اليسار والثورة نحو الخروج من الزاوية

نص المداخلة التي قدمها الرفيق محمد عمامي, خلال الندوة السياسية التي نظمها حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد يوم 6 فيفري, بمناسبة الذكرى السابعة لاغتيال الرفيق الشهيد شكري بلعيد

بقلم محمد عمامي

شكرا لكل الحاضرين الذين لبوا الدعوة لمواكبة هذه الندوة؛ شكرا لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد الذي بادر بالدعوة؛ تحية لروح صديقنا ورفيقنا الفقيد شكري بلعيد في هذه الذكرى الأليمة، ذكرى اغتياله يوم 6 فيفري 2013. وبعد يومين من فاجعتنا تلك فجعنا في الثورة نفسها (8 فيفري 2013)، ذلك اليوم الذي يمثل لحظة قصوى وحاسمة في مسار الثورة التونسية وهي لحظة تاريخية فاصلة بين أفقين محتملين إما انتصار الثورة واندحار الثورة المضادة أو العكس. ومع الأسف أهدرت تلك اللحظة وانفتحت حقبة هيمنت فيها الثورة المضادة وتشكلت في ائتلاف رجعي استولى على السلطة وبدأ في قضم المكتسبات الهشة التي تحققت إلى حد ذلك الحين.

في هذه المداخلة سأسوق بعض الملاحظات التقييمية التي أرجو أن تكون مساهمة أولية في نقاش معمق وثري يفضي إلى تبين سبل التجاوز والخروج من حالة الجمود والتقلص والضمور التي ما فتأت تصيب اليسار بصفة عامة والقوى الثورية خصوصا. وهو نقاش لا يمكن لمناسبة أو بضع مناسبات أن تستوفيه، غير أنّ الانطلاق بعدُ في وضعه على جدول الأعمال هو في حد ذاته أمر شديد الأهمية. سأحاول، طوال هذه المداخلة الإجابة بالخصوص على سؤال أراه حارقا: ما الذي جعل تنظيمات اليسار (أحزابا وجبهات) تُعزل أو تنعزل وتبقى على هامش الثورة في الوقت الذي كان مناضلوها ونشطاؤها فاعلين أساسيين في تفجيرها، وقادة ميدانيين لمسارها وشحم مدافعها؟  

لن يكون في مقدوري في بضعة دقائق أن ألم بمجمل العوامل والمؤثرات التي تفاعلت وتتفاعل لتنتج هذا الوضع غير أنني سأركز على بعض النقاط التي تبدو لي هامة ووازنة في عزلة اليسار وتفككه وهامشيته في وضع كان من المفروض أن يساعده على التطور ولعب دور أساسي في المسار الثوري. كثيرا ما نرى “تقييمات” متسرعة وانفعالية وذاتية وتبريرية بالنسبة للبعض، تقصر الأمر على خيانة فلان أو تخاذل علان أو نرجسية هذا أو عصبوية ذاك. غير أن مثل هذه التقييمات لا تتجاوز سطح الأمور ولا تنفث للعمق. فإذا كان للأفراد دورهم في دفع أو تعطيل تطور حركة سياسية واجتماعية ما، فإن ذلك الدور لا يمكن أن يفسر وحده ما وصل اليه اليسار من وهن وتذرر لا فقط في تونس والمنطقة العربية بل أيضا على المستوى العالمي. لذلك حاولت أن أفكر في تشابك العوامل التي تفاعلت وتتفاعل كي تؤدي لما نحن عليه اليوم.

