” القوى الوطنية الثورية : الواقع و آفاق التجاوز “

نص المداخلة التي قدمها الرفيق زياد الأخضر, الأمين العام لحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد, خلال الندوة السياسية التي نظمها الحزب يوم 6 فيفري, بمناسبة الذكرى السابعة لاغتيال الرفيق الشهيد شكري بلعيد

بقلم زياد الاخضرأمين عام حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد

ينظم حزبنا هذه الندوة السياسية الفكرية في ذكرى اغتيال الشهيد شكري بلعيد ايمانا منا بان الوفاء للشهداء لا يتطلب البكاء والعويل والترديد الببغائي لمواقفهم وانما التفكير والنقد والعمل من أجل انتصار المشروع الذي ضحوا من أجله.
تنعقد هذه الندوة بعد هزيمة انتخابية مني بها حزبنا في انتخابات 2019 وقد سبق للجنة المركزية للحزب أن أعلنت بوضوح أن قيادة الحزب تتحمل مسؤولية ذلك وهو ما يعني أننا نعترف بأن أوضاعنا الحالية ناتجة أساسا عن أسباب تتعلق بنا في مستوى تفكيرنا وفهمنا للواقع وممارستنا السياسية بعيدا عن تبريرات الفشل عبر اتهام الاعلام الموجه واللوبيات النافذة أو بعض شركائنا السابقين الذين اختلفوا معنا .
إن النظر في واقع القوى الوطنية الثورية وآفاق تطورها يتطلب أولا النظر في ممارستها السياسية في ضوء فكرها الذي به تفهم الواقع ومدى قدرته على  التجذر في مسار الثورة وعلى استباق التجربة بعين النظرية على حد قول الشهيد مهدي عامل . وللحقيقة فإن هذا الأمر يتطلب معرفة وجرأة يسندها اقتناع عميق  بأنه ليس لدينا مصالح خاصة ندافع عنها وأن دورنا هو دعم كل حركة ثورية تناضل ضد النظام الاجتماعي  والسياسي القائم .

يجدر بنا التأكيد بأن مسارات  ثورية انطلقت في مناطق متعددة من العالم وبالأخص في منطقتنا العربية في سياق الأزمة العميقة للنظام الرأسمالي   التي تنعكس بشكل كارثي على الاقتصاديات التابعة والهشة مخلفة تصاعد البطالة خاصة في صفوف الشباب ، و توسعا لدائرة الفقر والتهميش،و تصفية متسارعة للخدمات الاجتماعية الأساسية، (التعليم والصحة، السكن الاجتماعي والنقل). وانتشارا واسعا للفساد في مختلف أجهزة الدولة والمجتمع.وسأقتصر في هذه المداخلة على رصد بعض المواقف والممارسات لهذه القوى في علاقة بمسار الثورة الذي تفجر في 17 ديسمبر  وادى الى اسقاط رأس النظام الدكتاتوري العميل  في 14 جانفي 2011ومن ثمة تفكيك مؤسساته التمثيلية وحل أداته الحزبية و تذرير مكوناتها وهو ما سمح لنا ولغيرنا من القوى السياسية بالنشاط السياسي وطرح برامجنا السياسية على الشعب علنا.
 
