاينة، ولم يعد ممكنا أن يبصر الحليف التركي بعين الرضا إمكانية قيام دولة كردية على حدوده الجنوبية.

ولم يكن المخطط الأمريكي يقف عند تفتيت العراق، بل كان يرمي إلى إعادة تقسيم المنطقة على أسس عرقيّة ومذهبيّة، أي ما يُسمّيه ضباط مخابراتهم “حدود الدّم والعِرق والعقيدة”. هذه المقاربة التي وضعتها إدارة بوش الابن هي “الفوضى الخلاقة” أي تعميم الفوضى، وهي مقاربة نبّـــهت أنظمةَ المنطقة من حلفاء الأمريكان. وقد واصلت إدارة أوباما نفس النهج مع بعض التحفظ الإعلامي. ولكنّ هذه السياسة ستعرف نهايتها بعودة العلاقات بين إيران  والولايات المتحدة ( نقدر أنّ ذلك لن يكون بعيدا) وهو ما سيدفع دول المنطقة من الحلفاء التقليديين إلى البحث عن علاقات جديدة بسبب تقلّب الموقف الأمريكي وهو ما ينطبق على السعودية وعلى الصهاينة الذين بادروا إلى وضع أسس علاقات عسكرية مع روسيا و الصين .

إجمالا،بدأت الولايات المتحدة منذ نهاية الألفية السابقة تفقد هيمنتها في الشرق الأوسط، وكانت تأمل استعادتها بغزو العراق ولكنها فجّرت مجمل العلاقات القائمة،وقوّضت النظام الإقليمي برمّته وليست صفقة القرن غير علامة أخرى على استمرارها في تقويضه نهائيّا.

الانتفاضات العربية نتيجة التراجع الأمريكي :

إنّ هذا السياق الدوليّ الجديد، المتسم بضعف الهيمنة الأمريكية كان عاملا سرّع تفكك الأنظمة الاستبدادية الإقليمية مثلما سرّع تصدّعها وهو الذي يفسّر أحداث “الربيع العربي”.  فالانتفاضات التي شهدتـها البلدان العربية وبخاصة تونس ومصر أعادت الأمل في تحقيق الديموقراطية والحرية، وفتحت آفاقا رحبة، وبدت خلال أسابيع سائرة في الطريق الصحيح. غير أنها حادت عن مسارها وتحوّلت صراعا دمويا وحروبا أهليّة تؤجّجها القوى الخارجية (في ليبيا وسورية واليمن والبحرين. أو تحاول حرف مسارها في الجزائر و في السودان) فكان أن يسّرت تدفق الفصائل الإرهابية وزودتها بكل الأسلحة الفتاكة .

لقد انخرط الملايين في شجاعة في انتفاضات أواخر 2010 ومطلع 2011 ، ولكنّ طابعها العفوي كان مظهر قصورها الأبرز، إذ لم تكن لها قيادة سياسيّة أو برنامج واضح  وغاب التنظيم السياسي      والتأطير ،فاكتفت بالمطالبة بإسقاط  أنظمة الاستبداد دون امتلاك أفق واضح أو بدائل ، لذلك مُنيت بالخيبة تلو الأخرى وسقطت فريسة قوى الردّة المعادية للثورة .

أمّا القصور الثاني، وهو الذي نخر المسار الثوري وخرّبه، فيتمثل في طبيعة قوى المعارضة السياسيّة التي عادت إلى واجهة الأحداث بمجرّد خفوت الحالة الثوريّة. هذه القوى التي عانت عقودا طويلة من التهميش والقمع، بدت منقسمة ومتناحرة إيديولوجيّا، وتبيّن سريعا أن التشكيلات الحزبية الأفضل انتظاما هي التيارات الإسلامية ذات الصلة بتنظيم الإخوان المسلمين. وبسبب خلفيتها العقائدية التي لا تطرح مسالة التغيير الاجتماعيّ، مثلما لا تكترث لقضايا السيادة الوطنية ، فضلا عن ارتباطها بألف خيط بممالك النفط  وخاصة من حيث التمويلُ ، سرعان ما انخرطت الحركات الإخوانيّة في سياسات مموليها العدوانية ضدّ دولها بعد أن صار أمراء النفط قادتهم. لذلك كانوا أوّل مساندي تدخل قوات مجلس التعاون الخليجي و القوات الأطلسيّة (وهو ما حصل في ليبيا و سورية و اليمن والبحرين).