1 التصور العام للثورة

ينظر اليسار للثورة على أنها مخطط حزبي ومشروع متكامل يعدّ سلفا في أطر وهياكل ومقار الأحزاب/الجبهات الثورية ويقع الدعاية له حتى يتشبع به أكثر ما يمكن من الطبقات والشرائح الاجتماعية المؤهلة أو الموكول لها الثورة. والثورة إذن، حسب هذا التصور، تبدأ نظرية وتنتهي تطبيقا لتلك النظرية بأكثر ما أمكن من وفاء ومنطقية. وكثيرا ما تؤوّل مقولة لينين المشهورة “لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية” على أنها “لا ثورة بدون نظرية ثورية”. وهذا الخلط بين الحركة الثورية التي تتضمن منظمات وأحزاب وجبهات سياسية ثورية وبين الثورة في حد ذاتها ساهم في جمود نظرة اليسار للثورة بوصفها منتوج مخبري لعلماء الثورة لا فعل جماهيري وحركة ذاتية للطبقات والفئات الثورية. لذلك غرق جزء من اليسار في نقاشات وتحديدات من نوع “انتفاضة أم هبة شعبية أم ثورة؟”. ووجد هؤلاء أنفسهم أمام حيرة بين واقع حي لا يخضع لقالب النظرية وبين جمود النظرية التي نقلت جاهزة منذ أن صيغت في القرن 19 وبداية الق 20. بدت إذن الثورة فعلا مرتجلا مفاجئا ومتصاعدا، انفجر أولا في مجالات محلية ضيقة ومحدودة جغرافيا (مدينة، قرية، حي سكني، قطاع، جهة) ثم اتسعت فجأة وبشكل تلقائي غير مدروس ولا مخطط له كي تشمل بلدا كاملا وبنفس الفجائية والتلقائية امتد تأثيرها على مستوى إقليمي وعالمي. فالثورة، إذن، لا تعترف بلوحة خصائص (configuration) ثابتة ونمطية مثل ما يتوهم جزء هام من اليسار، وهو وهم جعله يتخذ مواقف متباطئة وانتظارية تجاه الأحداث، رغم الحضور المكثف لمناضليه وتفاعلهم مع المسار الثوري بدون التأثير على أجهزة منظماتهم أو أحزابهم حتى أنهم خضعوا إلى موجة العداء البدائي لكل تنظيم سياسي ولكل مناضل متحزب ولكل “ايديلوجيا” وساهموا في نزع التسيس عن الحراك الثوري وهو العمل الذي استثمرته الثورة المضادة في ما بعد مقدمة الأمر على أن الجميع بدون استثناء كان معنيا بثورة “الياسمين” ولا أحد يحق له احتكارها أو الزعم كونه أكثر ثورية من غيره.

2 ثورة وطنية ديمقراطية (جزئية) أم ثورة اجتماعية شاملة.

+ أية وطنية؟

مع تدخل اليسار في مجرى المسار الثوري بدأت تبرز شيئا فشيئا شعارات الثورة الوطنية الديمقراطية باعتبارها أولوية الثورة في المرحلة الأولى وألحقت بعض المطالب الاجتماعية بهذا المنظور ولكن بوصفها مطالب من درجة ثانية أمام أولوية حل مسألة “الشرعية” وتأسيس الجمهورية الثانية عن طريق المجلس التأسيسي الذي اعتبره اليسار فاتحة ومعبرا ضروريا لإعادة تشكيل نظام سياسي وأمني أكثر ديمقراطية واستقرارا، تستطيع بموجبه شرعية جديدة أن تنجز مهام “الانتقال الديمقراطي” الذي عوض بهدوء وبصمت الثورة الوطنية الديمقراطية (سنعود لهذا المفهوم في ما بعد) كما بدأ التأكيد على السيادة الوطنية التي تعني بالنسبة لليسار سيادة السلطة المركزية (برلمان وحكومة ورئاسة) على القرار (مراجعة الاتفاقيات المهينة) والثروات (تدخل الدولة التعديلي ومقاومة الفساد والتهرب الضريبي والنهب والتهريب) وفي أقصى الحالات تأميم بعض القطاعات الاستراتيجية بوضعها تحت تصرف الحكومة المركزية، أي بين أيدي من فرطوا فيها أو من هم على شاكلتهم، رغم ما رصّع ذلك الخطاب بتنصيب “كفاءات وطنية” أو تكنوقراط أو حكومة انقاذ، وهي كلها تسميات لمسمى واحد. ولقد رفض اليسار بشدة مسار الثورة الاجتماعية التي تشمل تشابك المهام الثورية ذات الطابع الاقتصادي/الاجتماعي والسياسي والثقافي وتشمل في ما تشمل المهام الوطنية والديمقراطية الذي جسدته الحركات الاجتماعية في جهات عديدة وفئات وشرائح اجتماعية لم تكن ضمن أولويات اليسار.