1/ لقد تكبدت هذه الأطراف سنة 2011 في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي الذي كانت من الأطراف المنادية به هزيمة ثقيلة وفي محاولاتها لتقييم الأداء في هذه المحطة فإنها توقفت عند ضعف قدراتها التنظيمية وقلة إمكانياتها المالية وتشرذمها  .
في حين أنها لم تقم بتفحص ونقد :
ـ القبول المعلن او الضمني بحل اعتصام القصبة 2 الذي شكل  أهم سلاح في يد القوى الشعبية المعنية بالتغيير مقابل رحيل حكومة الغنوشي الثانية وحل المؤسسات الصورية والتعهد بإنجاز انتخابات المجلس التأسيسي
ـ التركيز على انتخابات المجلس الوطني التأسيسي واعتبارها المدخل للتقدم بالمسار الثوري وتحقيق مطالب الشعب, في ظل عدم تحييد المؤسسة الأمنية وتفاقم تأثير المال الفاسد والتدخلات الخارجية المشبوهة  وفي ظل موازين قوى اقليمية ومحلية لم نقدرها جيدا
ويهمنا ان نتساءل ألا يعكس ذلك في الحقيقة تخليها عمليا في وضع الغليان الاجتماعي عن مهمة التنظيم المباشر للجماهير وتسليحها بالوعي الثوري بما يسمح لها ان تكون قاطرة لتحالف شعبي وطني رغم التصريحات المتكررة باعتماد النضال الجماهيري الواسع  من أجل تجاوز السائد .
فالبورجوازية العميلة وممثليها السياسيين لم يكونوا يأبهون بالمجلس التأسيسي في حد ذاته بل بمواصلة هيمنة أعوانها على مفاصل الدولة والاقتصاد من ناحية وبتوقف حالة التعبئة الشعبية التي كان يمكن أن تتطور الى حالة أرقى تهدد هيمنتها ومصالحها الحيوية .لقد كانت معنية بإضعاف أعدائها وشل حركتهم تحت يافطة استقرار البلاد والمحافظة على الدولة وتم التهليل للادارة التي شكلت بيروقراطيتها وما زالت النواة الصلبة التي ساهمت في  تمكين التحالف الطبقي الرجعي العميل  والأحزاب الطامحة لتمثيله من  استرجاع زمام المبادرة والقدرة على المناورة ومواصلة نفس السياسات اللا شعبية .
2/ فشل هذه الفصائل رغم كل الجهود المبذولة في الانغراس في الأوساط الشعبية وهي التي تعي جيدا أن علاقة الاحزاب والجبهات الثورية بالجماهير الشعبية تشبه علاقة السمكة بالماء الذي يمدها بأسباب البقاء والنمو .
ولعل أهم المشكلات التي أدّت بهذه الفصائل إلى هذا الوضع:
ـ عدم قدرتها على إنتاج وعي مطابق لحركة الواقع المجتمعي و اعتمادها بالدرجة الأولى على استعارة مقولات نظرية جاهزة، أنتجتها الحركة الشيوعية العالمية وإسقاطها على واقعنا، دون النظر في متطلبات هذا الواقع وإشكالاته وهو ما يعني عدم اهتمامها بالناس مثلما هم وإنما مثلما يجب أن يكونوا وفقا للمقولات الجاهزة  .
ـ غياب الربط الدقيق بين العمل الجماهيري والعمل السياسي والتنظيمي، بين العمل والنضال من أجل المطالب الآنية والأهداف الاستراتيجية . كما بقي هذا العمل يتسم بالمناسباتية والفوقية عوض الالتصاق بهموم الفئات الشعبية ومساعدتها على أخذ شؤونها بيدها، فالفئات الشعبية لا تثور ضد مفاهيم نظرية  انطلاقا من اقتناعها بقانون تاريخي ما يقود نحو واقع جديد وإنما تثور انطلاقا من حاجياتها ومشاكلها المرتبطة بتوقها  للعدالة والحرية .
ـ فشل هذه القوى منذ 2011 في التصدي للأجندات المشبوهة الساعية إلى تأجيج الصراعات العقائدية والهووية وايجاد تقاطب حداثي /اسلامي مغشوش يطمس جوهر الصراع . بل إنها وجدت نفسها منساقة الى خوض هذه الصراعات وفقا لرؤية مغايرة لخلفيتها رغم ما يسببه لها ذلك من رفض وتشويه لدى الفئات الاكثر تضررا من التفقير والتهميش والاضطهاد .