“الربيع العربي” و تسارع تهاوي الإمبراطورية الأمريكية :

أمّا الآن، بعد مرور ما يقارب العشريّة على “الربيع”، تُفضي دراسة الأحداث إلى التمييز بين ثلاثة أطوار استراتيجية لتراجع الهيمنة الأمريكية المطّرد على المنطقة:

1 ــ الطور الأوّل: اعتقدت الولايات المتحدة في البداية، بعد انتفاضتيْ تونس ومصر أنه بإمكانها استعادة هيمنتها عبر مساعدة الإخوان المسلمين في أكبر عدد ممكن من البلدان في الوصول إلى السلطة أو تثبيتهم عبر الوصيّ الخليجي والتركي، وهكذا تظل المنطقة تحت أيديهم. إلاّ أنّ هذه الاستراتيجية أخفقت سريعا لأسباب أهمّها :

  أ ــ غياب الانسجام، و الفشل في الوصول إلى السلطة في ليبيا و سورية و اليمن ، والفشل في الاحتفاظ بها في مصر وتونس.  

  ب ـ تضارب مصالح ممالك الخليج الذي تفاقم عند إزاحة مرسي، ففي حين واصلت قطر دعم الإخوان، كانت السعودية والإمارات العربية المتحدة في الخندق المقابل.

 ج ـ عجز الولايات المتحدة عن إملاء سياساتها على الممالك النفطية الذي صار جليّا أمام أنصارها (مجلس التعاون، الحلف الأطلسي، إسرائيل، الإخوان المسلمون ..) وأبرز مؤشر على ذلك فشل عدوانهم المشترك على سورية.

2 ـ الطور الثاني : بسبب هذا الإخفاق في التعويل على الإخوان ، غيرت الولايات المتحدة وحلفاؤها استراتيجيتها فاعتمدت سياسة الأرض المحروقة في أبشع صورها بتشجيع حركات إرهابية “جهادية” ودعمها على نطاق واسع .     ولم يكن “داعش” غير عمود هذه الاستراتيجية، فقد انتُدب عشرات الآلاف و تمّ تسليحهم وتجهيزهم وإرسالهم إلى جبهات القتال مستفيدين من تصدّع النظام الإقليمي فكان أن بسط “داعش” سيطرته على مساحات واسعة من العراق وسورية ليتحول الإرهاب من ظاهرة “متنقلة” ،إلى “كيان” تمّت محاولة تثبيته على الأرض وإكسابه ديناميكية توسعيّة لا تتوقف .

ولكنّ الكيان الإرهابيّ نما ــــــ خلافا لتقدير صانعيه ـــــــ بسرعة وبلغ حجما سمح له بالخروج عن سيطرتهم، فحدّد أهدافا لنفسه غير التي رُسمت له . هذه “الاستقلالية”ـــــــــ التي تحصُل دوما كلما انخرطت الدول في لعبة النارـــــــــ جعلت الولايات المتحدة وحلفاءَها يحاولون “ترويض” الوحش حتّى لا يتجاوز الحدود المرسومة له بتوجيه ضربات، لكن ردّ “داعش” باستهداف المدنيين في الولايات المتحدة وبريطانيا وبلجيكا وفرنسا والسعودية، صبّ الزّيت على النار، ودفع إلى مزيد التصعيد.   

وقد استمرّت هذه السّياسة الخرقاء التي توظف على نحو واسع الإرهاب وفي ذات الوقت تعمل على تحديد مجال فعله، خلال سنتيْ 2014 و2015 دون جدوى وبخاصة في سورية، ساحة الحرب الأولى حيث تزعزع النظام دون أن يسقط.

3 ـ الطور الثالث: بحلول أكتوبر 2015، انطلقت استراتيجية ثالثة بعد تدخّل سلاح الجوّ الروسي في سوريّة ومساهمته في كسر الطوق الذي ضرب على الجيش السوري، لتنقلب موازين القوى العسكرية على حساب “داعش”   وباقي الميليشيات الجهادية. لقد استغلّت روسيا المخاوف التي خلفتها تفجيرات (أوروبا) في الرأي العام، ودفعت الولايات المتحدة والحلف الأطلسي إلى الانخراط بجديّة أكبر في مقاومة الإرهاب واضطرتهم إلى تدمير الآلة الجهنميّة التي ساهموا في إنشائها.