تقدم الثورة الوطنية الديمقراطية على أنها ثورة سابقة عن الثورة الاجتماعية وذات مهام مفصولة عنها. وأكثر من ذلك، يرتهن المرور الى الثورة الثانية بمدى النجاح في الإنجاز التام لمهام الأولى. وعلى مستوى القوى الاجتماعية المعنية بهذه الثورة يبشر اليسار بجبهة عريضة تشمل الشغالين والبرجوازيبة الصغيرة (الريفية والمدينية) و”البرجوازية الوطنية” المعنية حسب رأيهم بتطوير نظام “وطني”؟ واقتصاد وطني؟! ورغم اغفال تحديد طبيعته الطبقية، يعلم الجميع استنادا لمرجعيات يسارنا، أن المقصود نظاما رأسماليا “وطنيا” أسوة بالرأسمال في طوره الأول حين كان تراكمه وتطوره مشروطا بحماية السوق الداخلية والسيادة على مجاله أي داخل حدود الدولة القومية.

لقد ظل هذا التصور حبيس أنماط تفكير ستاتيكية ترفض الاعتراف بتطور المجتمعات الرأسمالية المحيطية منذ قرنين وتشعب العلاقات وتشابكها مع مراكز الرأسمال المعولم وتنوعها وإعادة صياغة أشكال وآليات الاستعمار طوال قرنين ونيف. وهو يغفل أنّ مع عولمة الرأسمال تغير الأمر جذريا وأصبحت أوليات مصلحة الرأسمال “الوطني” (ورفعا لكل التباس أخيّر مفهوم “برجوازية محلية” الذي اقترحه نيكوس بولانتزاس منذ سبعينات القرن العشرين على الإيهام بوطنية طبقة أصبحت معولمة منذ عقود طويلة وتضاربت مصلحتها مع حماية الحدود الوطنية إذ تحول مفهوم الوطنية (القومية بالنسبة للبلدان التي صهرت قسرا القوميات الأقلية في قومية مهيمنة)، تحول إذن مفهوم الوطنية إلى توصيف عاطفي يقدم البرجوازية المحلية كمحبة للوطن ومضحية من أجله وهو مغالطة ما بعدها مغالطة.

إن هذا التصور يخلط بين بلدان ترزح تحت الاحتلال الاستعماري المباشر وخاضت (تخوض) حروب تحرير وطني تجبر فيها على التحالف مع قطاعات ليست بالضرورة جذرية في مواجهة الاستعمار ولكن مع الحفاظ على الاستقلالية تجاه هؤلاء الحلفاء وتصون حرية نقدهم وإنهاء التحالف معهم ما إن يقلبوا ظهر المجن. وحتى في هذه الحالة فالمبدأ دوما ربط التحرر الوطني بالانعتاق الاجتماعي وهو ما يخلق مساحة نزاع يخمد ويبرز حسب أطوار المواجهة مع العدو الخارجي.

وعلى كل حال لا تعيش تونس هذه الحالة من الاحتلال الذي يفرض التحالف العابر للطبقات والصاهر للقوى الوطنية لمواجهة احتلال خارجي بل أصبح الاستعمار في شكله الجديد يمر عبر برجوازيتنا المحلية بالتحديد وكذلك عبر بيروقراطية الدولة التي تأمن بنفسها مصالح “شريكها” المستعمر بوسائل عديدة لا تستثني القمع المفتوح والرشاوي والاستعانة بفئات بيروقراطية أخرى ليس أقلها البيروقراطية النقابية وبيروقراطية المنظمات غير الحكومية وبعض الأحزاب المعارضة لأن في تأمين مصالحه تأمين لمصالحها هي.

 إنّ مواجهة الاستعمار الجديد، إذن، تتجسد عمليا وبصورة مباشرة عبر مواجهة ممثليه المحليين من رأسماليين وبيروقراطيين وفرض الإطاحة بالمنظومة الرأسمالية المتشابكة مستوياتها محليا وإقليميا ومحليا. نفس الطبقة ونفس المصالح وكل له من الأرباح نصيب يكبر أو يصغر حسب شروط الشراكة. وهذا ما يحملنا على التنبيه إلى أن السيادة الوطنية الحقيقية هي اليوم مشروطة بالخروج من الرأسمالية، وأنّ استعادتها يندمج ضمن تشابك المهام التي على الثورة الاجتماعية حلها دون الوقوع في المرحلية وفصل الوطني عن الاجتماعي.

