تقديم كتاب :الشعبوية التحولات الجذرية لديمقراطياتنا. للكاتبان : ايلفو ديامانتي و مارك لازار

بقلم فوزي صويد عضو المكتب السياسي لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد

اخترنا تقديم هذا الكتاب الصادر في الأصل باللغة الايطالية سنة 2018 نظرا لأهمية الموضوع المتناول و لأهمية الظاهرة الشعبوية التي اكتسحت العالم و اكتست صيغا و أشكالا متنوعة دفعت بالعديد من هذه التنظيمات الى سدة الحكم سواء  في الديمقراطيات الليبرالية او حتى في البلدان النامية مثل دول امريكا الجنوبية و نخص منها بالذكر كما ورد بالكتاب بلدانا مثل البرازيل التي شهدت  صعود اليمين الشعبوي المتطرف و ذات النزعة الفاشتية المتطرفة المعادية للديمقراطية و التنوع العرقي و خصوصا الاشتراكية و احزابها و ممثليها بقيادة بولسونارو المدعوم من الإمبريالية الأمريكية. كما لم يغفل الكاتبان في سياق تحليلهما للظاهرة الشعبوية من التعريج على ما سموه بالظاهرة الشعبوية اليسارية – والتي تختلف جذريا عن الاخرى التي سيقع التوسع في تفصيلها في الكتاب – و ذلك عبر التركيز على فنزويلا و قائدها الراحل هوغو شافيز  الذي مارس الحكم لفترة طويلة و كان مسنودا بقوة من طرف الشعب او من خلال تحربة بوليفيا مع ايفو موراليس. هذه الشعبوية اليسارية ذات التوجهات الاجتماعية و التحررية من سلطة الاستعمار و راس المال سيقع تبنيها و التنظير Ernesto Lacloلها و الدفاع عنها من خلال تنظيرات الكاتب الارجنتيني المتخصص

ارنستو لاكلو و الكاتبة البلجيكية. ( زوجته ) شانتال موف.   

 و لكن هذا موضوعا اخر سنتتطرق إليه لاحقا من خلال تقديم بعض أعمال هذين المفكرين.

كتابنا اذن يدرس الظاهرة الشعبوية و صعودها في اوروبا خصوصا مع التركيز على انتشارها في فرنسا و ايطاليا بلدي المنشأ للكاتبان وهو يحتوي بالأساس على قسم نظري يحللان من خلاله مفاهيم الشعبوية و جذورها التاريخية و السياسية و العوامل التي دفعت بها و بمتبنيها من السياسيين الى الصعود و احتلال مراكز القرار السياسي الاولى في العديد من البلدان الصناعية الكبرى ذلت التقاليد الديمقراطية الليبرالية العريقة و تشكيكها في المؤسسات التمثيلية المنبثقة عنها كالبرلمان و نظم الإقتراع و الاحزاب و كل الأشكال السياسية التقليدية لممارسة السلطة.

يتساءل الكاتبان عن مفهوم الشعبوية عامة  و مفهوم الشعبوية الجديدة و الاشكال المتعددة للشعبويات و  الشعبويين و خصوصا أسباب الانتشار السريع للظاهرة كما يخصصان فصلان كاملان لدراسة ظاهرة الشعبوية و انغراسها و تاثيراتها الكبيرة على الحياة السياسية في كل من فرنسا و ايطاليا. .

.

يستهل الكاتبان مقدمة الكتاب بعرض موجز لبعض المقولات الشائعة لما يعتبرانهما ممثلين بارزين للتيار الشعبوي باوروبا الغربية و الذين يؤكدون اعتزازهم و افتخارهم بالانتماء للتيار الشعبوي الذي يستمدون منه مصداقيتهم و نضالالهم و تبنيهم لمطالب الشعب و  لمصالحه. فهذا جون لوك ميلونشون  زعيم مل يعرف بالتيار اليساري الراديكالي الفرنسي ”  فرنسا المتمردة ” يصرح لمجلة الاكسبريس سنة 2010 « لا اريد البتة الدفاع عن نفسي من تهمة الشعبوية. أنا أكره النخبة. نعم  انا شعبوي و أفتخر. فليذهبوا كلهم للجحيم “

الزعيم الإيطالي لتنظيم ال5 نجوم ذي المنحى الشعبوي اليميني المتطرف يصرح عاليا وبكل ثقة ” إن ال5 نجوم لا ينتمي لليسار ولا لليمين إنما هو إلى جانب المواطنين شعبوي الإنتماء و بكل فخر ” و قد اكتسح هذان التنظيمان الساحة السياسية الإيطالية مستغلين الأزمة الإقتصادية و تفشي البطالة و استفحال مشكلة الهجرة السرية يدغدغون بخطاباتهم مشاعر الهوية لدى الإيطاليين في سعي واضح و مكشوف للهيمنة على المشهد السياسي العام.