ومنذ أواسط 2016، انقلبت الأوضاع العسكرية، خاصة في سورية والعراق. فقد ضاق الخناق حول “داعش” وبات في تراجع، ففقد قاعدة الارتكاز والقدرة على الثبات وصار بلا مستقبل. أمّا الحكم المركزيّ في بغداد و دمشق ، فهو بصدد إعادة بناء نفسه واستعادة قوته، وقد صارت أحلام جنرالات واشنطن في تقسيم المنطقة هباء . 

وفي أواخر 2016، إبان الانتخابات الرئاسية الأمريكية، تضاءل تأثير الولايات المتحدة في المنطقة على نحو غير مسبوق، وفقدت المبادرة ولم يبق لها غير لعب أدوار ثانويّة وأن تتقدّم على وقع أحداث لم تصنعها وهو ما حاول ترامب تداركه بتكرّر إعلان المبادرات وخاصة تلك المتصلة بالقدس عاصمة للصهاينة وما بات يُعرف بصفقة القرن.  

إنّ تطوّر الأحداث منذ انطلاق الربيع العربيّ يؤكّد التهاوي المستمرّ للهيمنة الأمريكية في المنطقة العربيّة خلافا لما يروّجه أصحاب نظريّة المؤامرة الذين يربطون كلّ تغيّر بإرادة “القبضة الأمريكية القويّة”. فمنذ ستّ سنوات ، تعمل الولايات المتحدة على استعادة المبادرة وإحكام القبضة على المنطقة ولكنّها لم تجن و أعوانها غير الخيبات .و أبرز دليل على هذا الفشل الذريع، التصدعات التي لحقت حلفهم المهزوم ،وتتمثل بالأساس في:

     * تنامي الصّراع داخل الحلف الأطلسي وازدياد التوتر منذ انتخاب “ترامب” بين الولايات المتحدة من جهة، والاتحاد الأوربي الذي انسحبت منه المملكة المتحدة من جهة ثانية، فضلا عن إبرام تركيا اتفاقية تحالف عسكري مع روسيا سنة 2016.

     * الانقسام الحادّ في مجلس دول التعاون الخليجي، (بؤرة قوى الرجعية العربية) الذي ما انفك يتعاظم منذ 2013 حتّى بلغ أقصاه بإعلان الحصار السعودي ـ الإماراتي على قطر.

وهذا يعني أنه بسبب ميزان القوى الجديد في منطقتنا ، سيستمرّ فقدان الولايات المتحدة السيطرة خلال السنوات القادمة وستتعرّض مصالحها فيها لتهديد أكبر ، وهذا يعني أيضا أن مشهدا استراتيجيا جديدا بصدد التشكل.

  التوزيع الجديد للقوى: 

• روسيا: أبرزَ المشهد الاستراتيجي الجديد اللاعب الروسي الذي انكفأ منذ 1989 تاريخ انهيار الاتحاد السوفياتي. لقد ولّى زمن يكتفي فيه الروس بدور قوّة إقليمية ينحصر نفوذها في دول الجوار مثل شبه جزيرة القرم أو أوكرانيا.  فكان أن استغلت روسيا المأزق الأمريكي و تدخلت في سورية لتصبح قوة دولية كبرى تمتلك قدرة المبادرة العسكرية   والدّيبلوماسية خاصّة أنها نجحت في ذات الوقت في إقامة تحالفات مع تركيا من جهة ومع إيران من جهة ثانية فضلا عن استفادتها من دعم الصين. وهكذا صارت الهيمنة الأمريكية جزءا من الماضي .

تركيا : فشلت في جهودها لفرض زعامتها للعالم السنّي  و إنشاء عثمانية جديدة باستخدامها في البداية ورقة الإخوان ثمّ ورقة “داعش”. وإزاء فشل هذه السياسة ، وأمام تشجيع الحليف الأوربي زعزعة استقرارها ، وخاصة خلال المحاولة الانقلابية ضدّ أردوغان، اتجهت أنقرة إلى تقارب غير متوقع مع موسكو ، وهو إعادة توزيع للتحالفات ستكون له آثار كبيرة لا فقط على المنطقة بل أيضا على أوروبا و الحلف الأطلسي. 