 ويكفي أن نلقي نظرة على البلدان التي شهدت ثورات تحرر وطني في القرن العشرين حتى نلاحظ أن البلدان الوحيدة التي حافظت على استقلالها وطورت اقتصادات مستقلة وحمت ثرواتها وسيادتها على قراراتها هي تلك التي لم تفصل الثورتين بل بنت نظاما اشتراكيا كتتويج لحركة تحرر وطني رغم نصائح الكومنترن ثم الأخ الأكبر (الاتحاد السوفياتي) والضغط عليها وتعرضها لتهمة التروتسكية من نظام الكرملين (الصين، الفيتنام كوريا الشمالية، كوبا…) وضمنت بذلك استقلالها وتحررها من الاخطبوط الرأسمالي رغم تأخرها وضعف بعضها وصغر حجمها في بعض الأحيان (ولو أنها تكشفت عن دكتاتوريات اشتراكية الدولة ولكن ليس هذا مجال نقاش تلك المسألة). من جهة أخرى تسرب الرأسمال من جديد ومعه التبعية والاستعمار بشكله الجديد في بقية البلدان عن طريق ثوار الأمس بالذات (بيروقراطيي دول ما بعد الاستعمار المباشر) لأنها وجدت نفسها مربوطة به عضويا ولا فكاك لها منه طالما هي جزء من نفس المنظومة الاقتصادية/الاجتماعية (الرأسمالية) وتتطور بنفس الآليات وضمن نفس المنطق الرأسمالي المعولم (وهو حال أنظمتنا القومية العربية والشبيهة بها).

 لا تحرر، إذن، من الاستعمار في ظل الرأسمالية المعولمة لأن الاستعمار من طبيعتها وتنتجه ميكانيزماتها ولا يمكن فصله عنها أو اختراع رأسمال من طبيعة مغايرة. وهكذا تصبح السيادة الوطنية ضرورةً سيادة شعبية على القرار والثروات والمرافق الاجتماعية… وذلك بعدم توكيل الحكومة المركزية المتواطئة حتما بل بمشركة الإنتاج والتوزيع والخدمات العمومية تحت تسيير ذاتي تؤمنه هياكل منتخبة انتخابا مباشر انطلاقا من المحلي والقطاعي والجهوي قابلة للعزل، وتتفدرل بصورة ديمقراطية بمساهمة ممثلين عنها في تشكيل مجلس وطني ينتخب من صلبه حكومة (هيكل تنفيذي) تنفذ قراراته وتخضع لرقابته وقابلة للعزل جماعيا أو فرديا. سأعود لهذا المقترح بالتفصيل في ما بعد.

+ وأية ديمقراطية؟

بالنسبة لليسار، الديمقراطية تعني الديمقراطية النيابية أو البرلمانية، أي ما يسمى الديمقراطية البرجوازية؛ وكأنه لا توجد أنواع أخرى. غير أنّ الديمقراطية ديمقراطيات منها ديمقراطية المساهمة (participative)، وديمقراطية شبه مباشرة (يحدد الدستور بعض القوانين التي لا يمكن اتخاذها بالديمقراطية النيابية ويشرط اتخاذها باستفتاء)، وكذلك ديمقراطية مباشرة، تلك الديمقراطية التي تبرز في كل ثورة في اللحظة الحاسمة من بدء تفكيك السلطات القديمة والاستعاضة عنها بهياكل تنتخب في خضم الحراك الثوري أي من صلب “الحركة الذاتية للجماهير” حسب عبارة روزا لكسمبورغ. وهو أمر عادة ما يستهجنه “علماء الثورة”، ويعتبرونه أمرا “عفويا” لا بد من مقاومته والدفاع عن “الدولة الوطنية” أي عن تلك الصفوة من المتنفذين المنصّبين ذاتيا، الذين اغتصبوا السلطة ووضعوا عليها حراسا مسلحين وأعوان تخبيل ومخاتلة يحمون نظامها ويؤبّدون قدرية الدولة القائمة وقدسية النظام العام.