والجدير بالذكر أن هذه الفصائل وغيرها كانت ولا زالت تحاول تجاوز هذا القصور بالدخول في تحالفات  هي عموما تجميع لعناوين سياسية  تعاني مشاكل عديدة وبذلك يصبح التحالف فضاء تحاول أن تصدر له مشاكلها وأزماتها  بل و به يستطيع بعضها مواصلة البقاء.
وما تعالي الأصوات المنادية بالوحدة اليوم  إلا محاولة جديدة للهروب من مواجهة الإشكاليات الحقيقية والأسئلة الحارقة.
3/ فشل هذه القوى في مواجهة الهيمنة الفكرية السياسية لما يسمى بالعائلة الوسطية وهي تقريبا “الوسط الراديكالي ” الذي تحدث عنه كتاب عديدون وهو قائم على الايمان بنهاية الايديولوجيا واعتبار أن مفاهيم اليسار واليمين قد عفى عليها الزمن وأن العولمة النيوليبيرالية قدر محتوم علينا القبول بها وعليه تصبح  السياسة ادارة محايدة للشؤون العامة بعيدا عن الصراعات الحزبية .  وتتحول القضايا السياسية الى مجرد مشكلات تقنية يجب أن يتولى حلها خبراء تكنوقراطيين .
وللحقيقة فان هذه الهيمنةاستمدت بعض قوتها من مفهوم التوافق الذي انخرطت فيه الفصائل الوطنية الثورية تحت وطئة الأحداث.
واليوم جني نتائج ذلك مجسدة في انعدام الثقة في المؤسسات المنتخبة والأحزاب والسياسيين الذي تكشفه تراجع نسب التصويت في الانتخابات من محطة الى أخرى.
4/ ضعف القدرة على تحليل الواقع وتعقيداته من أجل طرح بدائل لتغييره نظرا لغياب مراكز دراسية جدية تسمح لهذه الأطراف بالاستشراف وتعديل الخطط للاستجابة لمقتضيات التغيير في المجتمع.
فعلى سبيل المثال لم تتمكن هذه القوى من فهم ما يجري في الساحة السياسية طيلة السنوات الخامسة الماضية وتفاجأت عندما احتل قيس سعيد المرتبة الأولى في الدور الأول للانتخابات الرئاسية في حين أن العالم يشهد صعود القوى الشعبوية اليسارية منها واليمينية . 
5/ اذا كان الثوريون قد ابدعوا الأشكال التنظيمية المناسبة لانجاز المهام المنوطة بعهدتهم في ظروف موضوعية محددة لم يختاروها فإننا نعتقد بأننا مطالبون بإعادة النظر في هذه الأشكال على ضوء دروس التاريخ واحتياجات التقدم بالمسار الثوري في مرحلة تطورت فيها وسائل الاتصال
آفاق التجاوز
بما اننا بصدد التفكير في اوضاعنا من أجل تغييرها في لحضة يعود فيها الاستقطاب الثنائي بين الاخوان المسلمين وحلفائهم والدساترة والتجمعيين فاننا نعلن بوضوح اننا مطالبون اليوم بالاجابة على سؤال ما العمل من أجل كسر هذا الاستقطاب للتقدم في انجاز برنامج الثورة
باتجاه خلق أغلبية شعبية قادرة على الوصول الى السلطة ببرنامجها المعبر عن مصالحها المشتركة إن ذلك يتطلب تفعيل عملية التفكير والبحث ، بكثير من الهدوء والعمق بهدف ايجاد آلية حوار فكري من على الأرضية النظرية للاشتراكية العلمية ، حول كل القضايا السياسية والاقتصادية والمجتمعية ، رغم كل الصعوبات التي يفرضها الهجوم العدواني الامبريالي الصهيوني ووكلاءهم المحليين على شعوبنا من جهة ، ورغم ما يعتري هذه المرحلة من ادعاءات القوى الليبرالية الكاذبة تجاه ضرورات الفكر الثوري وراهنيته من الجهة الأخرى…فتح نقاش عميق وهادئ لا يستثني إلا من استثنى نفسه بممارسته أو بمواقفه المتخاذلة أو المعادية للثورة ولمصالح الشعب فإننا ندعوكم إلى أن يكون ذلك في منبر يحمل اسم الشهيد شكري بلعيد وما ذلك بعزيز على رفاقه وأحبته فرسان الفكر والانحياز لقضايا الوطن والشعب.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s