• إيران : ثبتت طهران وضعها الجديد كقوة إقليمية ، فدحر داعش هو انتصارها، إذ لولا دعمُها ، ما كان حلفاؤها في العراق و سوريا ولبنان ليلحقوا به الهزيمة. و النتيجة المهمّة الثانية لتعاظم القوّة الإيرانيّة المتصلِ في السنوات الأخيرة، هي خلق توازنات جديدة في الشرق الأوسط تقف دليلا عليها حالة الشلل الاستراتيجي التي لحقت الكيان الصهيوني الذي أجبر على إيقاف حملاته العدوانية خارج حدود “دولة الاحتلال”. ( تؤكد الاغتيالات الأخيرة و ردود الفعل محاولة الأمريكي تقليم أظافر طهران)  

• سورية والعراق: خرج العراق وسوريا، أكبر منتصريْن مباشريْن في الحرب ضدّ داعش وخروج شعبيْهما أكثر تماسكا وتوحّدا يسقِط أحلام التّقسيم التي رعاها الصهاينة والأمريكان مدى عقود. وهكذا قُبر مشروع إنشاء دولة كرديّة تمتدّ على مجمل المنطقة الحدودية بين سورية والعراق وإيران وتركيا أو على أجزاء منها ،وهو المشروع الذي كان يهدف إلى خلق كيان مشابه للكيان الصهيوني، مرتبط عضويّا بالغرب، في حرب دائمة مع جيرانه، بل إنّ إقامة هذا الكيان لم تعد واردة حتّى في كردستان العراق.

• قطر والإمارات: سارع تفكّك منظومة دول مجلس التعاون، (اتحاد أثرياء ممالك النفط) فقد اشتدّ في السنوات الأخيرة الصراع المحموم بين قطر والإمارات التيْنِ تطمحان إلى لعب أدوار متقدمة في المنطقة العربية مستفيدتيْن من قدرتِهما الماليّة الضخمة. وقد استخدمت الدويلتان* أذرعا سياسيّة للتأثير خارج حدودهما. فاعتمدت قطر على الإخوان المسلمين، وعوّلت الإمارات على خصومهم. غير أنّ ضعف القاعدة الديموغرافية ستنهي صراعهما الحاليّ دون آثار كبيرة

      *       تضم قطر 2.6 مليون نسمة 80 بالمائة منهم أجانب، وتضم الإمارات 10 مليون نسمة حوالي 90 بالمائة منهم أجانب.

• السعوديّة: أمّا السعوديّة، التي تضم ما يزيد عن ثلاثين مليون نسمة، (ثلثهم أجانب)، فتظلّ الدولة الأهمّ في مجلس التعاون، وقد اعتمدت سياستها منذ أواسط القرن الماضي على أربعة ركائز أساسيّة:

* تحالف استراتيجي مع الولايات المتحدة على قاعدة النفط مقابل الحماية العسكريّة.

    * تزعّم العالم الإسلامي مستفيدة من وجود البقاع المقدسة (مكة والمدينة) على أرضها ونشر الوهابيّة، مذهب المملكة الرسمي، وتهميش الشيعة.

     * تأكيد قيادتها العالم العربي بتوزيع بعض العائدات النفطية على الأنظمة الحاكمة ومقاومة أيديولوجيا القومية العربية بنشر الوهابيّة.

     * ضمان موقع متقدم في منظومة النفط العالمية وتطويع ممالك النفط العربية.

وفي سنة 2011، تصدّعت ـ كما أسلفنا ـ الركيزة الأولى، وبالخصوص إثر تطبيع العلاقات الأمريكية الإيرانية، (الاتفاق النووي) لتتحوّل السعوديّة موضوعيّا إلى فاعل من الدرجة الثانية. والآن، بعد سنوات تعرف المملكة أزمة عميقة، فقد فقدت مصداقيّتها، لا فقط في الشرق، بل في الغرب أيضا بسبب ارتباطها المؤكد بالإرهاب الجهادي. وصار عداء الإسلام السنّي لإيران، أقلّ ارتباطا بالأسباب الدينية. إنّه عداء موجّه إلى محور المقاومة الذي يتألّف من طهران و حلفائها في سورية ولبنان.وبسبب انهيار مدخرات المملكة الماليّة و تراجع أسعار البترول ، وكلفة الحرب العدوانية في اليمن، ذهبت زعامة السعوديّة المفروضة على أنظمة عربيّة أدراج الرياح. وحتّى بين دول مجلس التّعاون، فقدت المملكة زعامتها التي لم يعد يقبلها أحد. والقطريون والإماراتيون يعلنون ذلك في وضح النهار،خلافا للعُمانيين و الكويتيين الذين لا يفرطون هم أيضا في أية مناسبة للتمايز عنها.