 والديمقراطية المباشرة كانت تتويجا طبيعيا لكل ثورات القرن العشرين، تلك الثورات التي شهدت بروز هياكل تسيير ذاتي محلية وقطاعية وجهوية تفاعلت وترابطت وتضامنت كي تخلق نظاما فدراليا اجتماعيا يتوج بمجلس وطني يتقاسم الصلاحيات مع الهياكل الأقرب إلى حياة المواطن، فيختص هو بما هو عام (وطني) وتختص الهياكل المحلية بتسيير ما هو خاص بمجالها وتفوض مندوبيها لمؤتمرات واجتماعات المجلس الوطني وتراقبهم حتى إذا جنح للدفاع عن رأي لا يمثل ناخبيه عزل بكل بساطة بأغلبية أصوات ناخبيه.

تمثل كومونة باريس أولى التجارب الحديثة لمثل هذه الديمقراطية قبل أن تهزم وينتهي الأمر إلى حكم البرجوازية وتسود الدولة اليعقوبية شديدة المركزية.  ولقد تعززت الرؤيا وتوضحت أكثر مع النظام السوفياتي الذي مع الأسف سريعا ما انقلب عليه الحزب/الدولة الذي ارساه البلاشفة وأفرغوا السوفياتات من محتواها والحقوها بسلطتهم. نفس الشيء وقع في عديد البلدان التي واجهت الأحزاب الاشتراكية (المانيا بقيادة فريديريتش ايبرت) اسبانيا والمجر والبرتغال بتحالف الجمهوريين (الاشتراكيين والشيوعيين) وأخرها تونس التي شهدت بداية تشكل لجان حماية الثورة فعارضها اليسار بمجلس وطني لحماية الثورة هو عبارة عن شراكة حزبية ومنظماتية تمتد من الخوانجية وما تبقى من الدساترة الى بيروقراطية الاتحاد العام التونسي للشغل وباقي المنظمات وأحزاب اليسار. ولقد تصدى اليسار لمحاولة فدرلة لجان حماية الثورة في نابل افريل 2011 وأجبرها على الانكفاء الى هياكل مفرغة مجرد استشارية لأعوان الدولة (معتمدين وولاة) المنصبين من قبل حكومة مؤقتة (السبسي/مبزع) لا شرعية لها سوى ما أغدق عليها الاتحاد العام واليسار الذي ضحى ببرنامجه المخفي في الرفوف لينصهر في ما سمي بـ “المسار الانتقال الديمقراطي”” الذي نعرف أطواره وتبعاته.

المركزية المشطة كأسلوب عمل وتفكير وبناء

          يعتقد بعض منتقدي مركزية الأحزاب اليسارية أنها مجرد مركزية تنظيمية وتكفي دمقرطة الحياة الداخلية للتنظيمات حتى يقع تجاوز تلك النقيصة. ولكن الأمر أعمق من ذلك بكثير. فالمركزية تحكم كل أوجه النشاط السياسي والتسيير والتصورات. طبعا المركزية التنظيمية ولكن أيضا المركزية السياسية أو ما يعبر عنها، بلغة عسكرية، بالاستراتيجيات، تلك الخطة العامة التي تفضي إلى مهمة مركزية أولية ألا وهي استيلاء الحزب على سلطة الدولة كبديل عن الجماهير الثائرة وكحاكم لها منذ ذلك الحين عوضا عن الفريق الحاكم القديم. وطبعا تعود الدولة نفسها، بوصفها جهاز أجهزة ممركزة، لتتولى مهامها المعتادة في فرض النظام العام بالضبط إن أمكن وبالقمع إن لزم الأمر. لذلك يحتاج الحزب للدولة القائمة ويرفض تفكيكها ويدافع عنها وعن “الأمن الوطني” و”الجيش الوطني” و”السيادة الوطنية” التي تتجسد في مراكز السلطة السياسية الثلاثة: الرئاسة والحكومة والبرلمان.