و في نفس السياق يضيف منظر التنظيم اليميني 5 نجوم جيانروبرتو كاساليجيو 13   ديسمبر 2013 بمدينة جنوة خلال تظاهرة كبرى ” اريد ان أقول لكم شيئان : اولا انني شعبوي و انا فخور جدا بذلك و فخور بأنني اتحد مع عشرات الألاف من الشعبويين ،اما الشيء الثاني فهو ضرورة عودة السلطة للشعب.” كما يلاحظ الكاتبان انه الى جانب وجود و انتشار الظاهرة الشعبوية اليمينية و التي باتت  تشكل خطرا كبيرا على الديمقراطية فانه يوجد كذلك الشعبوية اليسارية ذات التوجهات الإجتماعية الديمقراطبة التي نظرت لها و مدحتها المفكرة البلجيكية شانتال موفي صديقة تنظييم بوداموس الاسباني Podemos و سيريزا اليوناني. Syriza و فرنسا المنمردة La France insoumise

وفي هذا السياق، وفي مقال هام حول الموضوع للاقتصادي الفرنسي المعروف توماس بيكاتي يصرح هذا الاخير بأن « الشعبوية ليست سوى إحالة غامضة و لكنها مشروعة لما يفهم آنه تهميش للطبقات الشعبية و تعميق للفوارق الطبقية في البلدان المتطورة. لذلك يجب الاعتماد على عناصر الطرح الشعبوي ذات البعد العالمي لتقديم إجابات واضحة لمجمل التحديات المطروحة، لانه و في غياب مثل هذا الطرح الاجتماعي و الإنساني سيتعمق الارتداد المبني على الهويات و تتصاعد المظاهر العنصرية. و لا يمكن تحقيق هذه العناصر الا بالاعتماد على تنظيمات يسارية مثل بوداموس و سيريزا و غلى شخصيات مثل ميلونشون. Mélenchon و و صاندرس الأميركي Sanders »

نلاحظ إذن أن الشعبوية شعبويات متنوعة و مختلفة و كما هناك من يتبنى المنحى الشعبوي اليميني فان هناك أيضأ من يعتبر ان بعض التنظيمات اليسارية المذكورة سابقا هي شعبوية و لكن اطروحاتها مقبولة و يجب دعمها و تطويرها.

الشعبوية و علاقتها بما يسمى «سلطة الشعب”

Populisme et Peuplecratie

يسهب الكاتبان في تعريفهما للشعبوية و يقدمان تعريفات متنوعة تتفق جلها في ان هذه الظاهرة عبارة عن خليط من المثل الرومانسية و القومية والريفية والهووية و الاشتراكية. كما يحاولان وضع الظاهرة في اطارها التاريخي، فهي ليست حديثة بل تعود جذورها الى أواسط القرن التاسع عشر في روسيا حيث كان هناك تيارا سياسيا و فكريا شعبويا قويا كان يعتبر ان الفلاحين الروس (اغلبية الشعب انذاك ) هم روح الامة الروسية و طليعة الثورة ضد الأتوقراطية القيصرية و يقع على عاتقهم النضال من اجل تجقيق الحريةو العدالة. و قد انقسم هذا التيار و افرز جناحا عنيفا أعتمد على العنف و الاغتيالات. كما تحدث عن هؤلاء و باسهاب الروائي الروسي الكبير دوستويفسكي في روايته « المجانين » « Les Possédés» ،اما لينين فقد تصدى لهذا التيار سياسيا و ايديولوجيا مبرزا عدم فهم هؤلاء الشعبويون العميق للتناقضات الحقيقية التي تشق المجتمع الروسي و قوى الثورة الحاملة للتغيير الجذري للمجتمع.

فالشعبوية اذن حسب لازار و ديامانتي تظهر دائما في فترات الخوف و انسداد الأفق و الازمات بصفة عامة خصوصا الإقتصادية والتي تخلف ضرورة ازمات سياسية و اجتماعية يستغلها الشعبويون لتقديم أنفسهم كحل لهذه الازمات.

و من هنا يستغلون هذه الفرصة او هذا الوضع المتازم لتقديم تصوراتهم حول ضرورة انهاء الأشكال التمثيلية القديمة

( برلمانات و احزاب ) و تعويضها بأشكال أخرى أكثر شعبية. فهم يستغلون كل ما هو متاح باسم الشعب و من اجل مصلحته – حسب زعمهم – ليحررونه من سلطة الاشكال البيروقراطية البالية و يعطونه الفرصة ليحكم نفسه بنفسه. فهذا الشعب – حسب تنظيراتهم- هو عبارة عن لحمة واحدة متجانسة يفعل ما يريد و يعرف ماذا يريد و يتصدى لكل النخب التي تريد استعباده و السيطرة عليه باسم الديمقراطية التمثيلية.

ان مثل هذه التصورات لا يمكن ان تقود -حسب الكاتبين – الا الى الاستبداد و العنصرية و اثارة النعرات القومية المعادية للأجانب و لكل أشكال الإختلاف و هو ما نراه في بعض بلدان اوروبا الشرقية مثل بولونيا و المجر و التشيك و حتى في روسيا و الولايات المتحدة الأمريكية مع ترامب. هذه البلدان و نخبها الشعبوية التي اصبحت تنظر لما يعرف باللاليبرالية أي بعبارة أخرى اعتماد الليبرالية الإقتصادية بدون الديمقراطية والحريات. و هو ما ذهبت إليه بالفعل في ضرب كل أشكال حرية التعبير و التنظيم و خنق كل أشكال المعارضة.

.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s