لقد كان اتخاذ السعودية قرار المضيّ في الحرب على اليمن خلال شهر مارس 2015 محاولة لاستعادة المبادرة السياسيّة وتثبيتا لدورها الإقليميّ. ولكنها محاولة يائسة لسببيْن على الأقلّ:

  •رغم كل الدّمار والخسائر اليوميّة التي لحقت اليمن، لا يمكن أن تخرج السعودية منتصرة في الحرب.

  • إنّ خوض حرب، يفترض حتما تعزيز قدرات المؤسسة العسكريّة، وهذا وحده خطر على وجود مملكة النفط التي لا تزال تعوّل على الحماية الأمريكية وتحرص على توزيع مكونات قوّات أمنها الداخلي المحدودة على أجهزة عديدة وقيادات مستقلة عن بعضها. إنّ انخراط السعودية لأوّل مرّة في نزاع طويل خارج حدودها، سيُعزّز حتما قدرات القوات المسلحة، وسيسمح بنشأة مركز سلطة منافس وهو ما ظلّت تتجنّبه لعقود. و لاشك أنّ التورط في حرب اليمن ـــــ خاصة ساعة يتمّ بحث أسباب الخيبة  ــــ سيُضاعف التهديد على المملكة.

إنّ النظام السعودي يتجه إلى الهاوية، ولن يخلّصه التطبيع (الذي يسير إليه )مع الكيان الصهيوني من المأزق الذي تورط فيه و الفخ الذي نصبه لنفسه، فالأكيد رغم التكذيب المعتاد، أن “التعاون” التقني و المخابراتي مع الصهاينة قائم منذ سنوات طويلة .

أمّا الآن ، فإنّ الملك سلمان، مدفوعا بالضغوط الصهيونية المتعاظمة لتصفية القضية الفلسطينية، و بتشجيع من ابنه وليّ العهد (بفضل عملية انقلابية) يتهيّأ أن يخطو باتجاه الاعتراف بدولة الاحتلال والتحالف معها ضدّ إيران “العدوّ الأوّل لليهود و للسنّة” !

وسيكون يوم اكتمال هذا المسار، يحصول تبادل للسفراء، الفراغ من المملكة الوهابية ويوم نهاية نظام مثّل على مدى ربع قرن عصب الرجعية العربية الرئيسي.  هذا اليوم ،لن يكون هزيمة للفلسطينيين، بل سيكون نصرا كبيرا لهم ولنا أيضا .

•المنطقة المغاربية:

رغم الحرب الأهليّة التي أغرقت ليبيا، ورغم الجفاء الدائم بين الجزائر والرباط، ظلت المغرب والجزائر وتونس بمنأى ــــــ نسبيّا ـــــــ عن موجة الفوضى والعنف التي اكتسحت المنطقة العربية بعد 2010، ويبدو أنّ ما يجري في العالم ومُخرجات الديناميكيات الجديدة في المنطقة تعزّز حظوظ هذه البلدان في هذا الاتجاه. فبسبب الموقع الجغرافيّ، ومنعطفات التاريخ المعاصر، ظلّ المغرب العربي منطقة يستقطبها الاتحاد الأوربيّ وفرنسا على وجه الخصوص و يقيم معها علاقات هيكليّة غير متكافئة .  غير أنّ اقتصاديات الاتحاد الأوربيّ ـــــــ باستثناء ألمانيا ـــــــ تنتكس منذ مدّة طويلة، وبات تأثيره الجيوـــ سياسي يتراجع بسبب اصطفافه وراء الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، وهو الاصطفاف الذي انخرطت فيه بوجه خاص فرنسا فاندفعت إلى الحروب العدوانية على ليبيا وسورية وتحمست لفرض عقوبات على إيران، وبالغت في تقديم دعم لا مشروط للصهاينة ولملوك النفط، إلى حدّ تبرير جرائمهم الإرهابيّة *.

*صرّح لوران فابيوس في ديسمبر 2012 متحدّثا عن “جبهة النصرة”،فرع القاعدة قائلا : “إنهم يقومون بعمل جيد في سورية”

إنّ فرنسا وأوروبّا بعد أن تشوّهت صورتهما لدى الرأي العام العربيّ تواجهان علاوة على ذلك تحدّيا استراتيجيّا آخر يتمثل في مراجعة تحالفهما مع الولايات المتحدة بعد صعود “ترامب” وانسحاب بريطانيا من الاتحاد وانقلاب الإدارة الأمريكية على الاتفاق النووي مع طهران. 