          تجد مركزية اليسار تفسيرها أولا في الثقافة السياسية التي تربى عليها وهي اللينينية بوصفها مرجعية تقود مجمل اليسار التونسي؛ ولكن أيضا في تربية مدرسية وجامعية لزعاماته وكوادره وفي تربية نقابية في صلب الاتحاد العام التونسي للشغل، وهو قمة المركزية وشاهد على طغيان أقلية بيروقراطية على مجمل هياكله وأطره وممتلكاته ومناضليه. فالاتحاد العام التونسي للشغل يعيش مفارقة غريبة تبدو أمرا طبيعيا لكونها دامت عقودا طويلة فاكتسبت مشروعية. 15 عضوا يكوّنون المكتب التنفيذي يحكمون 750.000 نقابي بقطاعاتهم وجهاتهم ومحلياتهم المختلفة لأنهم يبدون أكثر “شرعية” بعد المؤتمر من كل الهياكل بما فيها أكثرهم تمثيلية وقدرة على اتخاذ القرارات العامة مثل المجلس الوطني والهيئة الإدارية الوطنية التي من المفروض أن يكون المكتب التنفيذي نفسه تابعا لها بالنظر. ولكن لكونه منتخبا من قبل المؤتمر العام، يصبح المكتب التنفيذي الهيكل الأهم والأكثر مشروعية وسلطة بين مؤتمرين. وهكذا لا تستطيع الهيئة الإدارية حتى الاجتماع ما لم يدعها المكتب التنفيذي؛ ولا تكون قراراتها نافذة وشرعية ما لم يصادق عليها المكتب التنفيذي وبالخصوص الأمين العام، وهو الحاكم الناهي حتى أن بقية الأعضاء هم مجرد مساعدين له.

والاتحاد العام التونسي للشغل ليس إلا مرآة عاكسة لحزب الدستور. فمنذ تولي بورقيبة زعامة الحزب الحر الدستوري (ثم الحزب الاشتراكي الدستوري) تطورت في صلبه مركزية بيروقراطية وصلت إلى حد الحكم الفردي وعبادة الشخصية حتى تحول ذلك الحزب إلى ميليشيات تابعة للزعيم وبطانته. وذلك ما سهل على بن علي، إثر انقلابه على بورقيبة، إخضاعه لنظامه البوليسي وجعله مجرد شبكة من الوشاة في خدمة أجهزة الداخلية بعد أن أحال قياداته على التقاعد الإجباري وغير إسمه ونصّب نفسه رئيسا عليه.

          ولقد تأثر اليسار أيضا بهرمية الاتحاد العام لطلبة تونس الذي ورث قيادته عن حزب الدستور نفسه منذ بداية السبعينات، فضلا عن تأثره بالتيارات القومية المتمركسة وغير المتمركسة التي كانت دوما منهلا من مناهل الثقافة السياسية لليسار التونسي والعربي عموما. ونعرف كم كانت ولا زالت الحركة القومية بمختلف فصائلها شديدة المركزة والهرمية وذات نزعة عسكرية. ويكفي أن نشير هنا إلى أنّ ما يصح على الأحزاب اليسارية والاتحاد العام التونسي للشغل يصح على كثير من المنظمات غير الحكومية والجمعيات التي تدور في فلك اليسار وما يسمى بالحركة التقدمية. فالثقافة مشتركة والهدف واحد والأساليب تتقارب.  ولا غرو أن نجد أجزاء هامة من اليسار التونسي منبهرة بالأنظمة القومية العربية العسكرية والدكتاتورية الحمائية كنظام صدام حسين أو القذافي، والأسد وأكثر منهما، نظام الجنرالات في الجزائر. وهي تطمح إلى بناء دولة “قوية” تكثف صفات الدولة الأب/العرف/الراعي/الكافل لمنظوريه.

الفدرالية الاجتماعية عوضا عن المركزية البيروقراطية

ربما يذهب الكثير، عند الكلام عن الفدرالية، إلى الشكل الأبسط والذي استهلكته الرأسمالية أكثر من غيره أي الفدرالية الترابية أو الجغرافيه. غير أنّ الفدرالية أنواع ومستويات. هناك فدرالية عقائدية (دينية، طائفية (لبنان مثالا) … وهناك فدرالية أثنية وفدرالية قومية. ولكن الثورات طرحت أيضا منذ كومونة باريس وثورات القرن العشرين الفدرالية الاقتصادية/الاجتماعية والسياسية. فالثورة الروسية مثلا تضمنت 3 أصناف من الفدرالية: المجالية الجغرافية (توحيد مناطق ومستعمرات قديمة للإمبراطورية القيصرية توحيدا طوعيا وفيدرالية قومية (توحيد طوعي لقوميات مختلفة ضمن مبدإ حق تقرير المصير (حرية الانفصال والتوحد) وكذلك فدرالية اجتماعية عبرت عنها السوفياتات التي توجت باتحاد سوفياتي فدرالي تتوزع فيه السلطات بين الهياكل المحلية والقطاعية والجهوية والمناطقية التي خلقت من رحم الثورة وتوسعت وتفدرلت لتكون الاتحاد السوفياتي كسلطة سلطات أي سلطة جامعة تهتم بما هو عام وتترك الصلاحيات للمجالس المحلية والقطاعية والجهوية تسير ما هو تحت تصرفها (هنا يدور الحديث طبعا حول الحكم السوفياتي في الثلاث سنوات الأولى).