 وما يزال من المبكر الحكم على مآلات الأمور، ولكن من الواضح أنّ دول الاتحاد الأوربيّ قد تواجه انقسامات جديدة وصعوبات أخرى، قد تسبب تصاعد التوتر مع بلدان عديدة شرق أوروبّا. و ربما اتجهت خلاف ذلك، نحو  تعزيز التماسك على المدى البعيد  وهي الرغبة المعلنة للمستشارة الألمانيّة  و للرئيس الفرنسي ماكرون.  و مهما يكن من أمر ، فإنّ مرحلة من الغموض قد بدأت سيعقبها بالتأكيد رسمُ سياسات جديدة من قبل باريس  وبروكسيل .

و بإمكان الدول المغاربيّة الاستفادة من هذه التحولات الاستراتيجية لبلوغ توازن أكبر في علاقاتها بفرنسا و بالاتحاد الأوربيّ والشرط الذي لا غنى عنه لاستعادة هذا التوازن هو إحياء “اتحاد المغرب العربي” لأنّ التعامل النّدي مع هذه التكتلات الكبرى يحتاج أن نكون متكتلين أيضا. ولكن، القادة ما يزالون يهدرون الفرصة فالقوى الاقتصادية والسياسيّة في بلداننا لا تضع النضال من أجل الوحدة المغاربية أولويّة ضمن مطالبها وبرامجها.

 (من أدلة العجز تأخر الجزائر والمغرب وتونس ومصر رعاية مفاوضات حل سياسي فيما يتصل بالأزمة الليبية، لأنّ كلّ مبادرة خارج هذا الإطار لا يمكن أن تخدم لا سيادة ليبيا ولا السيادة المغاربيّة (.

الآفاق الإستراتيجيّة الجديدة :

إنّ تهاوي القوة الأمريكية وعودة روسيا كلاعب دوليّ وهزيمة داعش و التيار الإرهابيّ الجهادي ، فضلا عن تثبيت الدور الإيرانيّ و انحسار دور القوّة العسكريّة الصهيونيّة و تعزيز الدولة في العراق و سورية وانقسام مجلس دول التعاون الخليجي وما لحق مملكة آل سعود من وهن أكيد، إضافة إلى انفتاح فرص جديدة لاندماج مغاربيّ، تمثّل كلّها تغييرات مرتبطة بالربيع العربيّ، فقد كان سببا لها أو هو ساهم في تسريعها. إنّه دليل لا ينكره إلاّ جاحد  على أنّه ربيع مشحون بقوّة دفع ثوريّة أحدثت في التوازنات الجيو ــــــ استراتيجية في المنطقة وفي العالم تغييرا عميقا.

إنّ هذه الآفاق الاستراتيجيّة الإيجابيّة تظلّ افتراضا محضا إذا بقينا (وهو شأن جلّ بلداننا) دون أدوات سياسيّة تسمح بتحويل هذه الفرضيات واقعا ملموسا وهي الخلاصة الأولى لما حصل في  2010 ـ2011 ، إذ لم تجد الانتفاضات الشعبية العفويّة (بما في ذلك في مصر و تونس) تنظيمات سياسية تؤطرها و تقودها إلى انتزاع انتصارات تحدث تغييرا جذريّا في هياكل السلطة و في تنظيم الاقتصاد و المجتمع .

إنّ إنشاء هذه التنظيمات هو اليوم أوّل مهامّ الوطنيين التقدّميين، وهي مهمّة سياسيّة بلا شك، ولكنها فضلا عن ذلك معركة ثقافيّة غايتها بناء فكر وطني جديد على أنقاض التكلس الإيديولوجي الذي لا يزال قسم كبير من نخبنا أسيرا له.

إنّ إعادة التأسيس ينبغي أن تتمّ ضمن حدود كلّ قطر، آخذة بعين الاعتبار خصوصيّاته، لكنّ هذه الفوارق لا تمنع إطلاقا تبادل الخبرات وتوطيد التعاون بيننا.