هل من الممكن لنظام من هذا النوع أن يقوم في ظل دولة رأسمالية توحيدية قسرية تقوم على المركزية الهرمية وتصهر التناقضات الاجتماعية والأثنية والقومية… ضمن “وحدة وطنية” صماء تتحكم فيها أوليغارشيا عسكرية و/أو مدنية؟ قطعا لا. لننظر إلى مسار الثورة التونسية لنتبين بروز وحدود هذا الأفق. منذ أيامها الأولى ومع موجات المسار الثوري تلازم شعار “ديقاج” المرفوع في وجه منصبي الدولة البوليسية (عمد، معتمدين، ولاة، مجالس بلدية، مدراء عامين) مع إرساء لجان حماية الثورة التي تصرفت في الأحياء والمدن والقرى كبديل عن سلطة الدولة ونظمت الحياة اليومية والتضامن الاجتماعي والدفاع الذاتي في مواجهة البوليس وميليشيات نظام بن علي.

غير أنها واجهت بطريقة متفاوتة، لا فقط الدولة البوليسية، بل العالم السياسي القديم برمته (معارضة ليبرالية، يسار، مركزية نقابية ومنظمات غير حكومية الخ). لذلك لم تتحول إلى هياكل دائمة لسلطات بديلة عبر تأسيس نظام انتخابي مباشر وخاص بها، ولم تتصد لمهمة استعادة المنهوب العمومي والتصرف فيه وفرض نفسها كحكم على مجالها (قرية، مدينة، حي، وحدات انتاج) رغم المحاولات العديدة في جهات عدة (الحوض المنجمي، الكامور، الفوار…). والتجربة الوحيدة التي نجحت في تلك المهمة هي لجنة حماية الثورة بجمنة التي تحولت إلى جمعية محلية (حصنت نفسها بإطار قانوني) ورغم كل الضغوطات والقلاقل رفضت بشدة تقسيم الملك العمومي بعد استعادته. وفرضت على الدولة والمجتمع كاملا (الى حد الآن) رغم الحصار والقمع، نظام تسيير ذاتي يقوم على ديمقراطية مباشرة تقرر فيه الجلسة العامة المجتمعة في ساحة عمومية مخصصة لذلك وسط القرية. وهو أسلوب حكم وتسيير محليين لا يخضع لمنظومة الخوصصة والتوظيف وتقاسم الأرباح بل يقوم على استغلال المنتوج للصالح العام وتشغيل الشباب وتنمية الجهة من مختلف جوانب التنمية (بنية تحتية، خدمات اجتماعية أساسية، نشاطات ثقافية ورياضية، رعاية اجتماعية لذوي الحاجات الخصوصية والمرضى الخ…)

وتحاول جمنة أن تربط علاقات تبادل وتفاعل وتعاون وتضامن مع عديد الهياكل المحلية والجهوية وما بعد الجهوية. إنّ الفدرلة الاجتماعية تعني بالضبط توسع وتنوع وتفاعل وتشابك مثل هذه الهياكل ومشاركتها وتمثلها في مستويات أوسع وأكثر مركزية حتى يكون القرار جماعيا ديمقراطيا وشفافا. إن جمنة هي شاهد على ما ستكون عليه السلطات العمومية المحلية التي من الطبيعي أن تنخرط في تشابك سلطات أخرى تفضي إلى فدرالية اجتماعية على المستوى الوطني. ويمكن للتنظم الذاتي ولهياكل التسيير أن تتخذ أشكالا قانونية عديدة مثل الجمعيات أو التعاونيات أو البلديات (mairies أي حكومات محلية مصغرة وليست بلديات تختص في “الزبلة والخروبة” كما هو حال بلدياتنا) … إنّ الديمقراطية المباشرة تفترض نظاما انتخابيا متصاعدا يبدأ من الدائرات الأصغر (دوار، مؤسسة إنتاجية، حي، قرية، مدينة…) إلى الدائرات الأوسع والأكثر مركزية لا العكس، وهو ما يجعل كل المستويات ممثلة بمفوضيها في جميع المؤسسات الوطنية.