لقد تحمسنا أثناء عبورنا مرحلة مضطربة ، ثمّ أعقب ذلك الألمُ ، ولكنّ هذه الفترة انقضت أو تكاد، وفي حيّز الهدوء الذي سيُتاح بالتأكيد، و لأنّ الثورات لا تتمّ أبدا دفعة واحدة ، لابدّ لنا من حشد كلّ ذكائنا و طاقاتنا لنكون أفضل استعدادا ساعة مواجهة المعارك القادمة.  

تونس و آفاق التغيير :

• إنّ تقييم سنوات العشريّة الأخيرة من وجهة نظر تقدمية يقود إلى نتيجتين متضاربتيْن كلّيّا:

ـــ فمن جهة، كان مناضلو “اليسار” وقود كلّ المعارك، وساهموا في التعبئة الشعبيّة وشاركوا بكثافة في المظاهرات التي أسقطت بن عليّ، وبعد 14 جانفي كان اليسار وراء الدعوة إلى جمعية تأسيسية، ثمّ تصدّر مواجهة تغوّل الإسلاميين فدفع ضريبة الدّم وقدّم الشهداء أمثال شكري بلعيد ومحمد البراهمي. وخلال انتخابات 2011 تحصل مرشحو اليسار على 1.200.000 من أصوات المقترعين، بفارق ضئيل عن حركة النهضة التي حازت 1.500.000 صوتا، وهو مؤشر كاف في نظرنا لإبراز ثقل اليسار الموضوعيّ ودرجة تأثيره.

ــ غير أنه من جهة أخرى ، لم يتمكن خلال كل هذه السنوات من ترجمة مستوى حضوره و درجة التزامه في كل المعارك ليفرض قيادته و تصدّره لإدارتها ،و انحصر التنافس على السلطة بين الهويتين الدستورية  و الإخوانية (النهضة) في حين ظل اليسار أسير صراع الهوية الذي تمّ احتجاز الطبقة السياسيّة بمجملها فيه  فكانت النتيجة أن فقد المكون اليساري اليوم 1100/° من خزانه الانتخابي قياسا إلى ما كان عليه في 2011 ، أي أنّ هذا الخزان لم يبق منه سوى 1/11 وهو رقم مفزع سببه الأساسي الانفصال عن مطالب الناس وعدم التصدي للمسألة الاجتماعية، والانخراط في الاستقطاب الثنائي .

• إن أسباب عجز اليسار عن تأكيد ريادته في مجال الفعل السياسيّ عديدة، بعضها معلوم مثل تشتّته ضمن مجموعات وأحزاب كثيرة ذات قاعدة شعبية ضعيفة، فضلا عن الأجندات الشخصية لقيادات عديدة ولكن وراء هذه العوامل سببا آخر جوهريّا، يعود إلى زمن بعيد، ويكشف حالة ضبابيّة فكريّة. فكلّ تيارات اليسار التونسيّ  لا تملك هويّة فكريّة محدّدة بوضوح. وإذا استثنينا ما يتصل بالحريات، والبيانات حول تكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعيّة، فهي تظل بلا رؤية مشتركة تقطع جذريّا مع الاستقطاب الثنائيّ، وبلا برنامج يميّزها عن القوى السياسيّة الأخرى ليشكل رافعة مشروع تغيير مستقلّ.

إنّ هذه العوائق، تحول دون احتلال اليسار موقعه المركزيّ الطلائعيّ الذي يلائم نضاله وتضحياته، مثلما تعيقه عن تجديد قواه، وهو ما يفسّر أزمة الانتظام العميقة التي تعيشها مناضلاته و مناضلوه حتّى بات أغلبهم مستقلا عن المجموعات و الأحزاب القائمة.

• إنّ تجاوز هذه الأزمة ممكن وواجب، لا فقط لمصلحة اليسار، بل قبل ذلك لمصلحة البلاد. فالثورة قد تجاوزت مرحلة أولى، برغم كلّ الآلام، تتمثل في إقامة نظام يحقّق حريّة سياسيّة نسبيّة، وهذا واقع الآن، ولكنّه بلا جدوى وبلا أفق إذا لم تُستكمل المرحلة الثانية، أي إحداث تحوّل في النظام الاقتصاديّ لتحقيق الأهداف الاجتماعيّة لانتفاضة الشعب التي هزمت الدكتاتوريّة.   فتحالف الدستوريين مع النهضة في السلطة منذ أعوام ، أكّد عجزه المطلق عن الاستجابة لمتطلبات المرحلة ، مثلما أثبت أن نهجه في تسيير الشأن العامّ فاشل في إدارة الحاضر وفي الاستعداد للمستقبل . بل إنّ المكاسب التي تمّ الظفر بها، خلال مرحلة الانتقال الأولى، أضحت مهدّدة الآن. و إذا لم تنهض القوى التقدمية بمسؤوليّاتها، و لم يستعد المشعل ، فلا أحد سيفعل ذلك .

• إنّ تونس بحاجة إلى حركة يساريّة كبيرة ، موحّدة و منفتحة ، ديموقراطية و شعبيّة ، عالمية القيم و في الآن ذاته متجذرة في تاريخنا وثقافتنا الوطنيّة . و الموارد البشريّة الضروريّة لبناء مثل هذه الحركة موجودة ، فالآلاف، و منهم أفضل مبدعينا و فنّانينا،ينتظرون مشروعا جدّيّا في ظل صراع اجتماعي محلّي ما انفك يحتدم، ولكنّ تعبئة هذه الطاقات و تحفيزها و تحويلها إلى قوّة سياسيّة فاعلة، لا يتطلّب فقط تطوّعا و إرادة ، بل خاصة برنامجا متماسكا يستجيب لاحتياجات البلاد و لتطلعات الشعب .

ولكن، ما العمل فورا لتحقيق هذا الهدف؟  يجب أن نتجه قبل كل شيء إلى إنشاء تفكير جماعيّ   وفتح نقاش عموميّ حول قضايا البرنامج الرئيسية. و لأنها شديدة التنوّع، (إصلاح الدولة، العدل، التعليم، الصحة، تقنين المساواة التامة بين الجنسين، إعادة رسم السياسات الثقافيّة، و الدينية و البيئية و الخارجيّة..الخ) ، وقد ركّزنا في كتيّب نشرناه على المحاور ذات الأولويّة ، أي تلك المتصلة بتغيير هياكل الاقتصاد والمجتمع لأنها تغييرات حاسمة فضلا عن كونها تمسّ مباشرة فئات المجتمع التي لعبت دورا بارزا في الانتفاضة، وفضلا عن ذلك، تشكل هذه المحاور صميم الهويّة اليساريّة و مضمون تمايزها الإيجابيّ عن ثنائيّة  الاستقطاب .

• إنّ ما يحتّم تطوير نظرتنا إلى الواقع،أنّ الانتفاضة أظهرت تصدّع المجتمع  و انخرام التوازن بين الجهات، وكشفت بوضوح وجود معسكريْن : قلّة من المستفيدين من النظام القديم تتكوّن من الأوليغارشيّة الرّيعيّة و المافيا، و أغلبيّة تمثّل القطاعات الاجتماعيّة المضطهدة المهمّشة تتكوّن من أربع مجموعات: سكان الأرياف و سكان أحزمة المدن، و أصحاب الرواتب و الطبقة الوسطى ، فضلا عن فئتيْن مهمّشتيْن عَرْضِيّا هما النساء و الشباب .

لقد أظهرت الانتفاضة بجلاء مكوّنات كتلتيْن اجتماعيّتيْن : كتلة أعداء الثورة، و كتلة أنصارها .  إنّ تفكيرنا و نقاشنا يجب أن يهتمّا عن قرب بمختلف هذه الأطراف الفاعلة و بتحديد التدابير الضروريّة لتفكيك المنظومة الاقتصاديّة المافيوزيّة و الريعيّة ،وضبط الإصلاحات التي يتعيّن القيام بها لتحسين ظروف عيش التونسيين و تحرير القدرة الإنتاجيّة في إطار نموذج تنمية جديد تستردّ به البلاد سيادتها على مقدّراتها .

وسيحتّم هذا علينا خوض صراع فكريّ في أفق التغيير الحقيقي، لأن الانتصارات السياسيّة تسبقها دوما انتصارات الفكر. إذ ينبغي وضع تصورات لتفكيك النمط الاقتصادي القائم الآن، الموروث عن حقبة بن عليّ، وعلينا تقديم بديل ملموس ذي مصداقيّة، قادر على توحيد اليسار وسائر قوى البلاد الحيّة.

ومن خلال إدماج مطالب الطبقة الوسطى، من المهنيّين ورجال الأعمال بما في ذلك أصحاب الشركات الصغيرة و المتوسطة، نمنح هذا المشروع هويّته باعتباره وطنيّا شاملا يستجيب لطموحات كلّ الفئات الاجتماعيّة ذات الصلة بالإنتاج و الخدمات .