مسار ثوري أم مسار انتقال ديمقراطي

منذ منعرج القصبة 2 وتبني المجلس التأسيسي وإفشال مؤتمر نابل (أفريل 2011) عوض المسار الثوري بـ”مسار الانتقال الديمقراطي” المعد سلفا من “خبراء” الاتحاد الأوروبي والذي أجهض ثورات أوروبا الشرقية وأدمجها في الديمقراطية الليبرالية. وبرعاية الأمم المتحدة وبتمويل مؤسسات أوروبية وعالمية، تحول ذلك المخطط إلى وصفة نمطية (standard) يواجه بها الرأسمال المعولم جميع الثورات في العالم وعلى راسها الثورة التونسية بما يعني ذلك التمشي من مرافقة وتمويل وتخطيط من قبل سبونصورات ثورة فوقية تلعب فيها بيروقراطيات المجتمع المدني الدولي والمحلي وإدارات النظم المتهاوية دور الحاضنة “للانتقال نحو الديمقراطية”. وهو “انتقال” يقدم نفسه على أنه وليد الثورة نفسها وينتحل صفة بديل عن الدكتاتوريات الساقطة.

 وطبعا يحصر “المسار الديمقراطي” مهام “الثورة المدنية السلمة” في رسكلة وإعادة تشكيل النظم السائدة بتطعيمها بمسوخ ديمقراطية يقودها ما أطلق عليهم اسم “كفاءات وطنية” أو “تكنوقراط”. ويقوم ذات المسار على شراكة توافقية بين لوبيات رجال الأعمال ودولتهم وبين المنظمات التي تنسب نفسها للثورة أو التي رافقت المسارات الثورية من موقع الناصح الراعي وحامية الثورة من الراديكالية والعنف، أي من نفسها! وهكذا انتصرت الثورة الفوقية، ثورة البيروقراطيات على ثورة التحت، ثورة المهمشين والمحرومين (الشبيبة المعطلة والمقصية (متعلمة وغير متعلمة)، النساء المضطهدات الرازحات تحت كلاكل المجتمع الذكوري والمستغلات استغلالا مضاعفا ومواطني أحزمة البؤس في المدن والقرى والأرياف.

 مقابل هذا الاختزال للثورة الاجتماعية في “انتقال ديمقراطي” تطورت موجات المسار الثوري من المحليات وانتشرت عبر الجهات والمدن والقرى لتعمّ البلاد وتفرز حركات اجتماعية ركزت بوضوح عن مطالب طرحتها للإنجاز بوصفها مهام الثورة التي يطمحون لتحققها. ولقد حاولت تلك الحركات وسط معارضة جميع التشكيلات السياسية أن تمر إلى الفعل فكانت عرضة لقمع بوليسي وعسكري مفتوح. لقد هال محترفو السياسة من كل المشارب إصرار الحركات الاجتماعية على تدخلها في طرح قضية الملكية والتصرف في الثروات والمقدّرات والمرافق العمومية واسترجاع المنهوب منها. وبدا كأنها تعدت الخط الأحمر واستفزت كل أطراف التوافق السياسي بما في ذلك اليسار والاتحاد العام التونسي للشغل الذي كان يسارع دوما للوساطة وحصر الأمر في تشغيل الشباب الثائر وإنقاذ ملكية النهابين واستقرار حكومتهم.

 لم تتجاوز ثورة المهمشين طاقة استيعاب اليسار فقط في ما طرحته من مهام اجتماعية ومن مفهوم جديد للسيادة الوطنية وللتحرر من طغيان السلطة المركزية والمشاركة في القرار والتسيير، بل أيضا في أشكال التنظم الذاتي وتسيير الخلافات بكل ديمقراطية ونقاش علني مفتوح للجميع وبأشكال نضالية مبتدعة وفنية. باختصار لم ينتبه اليسار إلى كون الثورة الاجتماعية هي ثورة شاملة تقلب التصورات القديمة في جميع المجالات راسا على عقب وتخلق ثقافتها وديمقراطيتها ومنظومتها الاقتصادية الاجتماعية وطرق عيشها وتعايشها.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s